الفصل 137
*********
حتى عندما وقفتُ أنا وكين ديغريف أمام الطاولة، لم يكن أفراد فرقة العمليات قد تخلّصوا بعدُ من صدمتهم وذهولهم.
“يـ، ينبغي أن نقف.”
وبفضل كلمة واحدة قالها السينيور جيك ، الذي كان أسرعهم استعادةً لرباطة جأشه، تمكّنا على الأقل من تجنّب خطأ الجلوس كالبُلهاء أمام أحد القادة.
وفجأة!
طاخ!
وبسبب أفراد فرقة العمليات الذين نهضوا دافعين كراسيهم، انقلبت الكراسي على الأرض وتدحرجت، لكن لم يعبس أحد أو يلم أحدًا على ذلك.
حتى العم يانيك، صاحب المطعم المشهور بلسانه البذيء، لم يفعل.
بدا أن الجميع قد تجمّدوا وأفواههم ما زالت مفتوحةً على اتساعها، ولم يكن لديهم حتى متّسع للاهتمام بتلك الكراسي القديمة التي بدأت تصدر صريرًا.
“مـ، ما الذي يحدث بحق…؟”
تمتم السينيور بونو وهو يلهث.
أما أنا فقد اعتدتُ الأمر الآن، وتقبلته باعتبار أن ظلًّا كبيرًا ومزعجًا آخر قد أُضيف إلى حياتي، لكن الأمر مختلف بالنسبة إلى أفراد فرقة العمليات.
لا، ما المختلف في الأمر؟ لا بد أنهم يتساءلون إن كان هذا كابوسًا آخر.
خرجوا لاحتساء كأس من الخمر مع رفاقهم في مطعمهم المعتاد، فإذا بقائد يظهر أمامهم فجأة.
وليس أي قائد، بل قائد الحرس الخاص سيّئ السمعة، المعروف بأنّه كلب صيد الدوق نوكس.
‘آسف، أيها الكبار.’
كنتُ مدركةً أنني أفعل بهم شيئًا لا ينبغي فعله، بعدما اعتنوا بي بحرصٍ بطريقتهم الخاصة طوال السنة التي قضيتها في فرقة العمليات.
لكنني أيضًا لا أريد أن أرى كين ديغريف في موقفٍ حرج.
……وسيؤلمني ضميري إن قلت إن هذا لا علاقة له بالانتقام منه بسبب إجباري على التمرّن في ساحة التدريب كل يوم.
“……”
“……”
طال الصمت والسكون أكثر فأكثر.
ولو أردتُ الدفاع عن الكبار، فلم يكن أمامهم أي خيار.
فما لم يبادر المسؤول الأعلى بطرح سؤال أو يسمح لهم بالكلام، فإن عدم فتح أفواههم من تلقاء أنفسهم هو أحد أنظمة نوكس.
ولم يكن أمام الثلاثة، بمن فيهم السينيور هوبيرت الذي أدرك الموقف متأخرًا وهرع مسرعًا إلى هنا، سوى الوقوف في وضعية الانتباه والانتظار.
أما كين ديغريف، فبدا كعادته وكأنه يلتزم الصمت فحسب.
‘إنه فعلًا في موقفٍ حرج، أليس كذلك؟!’
فالهواء المحيط به، ذلك الرجل الشبيه بدُميةٍ بلا مشاعر، كان مضطربًا ولا يعرف كيف يتصرّف!
‘ههه.’
شعرتُ بأن ضغينةً متراكمةً طوال الوقت، تشبه رَوث خنفساء الرَوث الذي تكتّل بعدما تدحرج هنا وهناك، بدأت تذوب ولو قليلًا.
لقد كان شعورًا مُرضيًا إلى درجةٍ جعلتني أشعر بأن الجروح المنتشرة في أنحاء جسدي قد تلتئم بسرعةٍ من شدّة الابتهاج.
“أحم! مرّ وقت طويل، أيها الرفاق.”
وبما أن مزاجي تحسّن، ولم أعد أستطيع تعذيب الكبار المساكين أكثر، بادرتُ بالكلام.
“أيها القائد ديغريف، هؤلاء هم الزملاء الذين عرفتهم في أثناء وجودي في فرقة العمليات. ما زال من ضمن روتيني المسائي أن أتناول الطعام وأشرب معهم.”
“……حسنًا.”
أومأ كين ديغريف برأسه إيماءةً قصيرة.
لكن هذا كان كل شيء.
لم يُظهر إطلاقًا أي تصرّف يليق بمسؤولٍ أعلى يتولّى زمام الأمور أو يخفف الأجواء مع مرؤوسين اضطروا إلى استقباله فجأة.
‘إنه صعب المراس فعلًا.’
كنتُ أعرف أصلًا أنه شخص يفتقر تمامًا إلى المهارات الاجتماعية.
