مساحة للحكاية، ووقت لك← There’s something special about her
الفصل 115نحو 7 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 115

113

الفصل 113

 

***********

 

قَبَضَتْ فاديلا على ضحكتِها المدويةِ وكتمتْها بجهدٍ وهيَ تقولُ:

 

“يا للروعةِ حقاً. تتجرأُ على الشكِ في أحدِ كبارِ المسؤوليينَ كجاسوسٍ. لقدْ انضمَّ إلينا وافدٌ جديدٌ مذهلٌ للغايةِ، عجبًا.”

 

“……أنا أسفٌ.”

 

“لا داعي للأسفِ! نعمْ، عندَ البحثِ عنْ الجاسوسِ، لا يجبُ استبعادُ أحدٍ لمجردِ أنهُ مسؤولٌ كبيرٌ!”

 

نهجٌ إبداعيٌ للغايةِ!

 

وكلما أضافتْ كلمةً، كانَ وجهُ رونيلك يزدادُ التواءً وانكماشاً.

 

“لمْ أكنْ أتعمدُ ذلكَ حقاً. في البدايةِ ظننتُ أنَّ العلاقةَ بينَ السيِّدِ كلانشير والمديرةِ بونديز سيئةٌ حقاً، ولذا بدا لي الدافعُ هوَ الأكثرُ منطقيةً……. لا، ليسَ هذا ما أقصدُهُ.”

 

كانَ يحاولُ التبريرَ باجتهادٍ منْ وجهةِ نظرِهِ، لكنْ كلما تحدثَ، كانَ يغرقُ أكثرَ في الوحلِ.

 

لأنهُ مهما جملَ الأمرَ، لمْ يكنْ بوسعِهِ إخفاءَ حقيقةِ أنَّ عضواً عادياً قدْ شكَّ في ولاءِ مسؤولٍ رفيعٍ كالسمَاءِ.

 

لكنَّ تلكَ النقطةَ بالذاتِ هيَ ما أعجبَها في الواقعِ.

 

فلوْ أنَّ رونيلك استبعدَها منْ قائمةِ المشتبهينَ لمجردِ كونِها مسؤولةً كبيرةً أوْ مديرةً لمعسكرِ التدريبِ، لكانتْ الأجواءُ داخلَ غرفةِ الأرشيفِ الآنَ مختلفةً تماماً.

 

أمامَ اسمِ نوكس، تفقدُ كلُ القيمِ الأخرى معانيَها.

كانتْ تلكَ هيَ قاعدتَها الثابتةَ.

 

وبهذا المعنى، فإنَّ هذا الغرابَ الجديدَ الذي يحاولُ التوضيحَ أمَامَها بأيِّ طريقةٍ، كانَ يستحقُ علامةَ النجاحِ بجدارةٍ.

 

ورغبتْ منْ كلِ قلبِها في عدمِ إرسالِهِ إلى إدارةِ الاستخباراتِ المنهارةِ، بلْ دفعهِ إلى قسمِ الماليةِ أوْ التشاريةِ ليكرفَ هناكَ باجتهادٍ.

 

“……هلْ أستمرُ في الحديثِ؟”

 

“نعمْ، أنا أستمعُ، فاستمرْ.”

 

“كانَ الحوارُ الذي استرقتُ السمعَ إليهِ بينَ المديرةِ وكيسلر في الممرِ السريِ فعالاً بشكلٍ خاصٍ. حتى ذلكَ الوقتِ، كنتُ أقيمُ كيسلر بشكلٍ إيجابيٍ بسببِ موضوعِ هانو بيكر…….”

 

كانَ كلُ ما يقولُهُ رونيلك الآنَ مدوناً بالكاملِ في التقريرِ بالفعلِ.

 

ومعَ ذلكَ، فإنَّ السببَ في تركِهِ يواصلُ الثرثرةَ لمْ يكنْ لشيءٍ آخرَ.

