الفصل 6
4
الفصل الرّابع
*******
أمسكتُ بالخنجر بإحكام مع شعور بالتوتر يوقظ كلّ حواسي في جسدي.
نهضتُ من السرير دون صوت ومشيتُ نحو باب الدخول.
كتمتُ حتّى أنفاسي.
صَر، صَر.
كان صوت الخطوات يتّجه بدقّة نحو باب غرفتي ويقترب أكثر فأكثر.
طَق، طَق.
طرق أحدهم الباب بقبضته.
“يا مستجدّ.”
إنّه صوت السينيور جيك.
“……نعم، سينيور.”
ولكن لا يمكنني الاسترخاء.
ألصقت جسدي أكثر على الحائط القريب من الباب.
“أُمر بالاحتشاد. غيّر ملابسك واخرج فورًا.”
تحدّث السينيور جيك باختصار وبصوت مستعجل، ثمّ طرق باب الغرفة المجاورة فورًا.
ولم يمرّ وقت طويل حتّى بدأ يُسمع صوت خطوات متفرّقة هنا وهناك، وكأنّ جميع من في الطابق نفسه يستيقظون من النوم.
“هووو.”
يبدو أنّ الأمر حقيقيّ.
قمتُ بتشغيل الأداة السحريّة، وارتديتُ ملابسي بمظهر رونيلك آينس، ثمّ خرجتُ إلى مكان الاحتشاد.
“ماذا يحدث؟”
“لا أعلم. يقال إنّ هناك اجتماعًا طارئًا في المبنى الرئيسيّ، وطُلب منّا حراسة الممرّ.”
“اجتماع طارئ؟”
المكان الذي وصلتُ إليه مع المجموعة الثالثة عشرة من فرقة العمليات كان الطابق الثالث من المبنى الرئيسيّ، حيث تقع قاعة الاجتماعات الكبرى ومكتب الدوق.
يبدو أنّ الاجتماع قد بدأ بالفعل، حيث كان أفراد آخرون من فرقة العمليات قد وصلوا قبلي ويقومون بالحراسة في الممرّ المظلم والبارد أمام قاعة الاجتماعات.
“أنتَ هنا.”
أوقفني السينيور جيك، الذي خفض صوته تمامًا، أمام باب قاعة الاجتماعات مباشرة.
لماذا هنا بالتحديد؟
عقدتُ حاجبيّ للاحتجاج، لكن السينيور جيك أسكتني بنظرة من عينيه.
كان من الواضح أنّه ينقل المهمّة إليّ لأنّه يخاف من الوقوف هنا بنفسه.
كم هذا دنيء، دنيء حقًّا.
لم يكن بيدي حيلة سوى حراسة جانب الباب، وراقبتُ ملامح الأشخاص الذين وصلوا قبلنا.
ماذا حدث بحقّ الجحيم ليجعلهم مرعوبين إلى هذا الحدّ.
إنّها علامة سيّئة.
اجتماع طارئ في منتصف الليل ووجوه مرعوبة لأفراد المنظّمة.
‘ماذا يحدث بالداخل؟’
لكن باب قاعة الاجتماعات الكبيرة المغلق بإحكام كان عازلًا للصوت بشكل ممتاز للغاية.
وهكذا، بعد مرور بعض الوقت، وعندما بدأ التوتر يتبدّد ببطء.
فُتح باب قاعة الاجتماعات دون أيّ صوت.
ولكن ما أثارني قبل حقيقة فتح الباب، كانت رائحة زفرة تخترق الأنف.
‘رائحة دم.’
الرائحة المألوفة لديّ تمامًا، ولكنّها مقزّزة بالقدر نفسه، تدفّقت من بين شقّ الباب المفتوح لقاعة الاجتماعات الكبرى.
ثمّ ظهر رجل.
طويل القامة بشكل ملحوظ، يملك شَعرًا بنيًّا مموّجًا ومربوطًا لأعلى، ونظرات حادّة تخفي عينين خضراوين داكنتين خلف نظارة، وحتّى فم مُطبق ببرود.
‘دوبون كلانشير، الذراع اليمنى للدوق كيليان نوكس.’
لقد رأيتُه كثيرًا في المستندات عندما كنتُ في شبكة معلومات ويكرز، ولكن بما أنّها المرّة الأولى التي أواجهه فيها.
نظرتُ إلى دوبون كلانشير مباشرة دون أن أشعر.
وكان هذا خطئي.
“أنتَ.”
أشار دوبون كلانشير بإصبعه بعد أن التقت عيناه بعينيّ.
