الفصل 114
112
الفصل 112
*********
بعدَ خروجِ فينيسا كارستين، لمْ يبقَ في غرفةِ الأرشيفِ سوايا أنا وفاديلا بونديز.
وبعدَ صمتٍ طالَ أمَدُهُ، ركلتْ طرفَ ركبتي بطرفِ قدمِها منْ تحتِ الطاولةِ وقالتْ:
“رونيلك آينس، ما هذهِ التعبيراتُ على وجهِكَ؟”
“……ليسَتْ هناكَ أيُّ تعبيراتٍ خاصةٍ.”
“بلا، هناكَ الكثيرُ. أيُّ شخصٍ ينظرُ إليكَ يدركُ أنكَ غاضبٌ.”
“لستُ غاضباً بلْ……!”
صرختُ بلوعةٍ ثمَّ أخذتُ نفساً لتهدئةِ روعي.
دعنا نستجمعُ قوانا.
مهما بدا عليها، فهيَ منْ كبارِ مسؤولي نوكس، ومديرةُ معسكرِ التدريبِ، والآنَ هيَ المسؤولةُ الأولى عنْ الغربانِ.
بالطبعِ، كانَ هناكَ سببٌ آخرُ، وهوَ أنهُ كلما أظهرتُ انزعاجي، كانتْ ابتسامةُ فاديلا بوندايز المستفزةُ تزدادُ عمقاً.
“تحدثْ. إنْ لمْ تكنْ غاضباً، فما معنى هذهِ الشفاهِ البارزةِ؟”
“فقطْ، أنا متفاجئٌ. لمْ أتخيلْ أبداً أنَّ المديرةَ بونديز هيَ غرابٌ، بلْ والمسؤولةُ الأولى عنهمْ.”
وبالمناسبةِ، كانَ هناكَ شيءٌ غريبٌ.
“ألمْ يكنْ السيِّدُ ديبون كلانشير؟ لقدْ سمعتُ الكبارَ ينادونَهُ بالظابطِ عدةَ مراتٍ.”
“آه، إنهُ الظابطُ حقاً. فـ ديبون غرابٌ على أيِّ حالٍ.”
“إذنْ، المديرةُ بونديز…….”
“سيكونُ منْ المريحِ لكَ أنْ تفكرَ فيَّ كمنْ يرعى الغربانَ ليمكنَهمْ العملُ بأمانٍ.”
“آه.”
باختصارٍ، ديبون كلانشير هوَ الأعلى رتبةً بينَ الغربانِ، بينما فاديلا بونديز هيَ الكيانُ الذي يشرفُ على جميعِ الغربانِ.
في النهايةِ، هذا يعني أنها أعلى مرتبةً منْ ديبون كلانشير.
‘ألمْ تكنْ فاديلا بونديز قدْ خَسِرَتْ في المنافسةِ معَ ديبون كلانشير على لقبِ المقربِ منْ كيليان نوكس وتمَّ إبعادُها؟’
ولهذا السببِ لمْ تكنْ العلاقةُ بينهما جيدةً حتى الآنَ.
كانتْ تلكَ هيَ الروايةَ المقبولةَ بالتأكيدِ.
لكنَّ الحقيقةَ التي علمتُها الآنَ كانتْ العكسَ تماماً.
إذاً.
“هلْ قمتِ بصنعِ شائعةِ عدمِ التوافقِ معَ السيِّدِ ديبون كلانشير عمداً؟”
“ممم؟”
الأساسُ الذي فهمتُهُ عنْ الغربانِ حتى الآنَ هوَ ‘التخفي’.
تنظيمٌ لا يعلمُ غالبيةُ أعضاءِ نوكس بوجودِهِ أصلاً.
تلكَ المجهوليةُ كانتْ شريانَ حياةِ الغربانِ وسلاحَهمْ.
“لمْ أكنْ أعلمُ أنَّ غرابَنا الجديدَ ذكيٌ هكذا؟ إنهُ فطينٌ جداً.”
كما توقعتُ.