 

‘يبدو أنني بدأتُ أفهمُ السببَ الذي يجعلُ سيادةَ الدوقِ يستمتعُ بمضايقةِ هذا الفتى.’

 

كانَ رونيلك آينس غريباً جداً.

 

في بعضِ الأحيانِ، لا يمكنكَ قراءةُ ما يفكرُ فيهِ على الإطلاقِ، بينما في أحيانٍ أخرى، تتضحُ مشاعرُهُ الداخليةُ بالكاملِ على وجهِهِ.

 

كما هوَ حالُهُ الآنَ بوجهِهِ الذي يعلوهُ الخزيُ وكأنهُ سيموتُ إحراجاً.

 

‘منذُ متى لمْ يثرثرْ أحدٌ أمامي بهذهِ الطريقةِ؟’

 

رغمَ أنَّ المدربينَ الذينَ قضتْ معهمْ وقتاً طويلاً كانو يُعتبرُونَ ممنْ يتعاملونَ معها براحةٍ نسبيةٍ، إلا أنهمْ لمْ يكونو يثرثرونَ هكذا أبداً.

 

كانَ ذلكَ بسببِ الفارقِ الجوهريِ في الرتبةِ والمكانةِ.

 

فكيفَ بـ رونيلك الذي كانَ مجردَ عضوٍ جديدٍ بلغَ أشُدَّهُ للتوِ.

 

لمْ يكنْ أحدٌ ليتقبلَ أوْ يتخيلَ أنَّ فتىً كهذا سيتحدثُ بحريةٍ أمَامَ فاديلا ويقولُ كلَّ ما لديهِ.

 

وربما كانَ هذا الجانبُ في رونيلك هوَ ما جذبَ ديكون إليهِ أيضاً.

 

منذُ زمنٍ بعيدٍ، كانَ هناكَ طفلٌ يمتلكُ نفسَ هذا الطبعِ تماماً في نوكس.

 

طفلٌ كانَ يتجولُ معَ كيليان وكين وديكون الذينَ كانوا في نفسِ العُمرِ حينَها، ويذيبُ قسوةَ قلعةِ نوكس بأصواتِ ضحكاتِ الأطفالِ وثرثرتِهمْ.

 

‘عنْ ذكرِ ذلكَ، لقدْ شعرتُ بشعورٍ مألوفٍ منذُ اليومِ الأولِ لدخولِهِ المعسكرَ.’

 

في اللحظةِ الأولى التي رأتْ فيها رونيلك آينس يدخلُ مكتبَ المديرةِ، شعرتْ فاديلا بألفةٍ غامضةٍ.

 

كانَ إحساساً مبهماً لا يمكنُ للعقلِ تفسيرُهُ.

 

“رونيلك.”

 

“كنتُ أقصدُ أنهُ كانَ أمراً خارجاً عنْ إرادتي…… نعمْ؟”

 

“قبلَ دخولِكَ إلى معسكرِ التدريبِ، هلْ التقينا منْ قبلُ؟”

 

“لا؟”

 

هزَّ رونيلك رأسَهُ ناهياً على الفورِ.

 

“كيفَ لعضوٍ بسيطٍ في فرقةِ العمليات أنْ يلتقيَ بالمديرةِ بونديز. حسناً، كنتُ أتواجدُ في نقطةِ الحراسةِ كلَّ يومٍ، فربما رأيتِني وأنتِ تمرينَ منْ هناكَ.”

 

“لهذا السببِ إذنْ…….”

 

“ماذا تقصدينَ؟”

 

“لا شيءَ.”

 

عندما فكرتْ في الأمرِ، فقدْ تكونُ تعابيرُ الوجهِ التي مرتْ سريعًا أمَامَ عينيها قدْ انطبعتْ في وعيها الباطنِ كما قالَ رونيلك.

 

وبينما كانتْ فاديلا تهزُ رأسَها مقتنعةً بذلكَ.

 

“هلْ انتهتْ فقرةُ المضايقةِ الآنَ؟”

 

يا لسرعةِ بديهتِهِ.