لكن أن يترك مرؤوسيه الذين يبدو عليهم التوتر الشديد هكذا؟
حتى لو كان لا يهتم بنظرات الآخرين، أليس هذا مبالغًا فيه قليلًا؟
“آه، أيها القائد ديغريف.”
لم أعد أحتمل رؤية ذلك، فتحدثتُ بحذر.
“هل يمكن للكبار في فرقة العمليات أن يقدّموا تحيتهم؟”
“……افعلوا ذلك.”
وما إن صدر إذن كين ديغريف، الذي توقّف للحظةٍ لسببٍ ما، حتى بدأ الكبار بترديد أسمائهم ورتبهم واحدًا تلو الآخر.
“العنصر النظامي في الفصيلة الثالثة عشرة من فرقة العمليات، هوبيرت ساور!”
“العنصر النظامي في الفصيلة الثالثة عشرة من فرقة العمليات، بونو ألتهاوس!”
“العنصر النظامي في الفصيلة الثالثة عشرة من فرقة العمليات، جيك تشنتنر!”
“استريحوا.”
“شكرًا لك!”
أوه، لم أكن أعلم أن في داخل الكبار جانبًا بهذه السرعة والانضباط.
حتى أنا، في أول يومٍ لي كمتدرّب جديد انضم إلى فرقة العمليات بعد أن تدحرجتُ إليها بطريقةٍ أو بأخرى، لا أظن أنني كنتُ بمثل هذا النشاط.
وبالإضافة إلى انتقامي الصغير من كين ديغريف، شعرتُ وكأنني أتعافى من الماضي الذي كان فيه الكبار يضايقونني دون قصد.
كان من الصعب جدًا كبح الضحكات التي كانت تكاد تتسرّب مني.
“ماذا ستفعل، أيها القائد؟ أما أنا، فأفكر في قضاء الوقت مع رفاقي القدامى هنا حتى منتصف الليل.”
عند سؤالي، أخذ كين ديغريف يجول بنظره ببطء في أرجاء مطعم العم يانيك.
وانتقلت عيناه الهادئتان تباعًا إلى الكبار الثلاثة الواقفين، ثم إلى الزبائن الآخرين الذين كانوا ينظرون نحونا بوجوهٍ مذهولة.
“سأشارككم أيضًا.”
كنتُ أعلم أنه سيقول ذلك.
جلستُ متظاهرةً بأنني لم أرَ الكبار الذين كانوا يطالبونني بتفسيرٍ بأعينٍ جاحظة، إذ لم يستطيعوا شتمي أمام أحد المسؤولين، ثم رفعتُ يدي عاليًا وصحتُ:
“نريد الطلب هنا!”
*******
“آآه!”
يا لها من لذّة احتساء البيرة الباردة داخل مكانٍ دافئ في يومٍ يتساقط فيه الثلج بغزارة!
كان النبيذ الفاخر في قصر ديغريف يُقدّم مع كل وجبةٍ لذيذًا أيضًا، لكن هذا النوع هو ما أفضّله في النهاية.
وبينما وضعتُ كأس البيرة الضخمة ومسحتُ طرف فمي، سألني السينيور هوبيرت بصوتٍ متلعثم وغريب، كأنّه سيصدر صريرًا:
“أمـ، أمورك بخير خـ، خلال هذه الفترة؟”
“نعم، كنتُ في إجازةٍ لمدة ثلاثة أسابيع بعد انتهاء معسكر التدريب. أكلتُ ولعبتُ حتى شبعت. وأنتم؟ هل كل شيءٍ على ما يرام في فرقة العمليات؟”
“نـ، نعم. كل شيءٍ كما هو دائمًا……. أعني، نحن نعمل بجدٍ كل يوم! هاهاها!”
كان الثلاثة جميعًا من العناصر النظاميين في الرتبة نفسها، لكن هوبيرت ، باعتباره صاحب أطول سنوات خدمة بينهم، واصل الحديث معي قسرًا.
……إنه يبذل جهدًا كبيرًا.
وبالنظر إلى تعبير وجهه الغريب الذي جعلني محتارةً إن كان يضحك أم يبكي، فقد كان من الواضح أن عضلةً قد أصابها تشنّج عند زاوية فمه.
“كم نشعر بالفراغ منذ غياب أصغرنا!”
“الجميع يتحدثون عن روكي كثيرًا……!”
أما السينيور بونو ، الذي كان يقبض بكلتا يديه على كأس البيرة وكأنها حبل النجاة الوحيد، فيمكنني تفهّمه، لكن السينيور جيك تعطّل تمامًا في النهاية.
وكان سبب هذا الموقف المؤلم والمضحك في آنٍ واحد بسيطًا.
فقد قال قائد الحرس الخاص كين ديغريف، بعدما أُعطي أفضل مقعدٍ على الطاولة:
“لا تهتموا بوجودي.”