فإنَّ المسؤولةَ الأولى عنْ الغربانِ لمْ تكتفِ بالمنصبِ الظاهريِ كـ ‘مديرةِ معسكرِ التدريبِ’، بلْ ارتدتْ أقنعةً أخرى كشخصٍ مهزومٍ تمَّ إبعادُهُ إلى منصبٍ هامشيٍ.
عندما رأتْ وجهي الواجمَ، ضحكتْ بصوتٍ خفيضٍ وشرحتْ:
“منْ قدْ يشكُ في أنني، أنا التي خسرْتُ في صراعِ المقربينَ، هيَ في الواقعِ الرئسيةُ المباشرةُ لـ ديبون؟ خاصةً وأنَّ الهواءَ الباردَ يعصفُ بينَنا كلما التقينا.”
هذا صحيحٌ.
لقدْ خدعتُ تماماً طوالَ تلكَ الفترةِ.
ظننتُ أنَّ الفائزَ ديبون كلانشير يمتلكُ كلَّ السلطةِ بصفتهِ المقربَ الأولَ لـ كيليان نوكس، وأنَّ الخاسرةَ فاديلا بونديز محتجزةٌ في نطاقٍ معزولٍ وهوَ معسكرُ التدريبِ.
لكنَّ فاديلا بوندايز لمْ تُستبعدْ أبداً منْ مركزِ السلطةِ.
بلْ كلُ ما في الأمرِ أنها أخفتْ جسدَها في الظلامِ الموجودِ في كلِّ مكانٍ.
“التخفي يكونُ في أقوى حالاتِهِ عندما لا يستطيعُ الناسُ توقعَ المظهرِ الحقيقيِ على الإطلاقِ.”
في اللحظةِ التي رأيتُ فيها فاديلا بونديز تبتسمُ بحدةٍ وهيَ تقولُ ذلكَ، أدركتُ.
هذهِ المرأةُ هيَ التجسيدُ الحقيقيُ للغرابِ.
لقدْ قبضتْ على السلطةِ الحقيقيةِ مقابلَ التضحيةِ بالشرفِ الشخصيِ والكبرياءِ.
السلطةُ المطلقةُ التي تمكنُها منْ خدمةِ كيليان نوكس، الذي تطيعهُ بفرطٍ، بشكلٍ كاملٍ.
‘لا هذا الشخصُ ولا ذاكَ، لا يوجدُ أحدٌ بكاملِ عقلِهِ هنا.’
وبهذا الشأنِ، فقدْ اتضحَ أنني كنتُ أرقصُ على كفِ فاديلا بونديز.
“هلْ كنتِ تعلمينَ أنني غرابٌ منذُ البدايةِ؟”
عندَ سؤالي، أطلقتْ فاديلا بوندايز ضحكةً مدويةً وقالتْ ‘هلْ لهذا السببِ كنتَ متجهمَ الوجهِ هكذا’:
“أيتوقعُ المرءُ أنني كنتُ أعلمُ؟”
“إذنْ متى؟”
“علمتُ بعدَ أنْ تمَّ القبضُ على كيسلر.”
اختفتْ الابتسامةُ تدريجياً منْ وجهِ فاديلا بونديز.
“لوْ كنتُ أعلمُ، هلْ كنتُ لألاحظَ الأمرَ مبكراً؟”
وما بقيَ إلا ابتسامةٌ ممتلئةٌ بالمرارةِ.
“على أيِّ حالٍ، الندمُ على ما فاتَ لا فائدةَ منهُ. وعلى كلٍ، بفضلِ مساعدتِكَ استطعنا القبضَ على جاسوسِ معسكرِ التدريبِ بسلامٍ، وهذا لحسنِ الحظِ.”
نقرتْ بلسانِها مرةً واحدةً، ثمَّ قامتْ وأحضرتْ حزمةَ وثائقَ منْ الدرجِ.
كانَ هذا هوَ التقريرَ الذي قدمتُهُ.
“لكنَّ الأمرَ المؤسفَ قليلاً، أليسَ كذلكَ؟”
“هلْ…… هناكَ أيُّ نقصٍ في التقريرِ؟”
تظاهرتُ بالجهلِ وسألتُ، لكنَّ الحقيقةَ أنَّ النقاطَ الناقصةَ كانتْ كثيرةً.
