الفصل 234
الفصل الإضافي 2
كان سيندر مختلفًا عن كورنيليا.
فهو لم يهرب.
ظلّ سيندر نيستيان داخل قصر نيستيان الكبير.
لكنه لم يكن في مكتبه.
المكان الذي عثر فيه فرسان أستريان على سيندر كان غرفة ما في أعماق قصر نيستيان.
كانت غرفة لم ترها ثيل ولو مرة واحدة طوال إقامتها في قصر نيستيان، وكانت أيضًا ثاني أفضل غرفة في القصر.
“هذا المكان…”
في ذلك اليوم، عرفت ثيل للمرة الأولى أن غرفة كهذه موجودة أصلًا.
كانت أوسع من أي غرفة أخرى بما لا يقارن، وجميلة للغاية، وكأن صاحبة الغرفة اعتنت بتزيينها بعناية طوال حياتها.
وفي الوقت نفسه، كانت مرتبة بعناية كما لو أن أحدهم حافظ عليها باستمرار، وكانت تفوح منها رائحة شاي عطرة.
غرفة نظيفة إلى حدّ بدا معه وكأن صاحبتها ستعود في أي لحظة.
وفوق ذلك، بدا أن صاحبة الغرفة كانت تحب اللون الأزرق بشدة، إذ كانت الستائر، وأغطية السرير، وحتى الزخارف الصغيرة، كلها باللون الأزرق.
ولهذا بدا مشهد سيندر الجالس وحيدًا في غرفة السيدة المغمورة بالأزرق، كأنه شيء غريب لا ينتمي إلى المكان.
لم يكن ينسجم مع هذه الغرفة إطلاقًا.
على الأقل، هذا ما بدا لثيل.
وفي تلك اللحظة، نشأ سؤال صغير في ذهنها.
لماذا كان سيندر هنا بدلًا من مكتبه؟ كان يعلم بالتأكيد أن فهود أستريان السوداء قادمون لمعاقبة نيستيان.
ولم يكن مختبئًا في هذه الغرفة، فحين وجده الفرسان لم يكن الباب مقفلًا.
وفي تلك اللحظة، اتجه بصر ثيل لا إراديًا إلى ما وراء كتف سيندر.
وعندها فهمت السبب.
“ذلك…”
خلف كتف سيندر، كانت هناك لوحة بورتريه كبيرة معلقة.
لوحة لفتاة ذات شعر فضي متموّج وعينين زرقاوين متألقتين.
داخل اللوحة، كانت الفتاة تركض مبتسمة ابتسامة محببة.
وفي اللحظة التي التقت فيها عينا ثيل بعيني الفتاة، أدركت.
‘هذه غرفة أمي.’
إنها غرفة لينا نيستيان.
أحيانًا، توجد أشياء يمكن للمرء أن يعرفها دون أن يخبره بها أحد.
أدارت ثيل نظرها ببطء في أنحاء الغرفة بعينيها الذهبيتين، ثم نقلت بصرها إلى الوجه المجعد.
“سيدتي.”
في تلك اللحظة، ناداها قائد أحد فرق الفرسان الذي كان يقف خلفها وخلف كاسوس بصوت منخفض.
أومأت ثيل برأسها.
“انتظروا هنا. أبي وأنا سنتولى الأمر.”
لم يكن بوسع فرسان أستريان الاقتراب من سيندر.
فروين لم تعد قادرة على استخدام قدراتها، وكورنيليا كانت ضعيفة أصلًا وتمتلك قدرة ضئيلة، لذا كان القبض عليها سهلًا.
لكن سيندر لم يكن كذلك.
فهو ربّ نيستيان، وزعيم فهود الثلج، وأحد أقوى المتحولين الأحياء بلا شك.
ولو اندفع متحولون عاديون بلا قدرات لمحاولة إخضاعه بتهور، لتعرضوا لإصابات خطيرة.
ولهذا وقفوا بهدوء خلف ثيل وكاسوس، دون الاقتراب منه.
أشارت ثيل إلى الفرسان أن ينتظروا، ثم نظرت إلى سيندر بصمت.
