مساحة للحكاية، ووقت لك← There’s something special about her
الفصل 129نحو 7 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 129

 

*******

 

ماكسميليان وأنا، وحتى سينيور نواه الذي كان يختلس النظر نحونا بين الحين والآخر أثناء معالجته لجروحي.

 

كان كين ديغريف يتلقى نظراتنا نحن الثلاثة، ومع ذلك لم يبدُ عليه أدنى قدر من الحرج أو الضيق.

 

بل ظل واقفًا في مكانه بصمته المعهود، بوجه وقح لا يحمل سوى ذلك التعبير المعتاد.

 

“أخي الأكبر؟”

 

“……”

 

انظروا إليه، انظروا إليه.

 

حتى حين ناداه ماكسميليان، الذي لم يعد قادرًا على الاحتمال، لم يحرّك شفتيه قيد أنملة، واكتفى بتحريك عينيه.

 

حين أصدر أمرًا مفاجئًا بالتجمّع كل صباح، ولم يغادر ساحة التدريب، ظننت أنه ربما سيستغل فرصة إحمائه للتدرب منفردًا قبل أن يغادر.

 

لكن ما إن تحركنا نحو الجناح الطبي، وماكس يساعدني على السير، حتى ظل يتبعنا كظلٍّ ملازم.

 

ولم يكتفِ بذلك، بل دخل إلى غرفة العلاج أيضًا، ووقف شامخًا أمام الباب يحرسه.

 

“إحم.”

 

في النهاية، تنحنح سينيور نواه تنحنحًا خافتًا، ثم وضع الدواء جانبًا وسأل كين ديغريف:

 

“آه… هل أصيب القائد ديغريف في مكانٍ ما أيضًا؟”

 

كان سؤالًا ملتفًّا يتضمن معنى: «إن لم يكن الأمر كذلك، فهلّا خرجت؟».

 

“……”

 

ومع ذلك، لم يفتح كين ديغريف فمه.

 

اكتفى بهزّ رأسه نافيًا مرة واحدة.

 

“آه… هاها.”

 

تنهد السينيور نواه دون أن يشعر، ثم سارع إلى تغطية ذلك بضحكة محرجة، قبل أن يلتقط الدواء مجددًا بوجهٍ خائب.

 

حسنًا، لقد بذل جهدًا جبارًا رغم شخصيته الخجولة تلك.

 

“آه، أخي كين.”

 

هذه المرة، تدخّل ماكسميليان.

 

“لماذا… تقف هناك؟”

 

بل كان سؤالًا مباشرًا إلى حدٍّ كبير.

 

لكن كين ديغريف كان حصنًا منيعًا.

 

“لا تهتم بي.”

 

ومن يستطيع ألّا يهتم بك، برأيك؟!

 

وفوق ذلك، أنت ضخم كالباب!

 

قائد الحرس الإمبراطوري وأحد كبار المسؤولين، مرتديًا ملابس سوداء قاتمة، يقف ويسدّ المدخل أمامنا! وليس دبًّا أسود!

 

“أخي، لكن…!”

 

حين قطعتُ كلام السيد الشاب الذي بدأ يغلي غضبًا، اتجهت نظرات ماكسميليان وكين ديغريف نحوي كالسهم.

 

قلت، وأنا أرسم على وجهي بأقصى ما أستطيع من ملامح بريئة، موجّهةً حديثي إلى العينين السوداوين اللتين كانتا تحدّقان بي من بعيد:

 

“ربما يفعل ذلك لأنه قلق بشأن إصابتي.”

 

ثم حرّكت كتفي المصاب بالجرح عن طريق الخطأ، فتظاهرت بالألم وأطلقت أنينًا خافتًا، وأضفت:

 

“أنا بخير، أيها القائد. صحيح أن الجرح كان أعمق قليلًا مما توقعت، لكن لا بأس، سأشعر ببعض الانزعاج لبضعة أيام فقط.”

 

“……”

 

وكعادته، ظل كين ديغريف صامتًا.

 

وانزلقت عيناه السوداوان، اللتان يستحيل معرفة ما يدور خلفهما، ببطء نحو كتفي الملفوف بإحكام بالضمادات.

 

“انتهينا من علاجك اليوم، أيها الجندي آينس. ابتداءً من الغد، تعال إلى الجناح الطبي مرة واحدة يوميًا. عليك إعادة وضع الدواء وتغيير الضماد أيضًا.”

