الفصل 140
*******
“مراقبة”
تمتمَ كين ديغريف بنبرةٍ بطيئة، وكأنّه يسترجع معنى تلك الكلمة في ذهنه.
ثم أجابَ وكأنّه يلقي الكلمات بلا اكتراث.
“لأنني كنتُ فضوليًّا”
“بشأن ماذا؟”
“لا شيء”
“لا شيء؟”
“لماذا منكِ…”.
كانت عيناه السوداوان تحدّقان بي طويلًا.
ومن نظرته التي لم تستقرّ على موضعٍ واحد، بل تنقّلت بين وجهي وكتفي وشعري، أدركتُ الأمر.
كان كين ديغريف يرسم شيئًا فوق صورتي في ذهنه.
لذلك ابتلعتُ ريقي الجاف بصعوبة، وانتظرتُ إجابته.
“……”.
لكن بعد صمتٍ طويل، لم تكن الإجابة التي خرجت منه سوى سؤال.
“وماذا عن كتفكِ؟”
“كتفي؟”
ما الذي يتحدث عنه فجأةً؟
وما شأن كتفي؟
كنتُ مضطرةً أصلًا إلى قراءة ما بين السطور في كل حديثٍ يجمعني بكين ديغريف، لكن الأمر ازداد سوءًا الآن بسبب سُكره.
سألته مجددًا لأنني لم أفهم، لكنه لم يشرح شيئًا، بل ظلّ يحدّق في كتفي فحسب.
هل يقصد أن أحرّكه؟
وللتأكد، حرّكتُ أحد كتفيّ قليلًا، فهزّ رأسه هذه المرة وكأنّه راضٍ.
لم أستطع إطلاقًا متابعة تدفق أفكار كين ديغريف وهو ثمل… لحظة، أليس الأمر متعلقًا بذلك؟
“هل تقول هذا بسبب إصابتي في كتفي؟”
كنتُ لا أزال مترددةً في أثناء طرح السؤال، لكن كين ديغريف أومأ برأسه، على نحوٍ مثيرٍ للدهشة.
“لقد كان الجرح عميقًا إلى حدٍّ لا بأس به في ذلك اليوم”
فقدتُ القدرة على الكلام للحظة.
أقسمُ إنني سريعةُ البديهة.
ولولا ذلك، لما بقيتُ على قيد الحياة حتى الآن.
ومع ذلك، لم أدرك الأمر طوال هذا الوقت.
ففي كلّ مرةٍ يحين فيها وقت التدريب عند الفجر، كانوا يرهقونني حتى يبتل جسدي كله بالدم والعرق، لكن الإصابة الوحيدة التي يمكن وصفها فعلًا بأنّها «جرح» كانت في اليوم الأول، وكانت الأخيرة أيضًا.
ثم جاءت كلماته التالية أكثر مفاجأةً.
“قلتِ إن الأمر يستغرق وقتًا طويلًا حتى تُشفى إصابتكِ تمامًا”
“إذن، لو كنتُ مثلكَ، أيها القائد؟”
“……ليلةٌ واحدة”.
في اليوم الأول الذي تقابلنا فيه بالسيوف، عندما أحدث كين ديغريف جرحًا عميقًا في كتفي، كان يظنّ أنّني، مثله، سأُشفى تمامًا خلال ليلةٍ واحدة.
لكن حتى أنا، وأنا شخصٌ عاديّ، وإن كنتُ أتمتع بقدرةٍ على التعافي أسرع من الآخرين بفضل دم التنين، لم يكن ذلك ممكنًا.
ولو أردنا تفسير مجرى حديثنا حتى الآن بطريقةٍ يسهل فهمها، فسيكون الأمر تقريبًا على هذا النحو.
لذلك قررتُ أن أربط خيطًا آخر من بين السطور.
“هل لهذا السبب كنتَ تتبعني؟”
“……ظننتُ أنّكِ تعرف”.
“وكيف لي أن أعرف ذلك؟!”
“لأنك قلت ذلك في الجناح الطبي”.
“أنا؟”
“ربما يفعل ذلك لأنّه قلقٌ بشأن إصابتي”.
“أنا بخير، أيها القائد. صحيح أنّ الجرح كان أعمق قليلًا مما توقعتُ، لكنني سأحتاج إلى تحمّل بعض الانزعاج لبضعة أيامٍ فقط”
……ربما كان الأمر كذلك فعلًا.
عندما فكرتُ في الأمر، تذكرتُ أنّه منذ ذلك الحين كان يتبعني إلى المكتبة والمطبخ، ويساعدني كلما حاولتُ حمل شيءٍ ثقيل.
بل إنّه ساعدني حتى في تقشير البطاطا بيدٍ واحدة.
“آه”
إذن، لم تكن مراقبةً.
