مساحة للحكاية، ووقت لك← There’s something special about her
الفصل 116نحو 7 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 116

114

 الفصل 114

 

*********

 

شعرٌ أسودٌ وعينانِ سوداوانِ.

 

زيٌ رسميٌ أسودُ، وقُفَازَانِ أسودانِ، وحذاءٌ أسودٌ أيضاً.

 

كانَ رجلٌ يرتدي السوادَ بالكاملِ كأنهُ يدثرُ جسدَهُ بدروعٍ منْ الظلامِ يسيرُ في الممرِ الطويلِ.

 

طرقْ، طرقْ.

 

معَ كلِّ خطوةٍ يخطوها، كانَ الترابُ الجافُ يتساقطُ منْ حذائِهِ المتهرئِ.

 

وكأنَّ ذلكَ يوضحُ مدى قسوةِ الطريقِ الذي قطعهُ.

 

“كين.”

 

نَظَرَ ديبون، الذي كانَ يقفُ أمَامَ مكتبِ الدوقِ، إلى كين منْ رأسِهِ حتى أخمصِ قدميهِ بتمعنٍ.

 

رغمَ غيابِهِ عنْ نوكس لما يقاربُ العامَ، إلا أنهُ لمْ يتغيرْ فيهِ شيءٌ سوى أنَّ خديهِ يبدوانِ غائرينِ قليلاً وشعرَهُ قدْ طالَ قليلاً.

 

“يبدو أنكَ لمْ تصبْ بأذىً.”

 

“…….”

 

رغمَ عدمِ وجودِ أيِّ ردٍ، إلا أنَّ ديبون كانَ معتاداً على صمتِ كين.

 

“مغادرةٌ دونَ إذنٍ. أتريدُ القولَ إنكَ لمْ تكنْ تعلمُ مدى فداحةِ ما فعلتَهُ؟”

 

الامتثالُ لأوامرِ سيادةِ الدوقِ.

 

لقدْ خرقَ كين أقدسَ قواعدِ نوكس على الإطلاقِ.

 

خَيَّمَتْ ظلالٌ كثيفةٌ على وجهِ ديبون.

 

“حسناً، لا بأسَ. ادخلْ. إنهُ بانتظارِكَ.”

 

أومأَ كين برأسِهِ ووقفَ أمَامَ بابِ المكتبِ.

 

وعلى عكسِ العادةِ، فتحَ البابُ المغلقُ بإحكامٍ ليظهرَ كيليان بمفردِهِ داخلَ المكتبِ بعدَ أنْ تمَّ إبعادُ جميعِ أفرادِ الحرسِ الشخصيِ.

 

طرقْ، طرقْ.

 

ترددَ صدى خطواتِ كين الثقيلةِ في المكتبِ الهادئِ.

 

وفي المساحةِ المظلمةِ التي لمْ تُضَأْ فيها الأنوارُ، برزتْ بشرةُ كين الشاحبةُ بشكلٍ لافتٍ.

 

“لقدْ عدتُ.”

 

انسابَ صوتُهُ الخفيضُ ذو النبرةِ العميقةِ منْ بينِ شفتيهِ اللتينِ ظلتا مطبقتينِ طوالَ الوقتِ.

 

فجاءَهُ الردُ القصيرُ:

 

“اجثُ على ركبتيكَ.”

 

طاخْ.

 

وفورَ صدورِ الأمرِ، سقطتْ ركبةُ كين على الأرضِ.

 

لكنَّ نظرةَ كين المستقيمةَ ظلتْ متجهةً نحو كيليان دونَ أنْ تتذبذبَ لِـلحظةٍ واحدةٍ.

 

سويييش—

 

حتى عندما سُحِبَ السيفُ المعلقُ على خصرهِ ليقطعَ عنقَهُ بنفسِهِ.

 

تَسَرَّبَتْ الدماءُ الحمراءُ بعدَ أنْ جُرِحَ الجلدُ الواقعُ تحت التفاحةِ الحلقيةِ البارزةِ جرحاً سطحيًا.

 

ورغمَ أنهُ لا يمكنُ إلا أنْ يشعرَ بدمائِهِ الساخنةِ وهيَ تبللُ جلدَهُ وقميصَهُ، إلا أنَّ عينيْ كين السوداوينِ كانتا تتطلعانِ فقطْ إلى كيليان.

