الفصل 119
*********
لا شكَّ أنَّ السيدَ لامبرت ليسَ مجردَ أمينِ مكتبةٍ بارعٍ فحسبُ، بلْ هوَ رجلٌ حكيمٌ للغايةِ.
“على العكسِ، القربُ منَ الكتبِ هوَ السبيلُ لتقليلِ الفشلِ.”
كلامُهُ صحيحٌ.
عندما كنتُ أعملُ كقاتلةٍ ضمنَ فرقةِ اغتيالاتِ ويكرزَ، كانَ هذا هوَ السببَ تحديداً في ارتفاعِ نسبةِ إنجازي للمهامِ مقارنةً بالآخرينَ.
المعلوماتُ.
حينَ كانَ يقعُ الاختيارُ على هدفٍ ما، لمْ أكنْ أتعقَّبُهُ بعشوائيةٍ أوْ أقتحمُ بيتَهُ لنحرِ عنقِهِ.
بلْ كنتُ أراقبُهُ لبعضِ الوقتِ منْ بعيدٍ أوْ قريبٍ حسبَ الظروفِ، وأجمعُ عنهُ المعلوماتِ.
كلما زادتْ معرفتُكِ، ارتفعتْ نسبةُ نجاحِكِ وابتعدَ عنكِ الفشلُ.
‘بهذا المعنى، كانَ تسللي إلى نوكسَ نصفَ فشلٍ.’
بالطبعِ، كانَ ذلكَ أفضلَ خيارٍ يمكنُني اتخاذُهُ في ذلكَ الوقتِ.
لكنَّ النتيجةَ كانتْ وقوعَ عنقي في قبضةِ كيليانَ نوكسَ، فلا يمكنُ اعتبارُ الأمرِ نجاحاً تاماً.
واتخذتُ قراري متخذةً منْ تلكَ التجربةِ المريرةِ خطوةً للتعلمِ منَ الأخطاءِ.
‘في المرةِ القادمةِ، سأختفي بشكلٍ كاملٍ.’
كانتْ منطقةُ تشيسايو في القارةِ الغربيةِ المكانَ الأمثلَ كلما عرفتُ عنها أكثرَ، للتخلي عنْ هويةِ رونيلكِ أينسَ وتجسيدِ شخصٍ آخرَ لنيلِ الحريةِ.
طقْ طقْ.
نقرتُ بِأصابعي بخقةٍ فوقَ كلمةِ ‘تشيسايو’ قبلَ أنْ أغلقَ الأطلسَ، لترتسمَ ابتسامةٌ خفيفةٌ على شفتيَّ.
ثمَّ فتحتُ الكتابَ الثالثَ بمنتهى الطبيعةِ، ووجهتُ أسمى آياتِ الشكرِ إلى الإنسانةِ التي وسعتْ آفاقي الضيقةَ المحصورةَ في القارةِ الشرقيةِ لتمتدَّ إلى قاراتٍ أخرى.
‘شكراً لكِ، السيدةُ فينيسا.’
كانَ الحديثُ معَ فينيسا كارستينَ هوَ الخيطَ الذي قادني لمعرفةِ معلوماتٍ عنِ القارةِ الغربيةِ.
وتحديداً عندما كنا نجلسُ وجهاً لوجهٍ في أرشيفِ الوثائقِ نوقعُ على مختلفِ الأوراقِ.
قالتْ حينها إنَّ نوكسَ، مثلَ هذهِ المكتبةِ التي تعيرُ الكتبَ لأيِّ شخصٍ، تقدمُ مزايا سخيةً حتى للغرباءِ الذينَ لا يستطيعونَ كشفَ هوياتِهمْ.
“ما توشكينَ على توقيعِهِ الآنَ هوَ وثيقةُ فتحِ خزانةٍ في بنكِ لومباردي بالقارةِ الغربيةِ باسمِ رونيلكِ أينسَ.”
بما أنَّ حضرةَ الدوقِ يضخُ لي أموالَ الهروبِ بانتظامٍ وبنفسِهِ، فلا ينبغي لي إهدارُها عبثاً.
وهلْ هناكَ وجهُ صرفٍ أكثرُ أهميةً منْ رحلةِ استعادةِ حريتي؟
طالما وصلَ الأمرُ إلى هذا الحدِّ، فقدْ طرأتْ لي بالفعلِ أفكارٌ حولَ الاستقرارِ في نوكسَ.
لكنَّ الحياةَ في معسكرِ التدريبِ حطمتْ أوهامي المبتذلةَ.