تدفّق إليّ مع تنهّدي شيءٌ من الحرج، وشعورٌ عميقٌ بالفراغ.
ماذا كنتُ أفعل طوال هذا الوقت؟
كان كين ديغريف يتبعني ببساطة لأنه شعر بالمسؤولية تجاه الكتف الذي أصابني به، وكان يساعدني بسببه.
وأنا، من دون أن أعرف ذلك، ظللتُ أشكّ فيه وأتوجّس منه!
مرّت أمام عينيّ كأنّها شريطٌ سريع تلك الأيام التي قضيتُها وأنا أركض هنا وهناك وحدي، محاوِلةً استكشاف حقيقة مشاعره.
حسنًا، من الجيد على الأقل أنّه لم يكن يراقبني لأنه يشكّ فيّ، لكن…
صحيح، لكن…
بصراحة، شعرتُ بأنّ وجهي كله يحترق من شدة الإحراج.
كان كين ديغريف ينظر إليّ بعينين ترفّان بكسل، وكأنّه لا يعرف أنّني أرغب في الصراخ قائلةً: «واااااااااه!»
لكن مهما يكن، فإنّ الإحراج يبقى إحراجًا.
ومع ذلك، بما أنّ الأمور وصلت إلى هذا الحد، قررتُ أن أتمادى قليلًا وأتصرّف بوقاحة أكبر.
خفضتُ وجهي الذي كنتُ قد أسندته إلى كفّي، ثم رفعتُه ونظرتُ إلى كين ديغريف.
“إذن، ما رأيكَ في أن نستخدم السيوف الخشبية بدلًا من السيوف الحقيقية من الآن فصاعدًا؟”
“السيوف الخشبية؟”
“عندها لن أُصاب بجروح، وإذا لم أُصب بجروح، فلن يكون هناك سببٌ يجعل القائد يتكبّد عناءَ متابعتي ومساعدتي، أليس كذلك؟”
مال رأس كين ديغريف قليلًا إلى الجانب عند سماع اقتراحي.
كان يفكّر في الأمر.
نعم، فكّر أكثر قليلًا!
أليس من المزعج أن تظلّ تتبعني كل يومٍ كجروٍ صغير؟
وأنتَ مزعجٌ لي أيضًا!
لكن، ويا للأسف، كان كين ديغريف حازمًا.
“السيف الخشبي مرفوض”.
“ماذا، لماذا؟!”
“لأنك لن تتوتر حينها”.
كان كلامه منطقيًّا.
فالإنسان في النهاية حيوان.
ولا توجد وسيلةٌ ترفع سرعة التعلّم أكثر من تهديد غريزة البقاء.
ولهذا، لم يسبق لأيٍّ من رجالي أن أمسك سيفًا خشبيًّا.
“لكن…”.
“ما لا يجوز، لا يجوز”.
تبًّا.
لماذا يكون حازمًا بلا داعٍ في مثل هذه الأوقات تحديدًا؟
لكن شيئًا واحدًا أصبح مؤكدًا.
يبدو أنّه يصبح كثير الكلام عندما يسكر.
كان في العادة يطبق فمه بشدةٍ لدرجةٍ تجعلني أظنّ أنّه يمارس الصمت التعبدي، فيكاد يفتّت أعصابي.
لكن يبدو أنّ وعيه أيضًا قد ارتخى وتحرّر، تمامًا كملامح وجهه المسترخية.
لو كان أحد رجالي، لقلتُ له ألّا يقترب من الخمر حتى بحجم قطرةٍ واحدة من الآن فصاعدًا.
لكن كين ديغريف لم يعد أحد مرؤوسيّ، وفوق ذلك أصبح الآن قائد الحرس الشخصي لنُوكس.
أي إنّه لم يعد في موقعٍ قد يوقعه في مشكلةٍ كبيرة لمجرد أنّه أصبح كثير الكلام.
ما دام لا يلتقي بأشخاصٍ مثلي يترصّدون كل فرصةٍ لاستخراج شيءٍ منه.
“هل تسمح لي بأن أسألكَ عن أمرٍ آخر، أيها القائد ديغريف؟”
“……ما هو؟”
لم يكن في وجهه الذي ردّ به عليّ أيّ أثرٍ للحذر تجاهي.
وربما كان تفسيره بأنّه كان يتبعني بدافع المسؤولية، لا للمراقبة، حقيقيًّا فعلًا.
“إن كان سؤالي وقحًا، فأرجو منك أن تعتبره كأنّك لم تسمعه”
لو لم يكن كين ديغريف ثملًا حقًّا، فسأتلقى لكمةً واحدة على الأقل، بل ربما أُضرب إلى حدٍّ يجعلني أستعدّ للموت.
لكنّه كان سؤالًا يستحقّ المخاطرة.
كنتُ أريد معرفة سبب تجوال كلب كيلّيان نُوكس خارجًا بعيدًا عن سيّده طوال عامٍ كامل.