ولذلك كان الكبار يبذلون قصارى جهدهم، وكأن حياتهم متوقفة على الأمر، متظاهرين بأن كين ديغريف غير موجود في المقعد.
وفي تلك اللحظة، صدر صوتٌ ثقيل:
“دَوِيّ!”
ثم وُضع طبقٌ خشبي ضخم مملوء بالطعام إلى درجةٍ جعلت الطاولة تبدو ضيّقة.
“تناولوا الطعام بشهية، من فضلكـم، تفضلوا……”
هذا الشخص تعطّل أيضًا.
وضع العم يانيك كميةً من اللحم المشوي تُقدّر بثلاثة أضعاف الكمية المعتادة، ثم انحنى محييًا إياهم وابتعد مسرعًا.
“كـ، كل كثيرًا، يا روكي.”
“نعم، وأنتم أيضًا تناولوا الطعام بشهية.”
استغللتُ فرصة عدم استعادة الكبار لوعيهم بالكامل، وقطّعتُ أفضل قطع اللحم بسرعةٍ ووضعتها في طبقي.
في الظروف العادية، ما كنتُ لأحصل عليها إلا بعد معركةٍ شرسة من النظرات والملاعق.
أحيانًا يكون وجود كين ديغريف مفيدًا فعلًا.
وبينما كنتُ أرتشف البيرة بسعادة، وضعتُ قطعةً كبيرةً من اللحم في فمي، وشعرتُ بأن التعب الذي تراكم في داخلي طوال الوقت، دون أن أدرك، بدأ يذوب.
كنتُ أرغب، من أعماق قلبي، في الاستمرار بتكرار الأمر بلا نهاية، متجاهلةً ما حولي حتى أشبع.
لكنني…… طيبة أكثر من اللازم لأفعل ذلك.
“أوف.”
تنهدتُ بصوتٍ خافت حتى لا يسمعني الآخرون، ثم أخذتُ الطبق من يد السينيور جيك.
كان قد وضع بعض اللحم المشوي لقائد الحرس الخاص، لكنه كان مترددًا لأنه لم يجد الشجاعة لتقديمه إليه.
حتى لو قال لنا ألا نهتم بوجوده، فلا يمكننا أن نأكل نحن وحدنا، أليس علينا أن نقدمه له؟
لكن هل من الصواب أصلًا تقديم مثل هذا الطعام إلى أحد المسؤولين؟
كان من الواضح تمامًا أنه كان يفكر في هذا الأمر.
وضعتُ الطبق المملوء باللحم المشوي أمام كين ديغريف وقلتُ:
“جرّبه مرةً واحدة. مذاقه لذيذ أكثر مما يبدو.”
تناوب ذلك الرجل بين النظر إلى الطبق وإليّ، ثم رفع شوكته وقضم قطعةً من اللحم المشوي.
“لذيذ، أليس كذلك؟”
“……”
هذه المرة أيضًا لم يقل كين ديغريف شيئًا، لكن لم تكن هناك حاجةٌ فعلية إلى سماع إجابته.
فقد اتسعت عيناه قليلًا، وأصبحت يداه اللتان تمسكان بالشوكة والسكين أكثر انشغالًا.
لحم العم يانيك المشوي يستحق ذلك فعلًا.
وبينما كنتُ على وشك تناول وجبتي براحةٍ أكبر قليلًا، نكزني السينيور جيك في خاصرتي مرارًا.
“هل يجوز أن نعطي مثل هذا الطعام لشخصٍ كهذا؟”
“ما المشكلة في هذا الطعام؟ إنه طعامٌ يأكله البشر مثلنا.”
“لا، ما أقصده هو……. أنت تعرف ما أعنيه!”
“لكنه يأكل جيدًا.”
وأشرتُ بعينيّ إلى كين ديغريف، فأصدر السينيور جيك صوت أنينٍ خافت.
“صحيح، وهذا أمرٌ يبعث على الارتياح…… لكن هل ينبغي أن نطلب له شرابًا أفضل على الأقل؟”
“شرابًا؟”
الآن بعد أن فكرتُ في الأمر، أدركتُ أن كين ديغريف كان يأكل اللحم المشوي فحسب، ولم يمد يده إلى الخمر إطلاقًا.
‘أما البيرة…… فقد تكون صعبة قليلًا؟’
حتى لو كانت شرابًا رخيصًا، فلها سحرها الخاص.
وبينما وضعتُ كميةً سخيةً من اللحم المشوي في طبق كين ديغريف الذي أصبح فارغًا إلى حدٍ كبير، سألته:
“ألا تشرب البيرة، أيها القائد؟”
“……لا.”
“ماذا؟”
“لم يسبق لي أن شربتُ الخمر.”
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.