أنْ أخرجَ منْ ويكرزَ لأعيشَ في نوكسَ؟
فوقَ ذلكَ، أنْ أعيشَ حياةً تتطلبُ نجاحي في أيِّ مهمةٍ منْ أجلِ البقاءِ فقطْ؟
لا يمكنُ لعائلةِ دوقِ نوكسَ أنْ تكونَ ‘بيتي’.
‘لكنْ مستحيلٌ أنْ يدعني ذلكَ السحليةُ أرحلُ بطيبِ خاطرٍ.’
لأنني أصبحتُ أعرفُ أكثرَ منَ اللازمِ بالفعلِ.
منذُ اللحظةِ التي أصبحتُ فيها جزءاً منَ العشِّ، كانَ ذلكَ الطريقُ قدِ انهارَ بالفعلِ.
مما يعني أنهُ عليَّ الفرارُ هذهِ المرةَ أيضاً.
وإذا أصبحتُ ملاحقةً منْ دوقِ نوكسَ إلى جانبِ ويكرزَ، فلا مبالغةَ في القولِ إنهُ لنْ يوجدَ مكانٌ آمنٌ لي.
في القارةِ الشرقيةِ.
‘إذنْ، ما عليَّ سوى الذهابِ إلى القارةِ الغربيةِ!’
ههْ. كيليانُ نوكسَ الأبلهُ.
في هذهِ اللحظةِ بالذاتِ، لا يخطرُ ببالِهِ حتى أنهُ هوَ منْ يملأُ لي صندوقَ أموالِ هروبي شيئاً فشيئاً.
‘بالطبعِ، يتعينُ عليَّ الحصولُ على ترياقِ دمِ التنينِ قبلَ ذلكَ.’
استبدتْ بي قشعريرةٌ باردةٌ حينَ تذكرتُ تلكَ العينينِ الذهبيتينِ اللتينِ لمعتا وهوَ يسكبُ دمهُ في فمي.
الحدقتانِ المشقوقتانِ لمْ تكونا كلَّ شيءٍ، بلْ حتى ذلكَ التأثيرُ الغريبُ المخبأُ في الدمِ الذي جعلني تابعةً لهُ، أيْ ملكاً خاصاً بهِ.
كانَ ذلكَ دليلاً على أنَّ سلالةَ التّنين لدى عائلةِ دوقِ نوكسَ لمْ تكنْ مجردَ شائعةٍ فارغةٍ.
فركتُ رقبتي المكتومةَ وكأنَّ طوقاً غيرَ مرئيٍّ يلتفُ حولَها، ثمَّ نظمتُ ما على الطاولةِ.
كنتُ أنوي البحثَ عنْ كتابٍ جديدٍ.
مثلما خططتُ لطريقِ فرارٍ لمْ أكنْ أتوقعُهُ مطلقاً نحو القارةِ الغربيةِ، كنتُ بحاجةٍ إلى معلوماتٍ عنِ التنانينِ أوْ دمِ التنينِ.
وقبلَ كلِّ شيءٍ، طريقةٌ لإزالةِ تأثيرِ دمِ التنينِ.
‘لوْ فتشتُ هذهِ المكتبةَ الضخمةَ، فلابدَّ أنْ أقعَ على خيطٍ ما.’
كانَ ذلكَ حينَ تمتمتُ بتلكَ الكلماتِ في سري وقمتُ واقفةً.
حدثتْ حركةٌ مضطربةٌ بشكلٍ غريبٍ ناحيةَ مدخلِ المكتبةِ.
وبما أنهُ مكانٌ يتطلبُ الهدوءَ في الأصلِ، لمْ تصدرْ أصواتٌ عاليةٌ، لكنَّ جوَّ المكتبةِ الذي كانَ ساكناً للغايةِ قبلَ قليلٍ أصبحَ مشحوناً بالتوترِ.
يبدو أنَّ هناكَ أمراً ما يحدثُ.
أملتُ رأسي بتساؤلٍ ومددتُ خطايَ نحو الممرِ و أنا أدور حولَ الرفوفِ، لأرى ثلاثةَ أشخاصٍ قادمينَ منَ الاتجاهِ المقابلِ في تلكَ اللحظةِ بالذاتِ.
كانَ أفرادُ نوكسَ المتواجدونَ في المحيطِ يتنحونَ جميعاً جانباً بحذرٍ مثلَ السرطاناتِ ليبتعدوا عنهمْ.
والشخصُ الذي كانَ يتقدمُ بخطىً حازمةٍ ووجهٍ جادٍّ متسربلاً برجلٍ وامرأةٍ يبدو أنهما نائبانِ لهُ، هوَ…
“السيدُ ديكونُ؟”
“……روكي؟”
وعلى الرغمِ منْ أنهُ اكتشفَ وجودي متأخراً بلحظةٍ، إلا أنَّ وجهَ ديكونَ غولدَ الذي حافظَ على انطباعِهِ الصارمِ لبرهةٍ، بدأتْ ترتسمُ عليهِ الابتسامةُ تدريجياً.