“أَ، أنا؟”
عندما سألتُ بغباء، ارتفع أحد حاجبيه الجميلين ببطء.
“اتبعني.”
آه، هذا الإحساس ليس جيّدًا.
لم يكن بيدي حيلة سوى تحريك جسدي واتّباع دوبون كلانشير وأنا أحني رأسي قليلاً.
وفي اللحظة التي دخلتُ فيها قاعة الاجتماعات تمامًا هكذا.
“هب.”
حبستُ أنفاسي بهدوء بشكل انعكاسيّ.
كانت قاعة الاجتماعات مليئة بأشخاص يرتدون زيّ نوكس الموحّد.
أفراد المنظّمة الواقفون بمحاذاة جدران قاعة الاجتماعات الضخمة، والمسؤولون رفيعو المستوى الجالسون على طول الطاولة الطويلة.
وحتّى القادة الجالسون على الكراسي المريحة التي تشكّل تشكيلًا دائريًّا في المقدمة.
بالنسبة للأشخاص العاديّين، فإنّ الهيبة الطاغية التي كانت تملأ قاعة الاجتماعات وكأنّها ستفجّرها كانت كافية لتجعل قواهم تخور ويسقطون أرضًا بمجرد أن تطأ أقدامهم هذا المكان.
لكن السبب في دهشتي وأنا أستنشق نَفَسي بسرعة لم يكن هذا.
‘إنّها ليست لشخص واحد.’
كان ينبغي لي أن ألاحظ ذلك مسبقًا.
رائحة الدم التي تملأ قاعة الاجتماعات كانت لزجة للغاية.
ليست بالتركيز الذي يمكن أن يصنعه الدم المتدفّق من جسد شخص واحد.
تظاهرتُ بإغلاق فمي بيدي وتفحّصتُ داخل قاعة الاجتماعات بسرعة.
كان عدد أفراد المنظّمة الموجودين في قاعة الاجتماعات الكبرى حوالي ثلاثمئة شخص تقريبًا.
وهو يمثّل جزءًا صغيرًا للغاية مقارنة بالحجم الإجمالي لنوكس.
إذاً، لابدّ وأنّ هؤلاء هم من تُعدّهم نوكس من النخبة.
ما السبب الذي يجعل هؤلاء يجتمعون جميعًا في هذا الوقت المتأخّر من الليل.
كانت الوجوه الشاحبة للأشخاص عند الجدران والطاولة تنظر جميعًا إلى مكان واحد.
‘هل هو هناك؟’
تتبّعتُ النظرات وتفحّصتُ القادة.
الذين يُطلق عليهم ‘قادة’ نوكس هم سبعة في الإجمالي.
رغم أنّها المرّة الأولى التي أرى فيها وجوههم حقيقة، إلّا أنني كنتُ أجمع المعلومات عنهم باستمرار عندما كنتُ في ويكرز، لذا كانوا مألوفين بالنسبة لي وكأنّهم جيران أعرفهم منذ زمن طويل.
القادة الجالسون بوضعيات مختلفة على الكراسي المريحة ينتمون جميعًا لعائلات تابعة أظهرت الولاء لنوكس جيلًا بعد جيل.
والآن، كانت هناك ثلاثة مقاعد شاغرة بينهم.
‘أحد المقاعد لدوبون كلانشير الذي خرج لمناداة شخص بالخارج، والمقعد الآخر لابدّ وأن يكون لذلك الفتى.’
لقد سمعتُ وعرفتُ بالفعل أنّ ‘ذلك الفتى’، وهو قائد الحرس الشخصيّ، قد غادر العاصمة منذ بضعة أشهر.
‘المقعد المتبقي…… يبدو أنّه لغراير نوكس.’
وكما يتّضح من لقب نوكس، فإنّ غراير نوكس، على عكس القادة الآخرين، ينتمي لعائلة الدوق وليس لعائلات تابعة.
بل إنّه عمّ كيليان نوكس ويتولّى إدارة قسم المعلومات منذ عهد الدوق السابق.
وبطبيعة الحال، عندما كنتُ أتساءل عن سبب عدم رؤية وجه ذلك العجوز الغبيّ الذي اشتبكتُ معه أكثر من غيره.
وقف ظلّ شخص يرتدي زيّ نوكس ببطء وسط الظلام.
لا.
لم يكن ذلك برغبته، بل كان جسده يرتفع لأعلى بعد أن قُبض على عنقه من قِبل شخص ما.
حاول تحريك قدميه اللتين لم تعودا تلمسان الأرض، لكن بدا أنّ قوّته لا تكفي للإفلات من قبضة الشخص الذي يمسك به.