 

ورداً على سؤالهِ، اكتفتْ فاديلا بالابتسامِ بمكرٍ وهزِ كتفيها بدلاً منْ الإجابةِ، فبادَرَها رونيلك بالسؤالِ هذهِ المرةِ:

 

“هلْ يمكنني أنْ أسألَ سؤالاً هذهِ المرةِ؟”

 

انظروا إلى هذا.

 

بوجهِهِ المشابهِ لقطٍ متجهمٍ، يتحدثُ بلا خوفٍ ويقولُ كلَّ ما في خاطرِهِ، ألا يدعو هذا للإثارةِ والاهتمامِ؟

 

“تفضلْ.”

 

“طالما كنتِ تشكينَ في ويلفريد كيسلر، لماذا تركتِهِ دونَ تدقيقٍ؟”

 

توقفٌ.

 

توقفتْ قدمُ فاديلا التي كانتْ تتحركُ بمهلٍ تحتَ الطاولةِ.

 

“هلْ تقصدُ أنني كنتُ أعلمُ بخيانةِ كيسلر؟”

 

“أعتقدُ أنكِ كنتِ على حذرٍ منهُ على الأقلِ.”

 

“ولماذا تظنُ ذلكَ؟”

 

“لأنني سمعتُ حوارَكِ معَ كيسلر في الممرِ السريِ.”

 

ألقى رونيلك نظرةً خاطفةً على التقريرِ الذي ما زالَ بينَ يديْ فاديلا وقالَ:

 

“لقدْ قيدتِ حركةَ كيسلر في الليلِ بحجةِ مراجعةِ الدفاترِ الماليةِ.”

 

“ها.”

 

“وكذلكَ فيليكس ميلتشر، تلكَ الجمجمةُ الغبيةُ التي قَبَضْتُ عليها، يكفي النظرُ إلى مدى سذاجتِهِ لفهمِ الأمرِ. لوْ لمْ تظهرْ ظروفٌ تمنعُ كيسلر منْ التحركِ بحريةٍ كما في السابقِ، لما أسرعَ بتجنيدِ شخصٍ مثلِهِ كجاسوسٍ.”

 

عدَّلَتْ فاديلا التقييمَ الذي أصدرتْهُ قبلَ قليلٍ بشأنِ رونيلك آينس.

 

لمْ يكنْ مجردَ قطٍ متجهمٍ.

 

بلْ كانَ كائناً يجلسُ بهدوءٍ فوقَ الجدارِ ويتظاهرُ بالاستمتاعِ بالشمسِ، بينما يراقبُ كلَّ شيءٍ بدقةٍ.

 

“هذا صحيحٌ.”

 

أقَرَّتْ فاديلا بهدوءٍ.

 

“لقدْ مرَّ بعضُ الوقتِ منذُ أنْ لاحظتُ أنَّ كيسلر لمْ يعدْ كما كانَ. في البدايةِ، ظننتُ أنَّ هناكَ مشكلةً بينَهُ وبينَ يوهانا فقطْ. ولكنْ، أليسَ منْ الغريبِ أنْ يتوقفَ زوجٌ يكثرُ الشجارَ معَ زوجتِهِ عنْ شربِ الخمرِ تماماً فجأةً؟”

 

“يبدأُ الجواسيسُ بتخفيضِ المتغيراتِ التي لا يمكنُهمْ السيطرةُ عليها إلى الحدِ الأدنى. خوفاً منْ أنْ تزلَ ألسنتُهمْ تحتَ تأثيرِ الخمرِ وتنكشفَ هوياتُهمْ.”

 

آه، لقدْ تعلمتُ هذا في درسِ مفتشيةِ نوكس.

 

أضافَ رونيلك ذلكَ باختصارٍ.

 

“ثمَّ تراكمتْ الشكوكُ الصغيرةُ واحدةً تلوَ الأخرى وتضخمتْ، لكنَّ خطئي الحقيقيَ يكمنُ في أنني لمْ أستطعْ تحديدَ كيسلر كجاسوسٍ واستدعاءِ قسمِ التنفيذِ. ربما أردتُ التجاهلَ. لأنني لمْ أُرِدْ التصديقَ أنَّ نائبي قدْ يخونُ نوكس.”