بدايةً منْ درجاتِ امتحانِ القبولِ التي كانتْ مرتفعةً للغايةِ، وصولاً إلى موتِ بيرتولت كراوس الذي كانَ منْ الممكنِ منعُهُ.
لقدْ كانتْ المهمةُ الأولى منذُ فترةٍ طويلةٍ، وكانتْ الصدمةُ كبيرةً جراءَ إلقائي فيها دونَ أيِ تحضيرٍ سابقٍ.
……ولكنْ في النهايةِ، كلُ هذهِ مجردُ أعذارٍ.
بينما كنتُ أكتسحُ أنفاسي وأنتظرُ الإجابةَ، قالتْ لي:
“كنتُ أنوي تحويلَكَ إلى غرابٍ بعدَ انتهاءِ التدريبِ. لكنكَ كنتَ غراباً بالفعلِ؟ ظننتُ أنني وجدتُ جوهرةً جميلةً وفرحتُ بذلكَ، لأكتشفَ أنها كانتْ في صندوقِ المجوهراتِ بالأساسِ. هلْ يجبُ عليَّ الفرحُ أمْ الحزنُ لهذا؟”
تأملتُ فاديلا بونديز وهيَ تتذمرُ كالأطفالِ وفكرتُ.
هلْ يجبُ عليَّ ضربُ هذهِ المرأةِ أمْ لا؟
“تنهدٌ.”
دعنا نتحملْ.
فما زلتُ بحاجةٍ للحصولِ على ترياقِ دمِ التنينِ منْ كيليان نوكس.
وابتسمتْ بونديز بجديةٍ عندَ سماعِ التنهيدةِ التي تعبرُ عنْ غليانِ أحشائي.
“ومعَ ذلكَ، يبدو أنَّ نظرتي لمْ تخبْ بعدُ. لقدْ كانَ أداؤُكَ هذهِ المرةِ مذهلاً حقاً؟ وخاصةً أنكَ استطعتَ اعتراضَ المعلوماتِ التي سربَها كيسلر في المنتصفِ، كانَ ذلكَ عملاً رائعاً للغايةِ.”
“آه، بخصوصِ تلكَ المسألةِ. هلْ تمَّ القبضُ على جاسوسِ الحرسِ؟”
فورَ القبضِ على كيسلر، أبلغتُ عنْ وسيطِ الحرسِ عبرَ أونيكس.
لكنْ بعدَ ذلكَ بدأَ التدريبُ الجهنميُ، فلمْ أجدْ فرصةً للاهتمامِ بتلكَ المسألةِ.
“تمَّ القبضُ على حارسِ الأمنِ في نفسِ اليومِ الذي قُبِضَ فيهِ على كيسلر. لكننا لمْ نكتشفْ أيَّ شيءٍ خاصٍ.”
ورغمَ أنها كانتْ تبتسمُ، إلا أنَّ الزاويةَ الملتويةَ منْ فمِها كشفتْ عنْ عدمِ ارتياحِ فاديلا بونديز.
“كيسلر، وحارسُ الأمنِ، وحتى فيليكس ميلتشر الذي قُبِضَ عليهِ أولاً. لمْ يكنْ أحدٌ منهمْ يعرفُ منْ كانَ يمسكُ بنقاطِ ضعفِهِمْ. لقدْ شهدوا أنَّ الأمرَ اقتصرَ على إخفاءِ المعلوماتِ في وقتٍ ومكانٍ محددينِ، ليأتي شخصٌ ما ويأخذَها.”
“هلْ كلامُ هؤلاءِ الثلاثةِ موثوقٌ؟”
“حسناً، مبدئياً. هناكَ فتى بارعٌ جداً في ذلكَ المجالِ في قسمِ التنفيذِ. لا يمكنُ لأحدٍ أنْ يتحملَ دونَ أنْ يقولَ الحقيقةَ.”
قالتْ ذلكَ وهيَ تغمزُ بعينِها براحةٍ.
لكنني لمْ أكنْ أستطيعُ الارتياحَ.
ربما لأنني دخلتُ السجنَ السفليَ منْ قبلُ.