“أَ، أرجوك أنقذ نـ…… كحك! “
أُدُدُدُك─!
وقبل أن يكمل استعطافه اليائس، تردد صدى صوت سحق العظام واللحم.
انحنى عنقه مثل دمية من الطين وفارق الحياة، لكن المعاناة لم تنتهِ.
تشوواك!
تدحرج الرأس المقطوع على الأرض وهطل مطر أحمر داخل قاعة الاجتماعات.
ومع صوت سقوط الجسد كأنّه أمتعة مُلقاة، ظهر شخص آخر يجثو على ركبتيه في المركز حيث يجلس القادة في حلقة دائرية.
‘……غراير نوكس.’
لقد كان صاحب المقعد الأخير الشاغر بين القادة.
“أَ، أنا آسف يا سيادة الدوق. لا وجه لي، أرجوك ارحمني…….”
والشخص الذي كان ينظر لأسفل إلى غراير نوكس وهو يرتعد ويستجدي الرحمة بعد أن انتزع عنق الشخص بيد واحدة، هو.
“اسمع.”
في تلك اللحظة، حُجبت رؤيتي بالكامل باللون الأسود.
لا، بل إنّ دوبون كلانشير قد وقف أمامي فجأة.
وبسبب الفارق الكبير في الطول بيننا، ظننتُ للحظة أنّ الرؤية قد أظلمت.
“اذهب وجهّز ماء الاستحمام. “
“ماء…… الاستحمام؟ “
ما هذا الكلام المفاجئ.
“هل أنتَ مستجدّ؟”
أشار دوبون كلانشير، الذي عقد حاجبيه مرّة أخرى وارتسمت على وجهه ملامح الاستياء، إلى باب يقع في أحد جدران قاعة الاجتماعات.
“هناك حمام متّصل بمكتب سيادة الدوق. املأ ماء الاستحمام.”
لا، هناك المئات من الخدم الذين يعملون في هذا القصر!
ويستدعي شخصًا نائمًا في منتصف الليل!
رغم أنّ الأمر كان قذرًا ودنيئًا، إلّا أنّ دوبون كلانشير هو الرجل الثاني في نوكس.
وهذا يعني أنّه شخص يمكنه طرد موظّف مستجدّ مثلي بإشارة من إصبعه.
وأنا جسدي لا يجب أن يُطرد من نوكس.
اللعنة.
لماذا لا تخطئ التوقّعات السيّئة أبدًا.
وهكذا، في اللحظة التي خطوتُ فيها للذهاب إلى المكان الذي أشار إليه دوبون كلانشير.
“خطأ قسم المعلومات…….”
“نهاية الجاسوس على أيّ حال…….”
تطايرت حوارات الأشخاص الذين كانوا يتهامسون بمحاذاة الجدار ووصلت إلى أذني مجزّأة.
“آه.”
قسم المعلومات.
جاسوس.
رغم أنّ الكلمتين هما كلّ ما التقطتُه، إلّا أنّهما كانتا كافيتين.
كادك.
عضضتُ على أسناني واندفعتُ داخل مكتب كيليان نوكس.
ودون أن أملك وقتًا لتفحّص ذلك المكان، بحثتُ عن الحمام وفتحتُ الماء الساخن ليتدفّق بقوّة.
“هكذا، سيكون الأمر بخير.”
رأيتُ يدي التي تستند على حوض الاستحمام ترتجف قليلاً.
ذلك الشخص الذي انتُزع عنقه وهو يرتدي الزي الموحد.
“جاسوس……. لقد كان جاسوسًا.”
كان من الطبيعيّ أن يرتعد غراير نوكس هكذا ويستجدي الرحمة من كيليان نوكس.
فمنع الجواسيس من التسلّل إلى نوكس هو عمل قسم المعلومات.
ولكن يبدو أنّ كيليان قد اختار بنفسه الجاسوس الذي غفل عنه غراير نوكس.
لقد كان غراير نوكس هو الشخص الذي أعرفه أكثر من بين القادة السبعة.
لأنّه كان المسؤول عن معلومات نوكس الذي خضتُ ضدّه حرب جاسوسيّة عندما كنتُ في ويكرز.
لقد كان خصمًا عاجزًا قليلًا وكسولًا قليلًا، لذا لم يكن من الصعب التعامل معه.
وبما أنّه بهذا المستوى من المهارة، فإنّ غفلته عن الجاسوس ليست أمرًا مفاجئًا للغاية ولكن.لا، ليس هذا.