 

“يبدو أنكَ لمْ تقعْ تحتَ تأثيرِ يدٍ أخرى في هذهِ الأثناءِ.”

 

كانَ كين كلبَ صيدٍ يعملُ لخدمةِ كيليان وحدَهُ.

 

هكذا ولدَ، وهكذا عاشَ.

 

موضوعُ الطاعةِ المطلقةِ والكاملةِ.

 

كانَ هذا هوَ المعنى الذي يمثلهُ كيليان بالنسبةِ لـ كين.

 

“قائدُ الحرسِ الشخصيِ كين ديغريف، عدتُ منْ العطلةِ.”

 

وكأنَّ الجرحَ الذي تنزفُ منهُ الدماءُ أمرٌ يخصُ شخصاً آخرَ.

 

كانتْ نبرتُهُ آليةً ورتيبةً وكأنها مجردةٌ منْ المشاعرِ.

 

“عندما قُلْتَ إنكَ بحاجةٍ إلى عطلةٍ للذهابِ إلى مملكةِ كرولين، سألتُكَ عنْ السببِ. ولمْ تجبْ حينَها. فكيفَ الآنَ؟ هلْ لديكَ الرغبةُ في الإجابةِ؟”

 

كانتْ النبرةُ عاديةً وكأنهُ يطرحُ سؤالاً يومياً.

 

لكنَّ كين شعرَ غريزياً أنَّ هذهِ هيَ الفرصةُ الأخيرةُ الممنوحةُ لهُ.

 

“……كانَ هناكَ في مملكةِ كرولين وليُ نِعْمَةٍ أنقذَ حياتي.”

 

“هلْ كانَ ذلكَ عندما تسللتَ كجاسوسٍ إلى ويكرز؟”

 

كانَ والدُ كين، ديتريش ديغريف، خادماً مخلصاً لـ نوكس ورئيساً لعائلةِ ديغريف، إحدى عائلاتِ التابعينَ البارزينَ.

 

وفي اليومِ الذي ولدَ فيهِ ابنُهُ البكرُ والوحيدُ كين، فكرَ ديتريش:

 

إذا نجحَ ابني في اجتيازِ ‘الاختبارِ’ المتوارثِ في عائلةِ ديغريف، فسأورثُهُ كلَّ شيءٍ.

 

وعندما بلغَ كين السادسةَ عشرةَ منْ عمرِهِ، أرسلَهُ ديتريش ديغريف إلى مملكةِ كرولين.

 

وتحديداً إلى قلبِ التنظيمِ المعادي، ويكرز.

 

لقدْ أرسلَ ابنَهُ الصغيرَ كين الذي لمْ يبلغْ أشدَهُ بعدُ كجاسوسٍ.

 

إنَّ تقليدَ جعلِ منْ ينجو منْ الظروفِ القاسيةِ يعودُ كوارثٍ، كانَ هوَ ‘الاختبارَ’ الخاصَ بعائلةِ ديغريف.

 

“وماذا بعدُ؟”

 

“كانَ عليَّ البحثُ عنْ وليِ النِعْمَةِ، وعنْ مكانِ وجودِ ذلكَ الشخصِ.”

 

“كين.”

 

سويييش.

 

رفعَ طرفُ السيفِ الباردُ ذقنَ كين إلى الأعلى.

 

“أليسَ يتوجبُ عليكَ الشرحُ بالتفصيلِ لكي أستطيعَ اتخاذَ القرارِ؟”

 

حولَ ما يجبُ عليَّ فعلُهُ بكَ.

 

كانَ وجهُ كيليان الباردُ يبدو خالياً منْ المشاعرِ تماماً كوجهِ كين.

 

لكنَّ دوقَ نوكس لمْ يكنْ مثلَ كين الذي يقلُ لديهِ اضطرابُ المشاعرِ اصلاً.

 

كانَ كيليان كتيارِ الماءِ المتكسرِ في منتصفِ الشتاءِ.

 

كانَ يغطي ذلكَ التيارَ بجليدٍ سميكٍ فقطْ، بحيثُ لا يمكنُ لأحدٍ أنْ يعرفَ على أيِّ هيئةٍ يجري الماءُ تحتَهُ.