“روكي!”
“أتمنى لكما وقتاً ممتعاً.”
قالَ موظفُ المطعمِ كلماتِهِ باحترامٍ بعدَ أنْ وضعَ أطباقَ الطعامِ المتقنةَ على الطاولةِ المغطاةِ بمفرشٍ أبيضَ، ثمَّ غادرَ الغرفةَ.
عندها ابتسمَ لي ديكونُ غولدُ ابتسامةً لطيفةً وقالَ:
“كُل كثيراً يا روكي.”
“……نعمْ، تفضلْ بالأكلِ أنتَ أيضاً يا سيدُ ديكونُ.”
لمْ يكنْ بإمكاني الجلوسُ بحدقٍ فارغٍ أمامَ الطعامِ، فأمسكتُ بأدواتِ المائدةِ رغماً عني، لكنَّ الاندهاشَ كانَ لا يزالُ يتملكني وسطَ كلِّ هذا.
‘كيفَ آلتِ الأمورُ إلى هذا الوضعِ؟’
بالتأكيدِ، حينَ التقيتُ بديكونَ غولدَ مصادفةً في المكتبةِ، كنتُ سعيدةً برؤيتِهِ.
فقدْ انتهتْ فترةُ التدريبِ، وأخذتُ قسطاً كافياً منَ الراحةِ، وكنتُ أزعمُ زيارتَهُ قريباً، لذا كانتِ المقابلةُ مفرحةً أكثرَ.
لكنْ لمْ أكنْ أخططُ لأنْ يكونَ ذلكَ اليومُ.
كما كنتُ أرغبُ في قراءةِ المزيدِ منَ الكتبِ.
لكنني لمْ أملكِ الجرأةَ لرفضِ اقتراحِ أحدِ الكبارِ بالـ “لنأكل معاً” أمامَ مرأى ومسمعِ أتباعِهِ والناسِ الذينَ يختلسونَ النظرَ متظاهرينَ بالعكسِ.
لذا ما إنْ أومأتُ برأسي حتى انتشلني ديكونُ غولدُ، وقبلَ أنْ أستوعبَ ما يحدثُ وجدتُ نفسي في هذا المكانِ.
‘لنأكلْ أولاً.’
نظرتُ إلى أطباقِ الطعامِ التي ملأتِ الطاولةَ الكبيرةَ لدرجةٍ تحجمُ معها مساحتُها، ثمَّ بدأتُ منَ الروبيانِ المشويِّ القريبِ مني ووضعتُهُ في فمي.
“ممم!”
أجزمُ أنهُ كانَ ألذَّ روبيانٍ تذوقْتُهُ طوالَ أربعةٍ وعشرينَ عاماً.
كانَ ملمسُ القضمِ طرياً ومتماسكاً، وسرعانَ ما انتشرَ طعمٌ غنيٌ وحلوٌ في أرجاءِ فمي.
وحتى بعدَ بلعِهِ، ظلتْ رائحةُ الروبيانِ الزكيةُ عالقةً في أنفي لفترةٍ طويلةٍ.
“لذيذٌ، أليسَ كذلكَ؟”
“نعمْ! واهْ، كيفَ يكونُ بهذا الطعمِ؟”
رغمَ أنني اعتدتْ على الطعمِ الفاخرِ مؤخراً بسببِ عيشي في قصرِ ديغريفَ، إلا أنَّ الطعمَ هنا كانَ مذهلاً بحقٍ.
ولقطعِ الشكِ باليقينِ أكلتُ قطعةَ روبيانٍ أخرى، فكانَ التأثرُ هوَ نفسَهُ لمْ يتغيرْ.
“تناولُك للطعامِ بشهيةٍ يجعلني أشعرُ بالسعادةِ أيضاً.”
قالَ ديكونُ غولدُ ذلكَ وهوَ يقطعُ قطعةَ روبيانٍ ويأكلُها مثلي تماماً.
“طاهي هذا المطعمِ يجيدُ التعاملَ معَ المأكولاتِ البحريةِ، لكنَّ براعتَهُ الحقيقيةَ تكمنُ في اللحومِ.”
“نعمْ!”
أومأتُ برأسي سريعاً وأنهيتُ ما تبقى منَ الروبيانِ في طبقي.
وكنتُ أصلاً على وشكِ الانتقالِ لتناولِ لحمِ الخنزيرِ المشويِّ والمطليِّ بالصلصةِ.