رأسي الذي أصبح فوضويًّا مثل خيوط متشابكة لم يكن يحتوي إلّا على المظهر الفظيع للجاسوس الذي قُسم إلى نصفين قبل قليل.
“إذا كُشفتُ، فسيكون هذا هو المصير.”
يبدو أنّ سمعة كيليان نوكس المرعبة للغاية لم تكن هباءً.
ربما كانت ويكرز أكثر إنسانيّة بكثير مقارنة بنوكس.
“يجب ألّا أواجهه أبدًا.”
قد يكون من الممكن خداع أعين قسم المعلومات الذي يديره غراير نوكس، لكن قد لا يكون من الممكن خداع كيليان نوكس.
ولكن ولسوء الحظّ، كان عليّ إنهاء العمل الذي كلفني به دوبون كلانشير ثمّ الهروب.
‘ليحدث ما يحدث.’
تشووالام!
ومن أجل مغادرة هذا المكان في أسرع وقت ممكن، فتحتُ الماء البارد أيضًا بقوّة.
حوض الاستحمام هذا كبير بشكل غير ضروريّ!
“انتهيتُ!”
انتظرتُ وأنا أهزّ أطراف قدميّ بتوتر، وبمجرد أن امتدّ الماء إلى حدّ ما، أغلقتُ كلا الصنبورين.
يمكنني الذهاب الآن!
وفي اللحظة التي خطوتُ فيها خطواتي وأنا أتنقّس الصعداء براحة.
بَلكَك!
فُتح باب الحمام الثقيل بخفّة كأنّه ورقة، ودخل رجل.
طَب، طَب.
نظرتُ إلى القدمين اللتين تتركان أثر دم أحمر مع كلّ خطوة، ورفعتُ رأسي دون أن أشعر بسبب الهالة القاتلة الحادّة.
والتقت عيناي مباشرة بزوج من العيون الذهبيّة.
‘إنّه كيليان نوكس.’
آه، لهذا السبب قالوا إنّه من سلالة التنانين.
الحدقتان المشقوقتان طوليًّا مثل التنانين الأسطوريّة، وليس بشكل دائريّ عاديّ، والعينان الذهبيّتان اللامعتان بدتا وكأنّهما تخترقانني.
‘إذا نظرتَ إلى عيني كيليان نوكس، فستتحوّل إلى حجر فورًا.’
لقد كانت كلمات سمعتُها ذات يوم كأنّها مزحة.
يجب أن أتحرّك.
يجب أن أحني رأسي بسرعة.
لكن جسدي لم يستمع لأمري.
ولم أتمكّن حتّى من تحويل نظراتي وكأنّها أصبحت أسيرة.
رأيتُ الشَّعر الفضيّ الذي يلمع مثل نصل صُقل بعناية، والحاجبين المستقيمين.
وتحتهما ظهرت نظرات عميقة وجسر أنف مرتفع.
الدم الذي تطاير على الشفتين الجميلتين والبشرة البيضاء الملساء مثل الخزف بدا فاحشًا بطريقة ما.
والشَّعر والياقة اللذان تشتّتا قليلًا كانا يبعثان بسحر تدميريّ مغرور.
عندما كنتُ أجمع المعلومات عن كيليان نوكس أثناء عملي في ويكرز، كانت الكلمة الأكثر تكرارًا هي ‘مجنون’.
لقد ظننتُ أنّ هذا يعني أنّ كيليان نوكس هو رجل مجنون بالفعل.
ولكن في الحقيقة، ألم يكن هذا يعني أنّ جماله هو المجنون.
خطرت مثل هذه الفكرة غير المعقولة في رأسي المندهش.
طَب, طَب.
“……هعع.”
وعندما تحرّكت خطوات كيليان نوكس التي توقّفت للحظة ومرّ بجانبي، انفتح مجرى نَفَسي الذي كان مغلقًا.
وعندما تمكنتُ من اللهاث ولو بشكل مخزٍ، أصبح رأسي صافيًا مرّة أخرى.
‘يجب أن أهرب من هنا فورًا.’
مشيتُ وأنا أخفي حركتي قدر الإمكان بناءً على تلك الرغبة الفطرية وحدها.
ومع كلّ خطوة، شعرتُ وكأنّ قلبي سينفجر من شدّة التوتر.
وهكذا، في اللحظة التي كنتُ على وشك تجاوز حدود الحمام بشقّ الأنفس.
شعرتُ بقشعريرة تسري في مؤخّرة عنقي التي ظهرت بسبب الشَّعر القصير.
وناداني صوت منخفض، كسول وممزوج بنبرة دمويّة.
“أنتَ هناك.”
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.