 

تَطَلَّعَ كين إلى العينينِ الذهبيتينِ اللتينِ تنظرانِ إليهِ وأخذَ يخمنُ اتجاهَ ذلكَ التيارِ، ثمَّ فتحَ فمَهُ قائلاً:

 

“كانتْ مهمتي في ‘الاختبارِ’ هيَ العملُ ضمنَ فرقةِ اغتيالاتِ ويكرز، واعتراضُ المعلوماتِ التي تتدفقُ إلى ويكرز وتضليلُها. لكنني ارتكبتُ خطأً، ولاحظَ الشخصُ الذي كانَ يشرفُ على فرقةِ الاغتيالاتِ حينَها حقيقتي.”

 

كانتْ هذهِ قصةً لمْ يحكِها لأيِّ أحدٍ منْ قبلُ.

 

“بسببِ ضعفِ مهاراتي وإصابتي، كنتُ على وشكِ الموتِ المحتومِ، ولكنَّ ذلكَ الشخصَ أنقذَ حياتي. لقدْ كانَ الشخصَ السّامي الذي علمَني فنونَ الاغتيالِ.”

 

“والشخصُ المسؤولُ الذي حاولَ قتلَكَ؟”

 

“ماتَ على يدِ ذلكَ الشخصِ.”

 

حتى الآنَ، إذا أغمضَ عينيهِ، كانَ يستطيعُ رسمَ تلكَ الصورةِ بوضوحٍ.

 

ذلكَ الشخصُ الذي كانَ جميلاً حتى وهوَ مغطىً بالدماءِ الحمراءِ.

 

“ثمَّ صنعَ ذلكَ الشخصُ مهمةً مزيفةً واقتادَني بنفسِهِ إلى حدودِ إمبراطوريةِ بيرنهايم. رغمَ أنهُ كانَ يعلمُ بالفعلِ أنني جاسوسٌ.”

 

“ولماذا فعلَ ذلكَ؟”

 

رفعَ كين رأسَهُ مجدداً بعدَ أنْ كانَ يثبتُ نظرهُ على مكانٍ ما على الأرضِ مسترجعاً الماضي.

 

لأنَّ الصوتَ الباردَ للدوقِ بدا وكأنهُ يحملُ نبرةً حادةً بشكلٍ غريبٍ.

 

“هلْ سألتَه لماذا أنقذ حياتَكَ؟”

 

أومأَ كين برأسِهِ ببطءٍ ثمَّ التقى بعينيْ الدوقِ الذهبيتينِ الساطعتينِ بشكلٍ استثنائيٍ.

 

ثمَّ تلا ذلكَ الصوتَ الذي ما زالَ يترددُ بوضوحٍ في أذنيهِ:

 

“إنَّ الشخصَ الذي يملكُ مكاناً يعودُ إليهِ، يتوجبُ عليهِ العودةُ.”

 

المرأةُ التي قالتْ ذلكَ وابتسمتْ كانتْ تبدو حزينةً للغايةِ وموحشةً.

 

لدرجةِ جعلتْ خطواتِهِ نحو العودةِ إلى نوكس وقصرِ ديغريف تترددُ لِـوقتٍ طويلٍ.

 

“هكذا…… قالتْ.”

 

“مكانٌ يعودُ إليهِ إذنْ.”

 

تمتمَ الدوقُ بصوتٍ خفيضٍ وكأنهُ غاضبٌ.

 

رغمَ أنهُ لا يفترضُ بهِ الشعورُ بمشاعرِ الغضبِ في غيرِ أوقاتِ الخسوفِ.

 

سويييش.

 

وكأنهُ يقطعُ تلكَ الشكوكَ غيرِ المناسبةِ، اقتربَ طرفُ السيفِ بحدةٍ منْ أسفلِ ذقنِهِ.

 

“ما اسمُ الشخصِ الذي أنقذَ حياتَكَ.”

 

سألَ الدوقُ بنظرةٍ باردةٍ تماثلُ حدةَ شفرةِ السيفِ التي تلمسُ جلدَهُ.

 

“هيلينا…… مورتن.”