 

“نعم، فهمت. شكرًا لك، أيها الطبيب.”

 

“أعلم أن الأمر سيكون مزعجًا، لكن إياك أن تدع الماء يلامس الجرح إطلاقًا. كما يُمنع عليك التدريب الشاق لبضعة أيام. مفهوم؟”

 

ممنوع من التدريب؟

 

كدت أسخر من توصية السينيور نواه المليئة بالقلق.

 

كان ينبغي عليه أن يوجّه كلامه إلى ذلك السيد الأسود الضخم الواقف عند الباب.

 

لكنني بدلًا من إظهار سخريتي، اكتفيت بهزّ رأسي بطاعة.

 

“يمكنك ارتداء ملابسك الآن.”

 

التقطت القميص الذي خلعته مؤقتًا لمعالجة جرح كتفي.

 

وبطبيعة الحال، فعلت ذلك ببطء، مع إظهار الكثير من علامات الألم.

 

“أ-أنا سأساعدك!”

 

أومأت لماكسميليان تعبيرًا عن شكري، ثم بدأت أُدخل ذراعي في القميص ببطء وأنا أفكر:

 

‘من حسن الحظ أن الجو بارد، ولذلك ارتديت ملابس شتوية تحت القميص.’

 

من كان يتوقع أن أضطر إلى خلع قميصي أمام الناس؟

 

ألقيت نظرة خاطفة إلى الملابس الداخلية السميكة الخالية من الأكمام.

 

لم يكن ما يقلقني هو صدري المسطّح.

 

بل القلادة المخفية بعناية تحت الملابس الداخلية، بحيث لا تظهر.

 

‘كين ديغريف… ذلك الوغد سبق أن رأى هذه القلادة.’

 

ربما لا يتذكر شكل قطعة من الحُلي بعد مرور كل هذا الوقت، لكن الحذر لا يضر.

 

وبدا لي أن لقب كين ديغريف، «كلب الصيد»، لم يُمنح له من فراغ.

 

‘إنه يحدّق بي حتى الآن.’

 

من المستحيل أن يكون قد رافقني إلى هنا لأنه قلق فعلًا بشأن إصابتي.

 

من الواضح أن شكوكه لم تتبدد تمامًا بعد.

 

وربما لن يكتفي بمراقبتي أثناء التدريب الصباحي، بل سيظل يتابعني سرًّا من مكان إلى مكان لفترة من الوقت ليتأكد مني.

 

‘حسنًا، إذن سأجاريه.’

 

بمجرد أن أغادر قصر ديغريف، سيكون كل ما عليّ فعله هو خداعه جيدًا هذه المرة، حتى ينسى تمامًا اسم رونيلك آينس.

 

صحيح أن ذلك سيكون مرهقًا لعدة ساعات كل يوم، لكنني لم أخسر أمام أحد قط في العزيمة والمثابرة.

 

وبصراحة، كان لديّ سبب يجعلني مطمئنًا أيضًا.

 

فمهما كان خاضعًا لفترة تأديب، فهو في النهاية شخصية عظيمة الشأن.

 

لم يُسلب منه سوى منصبه العلني المؤقت بصفته قائد الحرس الإمبراطوري، أما كونه سيد أسرة ديغريف فلم يتغير.

 

ولذلك فكرت:

 

‘لا يُعقل أن يتبعني طوال اليوم، أليس كذلك؟’

 

*********

 

في ظهر ذلك اليوم، في مكتبة عائلة ديغريف.

 

كنت أستمتع بوقت فراغ يليق بإجازة، وأمارس هواية القراءة التي اكتشفتها حديثًا.

 

ولهذا السبب تحديدًا اخترت مكتبة عائلة ديغريف بدلًا من مكتبة القصر الرئيسي، التي تضم أنواعًا أكثر تنوعًا من الكتب.

 

فلا أحد يأتي أو يذهب هنا، وبالتالي يمكنني القراءة دون إزعاج.

 

أو بالأحرى، ظننت أنني سأتمكن من ذلك.

 

طَقّ!

 

في النهاية، أغلقت الكتاب بعنف نسبي، بعدما عجزت عن التحمل أكثر.

 

“فووو.”

 

بعد أن هدّأت غليان صدري بالتنفس العميق، سألتُ المسؤول عن إفساد إجازتي:

 

“هل ستستمر في ملاحقتي إلى هذا الحد، أيها القائد ديغريف؟”

 

“……”

 

مرة أخرى، مرة أخرى!