كان إحساسًا يشبه الحدس، يجعل أعلى رأسي يؤرّقني، وكان أقوى من أن يُسمّى مجرّد فضول.
كان هناك شيءٌ يخبرني بأنّ عليّ معرفة السبب.
“سمعتُ أنّك كنتَ بعيدًا عن نُوكس طوال العام الماضي”.
فالكلب الذي غاب عن المنزل طويلًا عوقب من سيّده عند عودته.
وهذا يعني أنّ غياب كين ديغريف لم يكن أمرًا أراده كيلّيان نُوكس.
لكنّ العقوبة نفسها كانت غامضةً للغاية.
فالأمر يختلف عمّا كان يبدو عليه في الماضي، عندما كنتُ لا أعرفه سوى من خلال الوثائق.
أما الآن، وبعد أن اختبرتُ كيلّيان نُوكس بنفسي، فيمكنني القول بثقة:
بالنظر إلى طباعه القذرة، لا بدّ أنّ كين ديغريف عاد وهو مستعدّ للموت على الأرجح.
ومع ذلك، لم تكن العقوبة المفروضة عليه سوى الإقامة الجبرية لمدة شهرٍ واحد.
إذن، يمكنني أن أستنتج أنّ هناك ظروفًا متعلقةً بسبب مغادرة كين ديغريف لنُكس، ظروفًا تستحقّ أن يُراعى أمرها.
ذلك الجانب اللين في كيلّيان نُكس، الذي لا دم فيه ولا رحمة… هو ما كنتُ أريد معرفته.
“أين كنتَ طوال ذلك الوقت؟”
“……في مكانٍ بارد”.
جاءت الإجابة على نحوٍ أسرع مما توقعتُ.
“مكانٍ بارد أين…؟”
“هل قلت إنّ هناك شخصًا كان يعتني بك؟”
وكأنّ الحوار كرةٌ صغيرة يلعب بها الأطفال، قفزت المحادثة مجددًا إلى مكانٍ لا يمكن التنبؤ به.
لكنني تحلّيتُ بالصبر هذه المرة أيضًا، وتلقّيتُ سؤال كين ديغريف الذي ارتدّ إليّ فجأةً ككرةٍ قفزت: طَق!
“هل تقصد طفولتي؟”
“نعم. في روبنهايفن، هناك”
“صحيح… هذا صحيح. لقد أخبرتكَ عن الشخص الذي علّمني استخدام السيف، أليس كذلك؟”
لم يكن هناك شخصٌ كهذا أصلًا.
فباستثناء النشل وفتح الأقفال، كنتُ قد تعلمتُ جميع المهارات التي أمتلكها في ويكرز.
بل لا يمكنني حتى القول إنّني تعلمتُها.
فلم يكن هناك أحدٌ يعلّمني شيئًا.
لقد كنتُ أقتبس مهارات الآخرين وأسرقها فقط من أجل البقاء، وأثبتُ بذلك مدى فائدة «هيلينا».
“كيف كان معلّمكِ؟”
“هممم، في الحقيقة…”
بسبب كذبةٍ ألقيتُها للتملّص من الموقف، أوشكتُ الآن على اختلاق معلّمٍ لم يكن موجودًا أصلًا.
“معلّمي كان…”
كان نطق كلمة «معلّمي» غير المألوفة بالنسبة إليّ يثير حكةً غريبةً في فمي.
“شخصًا قويًّا… بالطبع. وكان قاسيًا بعض الشيء أيضًا”
“و ماذا بعد؟”
“و كان يظهر فجأةً، ثم يختفي في أحد الأيام من دون سابق إنذار”.
إذا قلتُ الأمر بهذه الطريقة، فسيتطابق مع ما أخبرتُهم به سابقًا عن وجود شخصٍ كان يعلّمني فنون المبارزة من حينٍ إلى آخر.
حقًّا، حتى الكذب يحتاج إلى ذكاء.
لكن كين ديغريف ظلّ ينظر إليّ.
“هل… تريدني أن أخبركَ بالمزيد؟”
“نعم”.
بدفعٍ قصيرٍ وثقيل، اضطررتُ إلى تشغيل عقلي بأقصى سرعةٍ من جديد، واختلاق معلّمٍ لم أمتلكه يومًا.
كلما كان الموقف أكثر استعجالًا، كان مزج الكذبة بالحقائق أكثر إقناعًا من البدء من صفحةٍ بيضاء واختلاق كل شيء، وفوق ذلك كان أسرع.
وهكذا، في لحظةٍ ما، وجدتُ نفسي أردد حرفيًّا ما كان رجالي يقولونه عني.
فحتى إن كنتُ لم أتلقَّ تعليمًا من أحدٍ قط، فقد علّمتُ الآخرين كثيرًا.
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.