 

الاسمُ الذي يرتعدُ منهُ كلُ منْ ينتمي إلى نوكس، هيلينا، قائدةُ فرقةِ الاغتيالاتِ في ويكرز، وأولُ رئيسةٍ لفرقةِ الاستخباراتِ.

 

عندما سمعَ كين أنها قتلتْ رئيسَ ويكرز فجأةً واختفتْ، عبرَ الحدودَ دونَ ترددٍ.

 

دونَ أنْ يعلمَ أنَّ لقبَ هيلينا هوَ مورتن.

 

ولمْ يعلمْ إلا بعدَ مرورِ وقتٍ طويلٍ أنَّ ألفا ويكرز الجديدَ يعبثُ بمملكةِ كرولين بحثاً عنْ ‘هيلينا مورتن’.

 

كانَ كين يعلمُ جيداً الثقلَ الذي يحملُهُ لقبُ ‘مورتن’ في نوكس.

 

لذا، عندما علمَ بلقبِ هيلينا، اضطربَ بشكلٍ غيرِ مألوفٍ بالنسبةِ لهُ.

 

“فهمتُ.”

 

لكنَّ الدوقَ كانَ هادئاً.

 

آه، لقدْ كانَ يعلمُ.

 

لقدْ كانَ كيليان نوكس مخمناً للأمرِ بالفعلِ.

 

أنَّ اسمَ الشخصِ الذي أنقذَ حياتَهُ هوَ هيلينا، وأنها ‘الناجيةُ منْ عائلةِ مورتن’.

 

ومعَ هذا الإدراكِ، غاصتْ عينا كين اللتانِ تنظرانِ إلى الأسفلِ في سكونٍ تامٍ.

 

طاخْ!

 

ألقى كيليان السيفَ أمَامَ كين.

 

وكأنهُ لمْ يعدْ بحاجةٍ إليهِ.

 

“عاقبْ نفسَكَ بالإقامةِ الجبريةِ لمدةِ شهرٍ.”

 

أصدرَ كيليان حكمَهُ.

 

“اخرجْ.”

 

“…….”

 

لمْ يستطعْ كين قولَ أيِّ شيءٍ، وظلَ متجمداً على ركبتيهِ دونَ حراكٍ.

 

كانَ ذلكَ بسببِ ارتباكِهِ غيرِ المعتادِ.

 

لقدْ خرقَ أمرَ كيليان بعدمِ عبورِ الحدودِ.

 

ولمْ يكتفِ بذلكَ، بلْ تخلى عنْ واجبهِ كقائدٍ للحرسِ الشخصيِ لما يقربُ منْ عامٍ كاملٍ.

 

وفي النهايةِ، عادَ بعدَ أنْ استعدَ للموتِ دونَ أنْ يجدَ هيلينا.

 

لمْ تكنْ مخالفةُ أمرِ الدوقِ ذنباً يمرُ بهذهِ السهولةِ.

 

لقدْ كانتْ خطيئةً كبرى لا يستغربُ معها تجريدُهُ منْ كلِّ شيءٍ.

 

وربما حتى حياتُهُ.

 

وكانَ هذا ينطبقُ على أيِّ شخصٍ في نوكس، وليسَ كين وحدهُ.

 

“اخرجْ.”

 

وكما هيَ العادةُ دائماً، لمْ يكنْ هناكَ تراجعٌ أوْ شرحٌ في قراراتِ كيليان.

 

عندما استدارَ الدوقُ الذي سحبَ اهتمامَهُ بالفعلِ عنْ كين، وقفَ كين ببطءٍ ونظرَ لبرهةٍ إلى السيفِ الملقى على الأرضِ.

 

لكنهُ لمْ يلتقطْ السيفَ.

 

لأنهُ خلالَ فترةِ الإقامةِ الجبريةِ، لا يحقُ لهُ حملُ سيفِ قائدِ الحرسِ الشخصيِ.

 

“سأنسحبُ.”

 

انحنى كين باحترامٍ، وكانتْ آخرُ صورةٍ رآها قبلَ مغادرةِ المكتبِ تماماً هيَ أطرافُ أصابعِ الدوقِ وهيَ تمسحُ ببطءٍ على سطحِ المكتبِ المنقوشِ.

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.