 

ليس وكأن فمه قد خِيط بخيط، ومع ذلك ظل مطبقًا شفتيه بإحكام ولا يقول شيئًا.

 

ولم يكن الأمر حتى من نوع «تحدث بعينيك» أو ما شابه.

 

“لو أخبرتني بالسبب، لما اضطررتَ إلى تكبّد كل هذا العناء أصلًا.”

 

“لا تهتم”

 

أنا! كيف يُفترض بي ألّا أهتم بك؟!.

 

لو كان يُظهر بوضوح أنه يشك بي، لكان التعامل معه أسهل بكثير.

 

لكن ما أثار أعصابي حقًا هو أن كين ديغريف لم يُظهر حذره تجاهي علنًا قط.

 

بل ظل يتبعني بصمت، كظلٍّ لا يفارقني.

 

وفوق ذلك، كانت قدرته على إخفاء وجوده مذهلة إلى حدٍّ كبير. حتى إنني كدت أفزع مرات عدة بعدما نسيت وجوده للحظات وتصرفت وكأنني وحدي.

 

‘لهذا السبب يزداد الأمر إزعاجًا!’

 

فالحفاظ على حالة من التوتر الشديد دون توقف يستنزف القوة الذهنية بسرعة.

 

كنت أظن أن تلك الحياة قد انتهت تمامًا عندما غادرت ويكرز.

 

“آه.”

 

سأعود إلى غرفتي فحسب.

 

نهضت من مكاني وأنا أنوي إعادة الكتاب الذي كنت أقرأه إلى موضعه.

 

وعندها تحرّك كين ديغريف اللعين أخيرًا أيضًا.

 

كنت أظن أن شفتيه و ظهره قد التصقا بإطار النافذة، وأنه لن يتحرك من مكانه أبدًا، لكن يبدو أنني كنت مخطئة.

 

وقفت أمام رف الكتب وأنا أتمتم في داخلي، ثم توقفت مترددة للحظة.

 

لم أدرك ذلك من قبل لأن أمين المكتبة كان قد أخرج الكتاب لي، لكن المكان الذي ينبغي أن أعيد الكتاب إليه كان مرتفعًا للغاية.

 

لو مددت يدي إلى أقصى حد، لتمكنت من الوصول إليه بالكاد، لكن كتفي الذي أُصيب هذا الصباح كان لا يزال يؤلمني.

 

‘لعل ذلك يعود إلى دم كليان نوكس التنين، فقد أصبحت سرعة تعافيي أسرع بكثير مما كانت عليه في الماضي…’

 

لكن حتى يلتئم الجرح تمامًا دون أن يسوء مجددًا، عليّ أن أتوخى الحذر لثلاثة أو أربعة أيام على الأقل.

 

وبينما كنت أتراجع لأبحث عن سلّم، شعرت فجأة بأن الكتاب في يدي أصبح أخف بكثير.

 

“أوه.”

 

كان كين ديغريف قد أعاد الكتاب إلى مكانه نيابةً عني.

 

فالرف الذي كان يبدو شاهق الارتفاع بالنسبة إليّ لم يكن بالنسبة إليه سوى مكان أعلى قليلًا من مستوى عينيه.

 

“شكرًا… لك.”

 

وبما أنني تلقيت المساعدة، شكرته، فقال لي:

 

“ما التالي؟”

 

“ماذا؟”

 

“إلى أين ستذهب بعد ذلك؟”

 

إذن هو ينوي الاستمرار في ملاحقتي.

 

بل أصبح وقحًا إلى درجة أنه لم يعد يحاول حتى إخفاء نواياه.

 

“أنا متعب، لذا أنوي العودة إلى غرفتي الآن، أيها القائد.”

 

ومع ذلك، أجبت بابتسامة مهذبة.

 

“لذلك يمكنك أنت أيضًا العودة إلى عملك الآن، أيها القائد…”

 

“سأوصلك إلى غرفتك.”

 

آه، فهمت. هل يريد أن يتأكد من أنني سأعود إلى غرفتي فعلًا وبهدوء؟

 

“شكرًا لك، أيها القائد.”

 

أيعقل أنك تظن حقًا أنني لا أملك مكانًا أذهب إليه سوى قصر ديغريف؟

 

 

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.