 

وبسببِ تلكَ الرغبةِ العابرةِ، كانتْ الخسائرُ التي لحقتْ بـ نوكس ضخمةً.

 

أمامَ نوكس، لا قيمةَ لأيِّ شيءٍ آخرَ.

 

لقدْ خرقتْ قاعدتَها الخاصةَ.

 

نَظَرَتْ فاديلا إلى عينيْ رونيلك اللتينِ تتطلعانِ إليها وفكرتْ.

 

حتى لوْ كانتْ مسؤولةً حائزةً على اسمِ النجمِ، فإنَّ خطأها في عدمِ وضعِ نوكس في المقامِ الأولِ يستحقُ اللومَ والتقريعَ.

 

“تبدينَ أكثرَ إنسانيةً مما توقعتُ.”

 

“……ماذا؟”

 

“إنَّ الثقةَ بمنْ همْ تحتَ إمرتِكَ في كلِّ الظروفِ هيَ فضيلةٌ يجبُ أنْ يتحلى بها كبارُ القادةِ. وكيسلر هوَ الغبيُ الذي خذلَ ثقتَكِ يا مديرةُ بونديز. أينَ يمكنُ للمرءِ أنْ يجدَ رئيساً مثلَكِ. لذا لا تلومي نفسَكِ كثيراً.”

 

يبدو أنَّ رونيلك أدركَ متأخراً أنهُ تجاوزَ حدودَهُ بعدَ أنْ أفرغَ ما في جعبتِهِ.

 

“أنا أسفٌ. كانَ كلاماً متجاوزاً لحيادي.”

 

كلما تذكرتْ كيسلر، كانتْ تشعرُ وكأنَّ صدرَها يكتسيهِ ثقلٌ شديدٌ لبعضِ الوقتِ.

 

ولكنْ على الأقلِ، لمْ يكنْ الأمرُ كذلكَ الآنَ.

 

ارتختْ زاويةُ فمِ فاديلا.

 

“رونيلك.”

 

كانَ هذا الوافدُ الجديدُ الذي يشبهُ القطَ الخاملَ يمتلكُ قدرةً على قراءةِ البشرِ أفضلَ بكثيرٍ مما توقعتْ.

 

ولكنْ عندما يرى المرءُ حيواناً أليفاً لطيفاً يستلقي مستمتعاً بالشمسِ، فإنَّ الطبيعةَ البشريةَ تدفعُهُ لنغزِهِ ومضايقتِهِ.

 

“أنتَ مناسبٌ تماماً لإدارةِ الاستخباراتِ.”

 

“……يمكنك ضربي سيكون ذلك أفضل.”

 

“لا. أنا أعني ما أقولُهُ بجديةٍ.”

 

“هلْ لأنني تجاوزتُ حدودي، تصلينَ إلى حدِ الإهانةِ الشخصيةِ؟ أليسَ هذا كثيراً؟”

 

“فوهَاهاها!”

 

في النهايةِ، انفجرتْ فاديلا بضحكٍ مدوٍ.

 

وبينما كانتْ تمسكُ بطنَها تضحكُ بعدَ طولِ غيابٍ، وجبَ عليها الاعترافُ.

 

لا أعلمُ ما الذي كانَ يفكرُ فيهِ سيادةُ الدوقِ عندما وضعَ هذا الفتى في إدارةِ الاستخباراتِ، لكنَّ نظرتَهُ للمجهولِ ما زالتْ ثاقبةً كما هيَ دائماً.

 

فسيؤدي رونيلك آينس دورَهُ في إدارةِ الاستخباراتِ بأفضلِ وجهٍ.

 

وربما يصبحُ ذلكَ جحرُ المغفلينَ مكاناً يستحقُ الاستخدامَ بفضلِهِ.

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.