تسببتْ تعبيراتُها المازحةُ معَ أسلوبِ نوكس الصارمِ ضدَّ الجواسيسِ في إقشعرارِ بدني.
“أحمْ.”
نظفتُ حنجرتي ثمَّ قلتُ:
“على أيِّ حالٍ، يبدو منْ المؤكدِ أنَّ هناكَ ثغرةً كبيرةً في أمنِ نوكس.”
“بما أنَّ السيِّدَ يتجاهلُ الأمرَ عمداً، فلا حيلةَ لنا. رغمَ أنني لا أعرفُ نيتَهُ أيضاً.”
“ولهذا السببِ قمتِ بتعييني في إدارةِ الاستخباراتِ؟”
فرزُ الجواسيسِ وتتبعُهمْ هوَ عملُ إدارةِ الاستخباراتِ.
ولكنْ تحتَ قيادةِ غراير نوكس العديمِ الكفاءةِ، كانتْ إدارةُ استخباراتِ نوكس قدْ انهارتْ منذُ زمنٍ طويلٍ.
لذا، فإنني أسألُ الآنَ بصفتي غرابًا.
ما الذي يتوجبُ عليَّ فعلُهُ عندَ دخولي إلى إدارةِ الاستخباراتِ؟
……ليسَ لأنني شخصٌ يحملُ الضغينةَ بالضرورةِ.
لكنَّ فاديلا بوندبز أجابتْ وكأنها مظلومةٌ:
“لستُ أنا منْ فعلَ ذلكَ. كنتُ أنوي إرسالَكَ إلى قسمِ الماليةِ.”
“قسمُ الماليةِ؟”
“لقدْ أبدى ديكون إصراراً شديداً بتلكَ التبرعاتِ الضخمةِ، وكانَ كلما التقى بي يشتكي ويقولُ ‘لقدْ جهزتُ مكتباً لـ روكي في قسمِ الماليةِ’.”
كانَ منْ الصعبِ تخيلُ ديكون غولد وهوَ يشتكي.
ولكنْ إذا كانَ قدْ وصلَ إلى ذلكَ الحدِ، وكانتْ فاديلا بونديز تنوي إرسالي إلى قسمِ الماليةِ أيضاً، فهناكَ سببٌ واحدٌ فقطْ لتطويرِ الأحداثِ هكذا.
“هلْ هوَ السيِّدُ الدوقُ؟”
“نعمْ.”
*تنهدٌ.*
كنتُ أعلمُ ذلكَ.
أيها السحليةُ الملعونُ.
عندما أطلقتُ تنهيدةً عميقةً، أمالتْ فاديلا بوندبز رأسَها.
“إلى أيِّ حدٍ ساءتْ علاقتُكَ بالسيِّدِ الدوقِ؟”
“……أنا أيضاً أريدُ معرفةَ ذلكَ.”
أريدُ أنْ أعرفَ حقاً.
لماذا يتحرقُ ذلكَ الوغدُ شوقاً لمضايقتي كلما رآني.
استمتعتْ فاديلا بوندايز بمرآي وأنا أعبثُ بشعري منْ شدةِ الإحباطِ وكأنها تشاهدُ عرضاً ممتعاً.
ثمَّ أخذتْ تقريري وقالتْ:
“إذاً فلننهِ الدردشةَ هنا. ما رأيُكَ أنْ نراجعَ معاً مهمةَ الكشفِ عنْ جاسوسِ معسكرِ التدريبِ؟”
“ألمْ تقرئي التقريرَ بالكاملِ بالفعلِ؟”
“قرأتُهُ. لكنَّ هناكَ نقاطاً مثيرةً للاهتمامِ بالنسبة لي.”
قلبتْ الصفحاتِ الأولى بسرعةٍ، وتوقفتْ عندَ صفحةٍ معينةٍ وأشارتْ إليها، بينما انتشرتْ ابتسامةٌ شريرةٌ على وجهِها.
“على سبيلِ المثالِ…… آه، نعمْ هذا. الشكُ فيَّ أنا، فاديلا بونديز، كجاسوسةٍ. هلْ نبدأُ الحديثَ منْ هذهِ النقطةِ؟”
…….لقد متُّ.
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.