“لكنني لمْ أكنْ أعلمُ بوجودِ مكانٍ كهذا في نوكسَ. رغمَ أنني طفتُ بهذهِ المنطقةِ في دورياتٍ منْ قبلُ.”
المطعمُ الذي أحضرني إليهِ ديكون غولدُ كانَ يقعُ في المنطقةِ التجاريةِ.
لكنهُ كانَ بعيداً تماماً عنِ الشارعِ المزدحمِ الذي يقعُ فيهِ محلُ العمِّ يانيكَ الذي ألفتُهُ.
“هذا طبيعيٌ، فلا توجدُ لافتةٌ، ولوْ مررتِ منْ أمامِهِ لما عرفتِ أنهُ مطعمٌ.”
“إنهُ مكانٌ لا يقصدُهُ سوى منْ يعرفُهُ بالفعلِ.”
وافقني ديكونُ غولدُ الرأيَ ومضمضَ فمهُ بجرعةٍ منَ النبيذِ.
ويبدو أنَّ الطعمَ راقَ لهُ كثيراً، حيثُ انحنتْ شفتاهُ الأكثرُ حمرةً بابتسامةٍ.
‘أوهْ، هذا خطيرٌ، خطيرٌ جداً.’
ربما هوَ مجردُ شخصٍ يستمتعُ بالنبيذِ فحسبُ، لكنني أشعرُ في كلِّ مرةٍ أنهُ كائنٌ جذابٌ للغايةِ.
لوْ عقدَ ديكونُ غولدُ العزمَ، لاستطاعَ استخلاصَ معلوماتٍ قيمةٍ منْ أيِّ شخصٍ.
سواءً بهذهِ الطريقةِ أوْ بتلكَ.
“لكنْ، هلْ هناكَ الكثيرُ منْ هذهِ المطاعمِ في نوكسَ؟”
“هناكَ حوالي خمسةِ أماكنَ. لكنَّ هذا المكانَ هوَ الأفضلُ طعماً بينها. فالطاهي سافرَ كثيراً في شبابِهِ ولديهِ معرفةٌ واسعةٌ بأطعمةِ مختلفِ المناطقِ.”
“يبدو أنكِ تعرفُهُ جيداً؟”
“لأنني منْ قمتُ بتوظيفِهِ.”
“……إذنْ هذا المطعمُ؟”
“نعمْ، إنهُ أحدُ مشاريعي الخاصةِ.”
أجابَ ديكونُ غولدُ ببساطةٍ.
لذا رفعتُ إبهامي لهُ ببساطةٍ أيضاً.
“هذا رائعٌ حقاً.”
“هذا إطراءٌ مبالغٌ فيهِ. مجردُ هوايةٍ بسيطةٍ لا أكثرُ.”
وضعَ يدهُ على صدرِهِ كأنما يمثلُ في مسرحيةٍ و حيّاني بمزاحٍ، ثمَّ قطعَ قطعةً كبيرةً منَ اللحمِ ووضعَها في طبقي.
وكما قالَ ديكونُ غولدُ، كانَ الطعمُ ممتازاً.
أخذتُ ألوكُ اللحمَ الذي يذوبُ في الفمِ، وأتأملُ الغرفةَ الفاخرةَ التي تبعثُ على الراحةِ في الوقتِ نفسِهِ.
وعندما علمتُ أنَّ مالكَ هذا المكانِ هوَ ديكونُ غولدُ، فهمتُ أخيراً بعضَ الأشياءِ.
“هذا متوقعٌ منكَ يا سيدُ ديكونُ. عندَ الدخولِ إلى مكانٍ كهذا، يجدُ المرءُ نفسَهُ يتحدثُ بكلِّ شيءٍ دونَ أنْ يشعرَ.”
“مكانٌ كهذا……؟”
“ممم، يشبهُ المخبأَ السريَّ الذي لا يعرفُهُ سوايَ، ويثيرُ شعوراً بالقربِ تجاهَ منْ يشاركُكَ الطعامَ؟”
رغمَ أنَّ ذلكَ مستحيلٌ مطلقاً في حالتي.
“هلْ تعمدتَ تصميمَ المكانِ بهذهِ الطريقةِ؟”
رفعتُ قطعةَ لحمٍ أخرى بشوكتي وسألتُ دونَ تفكيرٍ كبيرٍ.
وفي اللحظةِ التي فتحتُ فيها فمي لأدخلَها، التقتْ عيني بعيني ديكونَ غولدَ الجالسِ في الناحيةِ المقابلةِ.
وكانتْ تعابيرُ وجهِ ديكونَ غولدَ متضاربةً كمرآةٍ مكسورةٍ، وكأنما باغتهُ السؤالُ أوْ كُشِفَ سرُّهُ.
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.