وكان هو أيضًا يحدق بها، جالسًا شاردًا على طرف السرير.
‘يبدو متعبًا.’
ذلك الجدّ المخيف الذي لم يبدُ متعبًا ولو للحظة واحدة، كان الآن يتنفس بصعوبة بجسد شيخ عجوز.
راقبته ثيل بهدوء.
كان يبدو كشخص استسلم لكل شيء، وفي الوقت نفسه كشخص يشتاق إلى أحدهم بشدة.
‘هل يشتاق إلى أمي؟’
على الأرجح، نعم.
فهذه اللحظة هي الأخيرة التي يمكن فيها لسيندر نيستيان أن يبقى داخل هذا القصر بصفته سيد نيستيان.
وكان سيندر يعلم ذلك جيدًا.
وقضاؤه هذه اللحظات في غرفة ابنته، غرفة لينا…
‘إنه يشتاق إلى أمي.’
ذلك الدوق العجوز لا يزال يبحث عن ظل لينا، في هذه الغرفة الفارغة التي غادرتها صاحبتها منذ زمن بعيد.
وعندما أدركت ثيل ذلك، صار من الأصعب عليها فهم سيندر أكثر.
‘لقد أحببت أمي إلى هذا الحد، فلماذا كرهتني حتى الموت؟’
أنا ابنة أمي.
أنا دم لينا نيستيان، المرأة التي أحببتها أكثر من أي شيء.
فلماذا كنت تكرهني إلى هذا الحد؟
سبق أن فكرت في هذا من قبل.
لأنني وُلدت بعد أن قتلت أمي، لذا فمن الطبيعي أن أُكره.
طفلة لا تستحق أن تُحب.
لكنها الآن عرفت.
أنه لا وجود لطفل ‘لا يستحق الحب’ في هذا العالم.
الشيء الغريب هو ذلك العجوز الذي كره حفيدته حتى الموت لأن ابنته ماتت أثناء ولادتها، لا الطفلة التي وُلدت.
كل الأطفال يستحقون الحب بلا شروط منذ اللحظة التي يولدون فيها.
ذلك حق وواجب متساوٍ لجميع الأطفال.
لكن سيندر نيستيان سحق حق ثيل، وجرح روحها.
وبذلك ارتكب ذنبًا لا يمكن أن يُغتفر طوال حياته.
وبينما كانت تراقبه بصمت، فتحت ثيل فمها ببطء.
“هل لديك ما تقوله لي؟”
هزّ الدوق العجوز رأسه ببطء، وهو يحدق بحفيدته.
“لا.”
حقًا، كانت إجابة تشبه سيندر تمامًا.
لم يطلب المغفرة الآن، ولم يغضب قائلًا إن كل شيء حدث بسببها.
بل أدار رأسه ونظر إلى لوحة لينا نيستيان.
إلى الفتاة التي لم تعد موجودة في هذا العالم.
“هل تشتاق إلى أمي؟”
سألت ثيل.
“نعم.”
أجاب سيندر.
أطلقت ثيل زفرة قصيرة، ثم نظرت إلى مؤخرة رأسه بعينين ثابتتين بلا تردد.
وقالت بوضوح:
“لكن أمي لا تشتاق إليك.”
“……”
“لأنك جرحتني. لأنك آذيتني وارتكبت بحقي خطأ لا يمكن إصلاحه، فلن ترغب أمي في رؤيتك.”
لم يعد صوتها يشبه صوت طفلة.
لم يكن صوت طفلة خائفة.
ولا صوت حفيدة تتوق لأن يحبها جدها.
“أي أمّ في العالم قد ترغب في رؤية شخص جرح ابنتها التي تحبها…؟”
“……”
“لقد ارتكبت بحقي ذنبًا لا يمحى، وحتى لو سامحت الجميع في هذا العالم، فلن أرغب في مسامحتك وحدك.”
كان ذلك صوت ‘ثيل’.
“بالتأكيد… كان هناك طرق أفضل بكثير. كان هناك ما هو أفضل من حبسي في علّية. لكنك تجاهلت كل تلك الطرق، ولهذا لا أريد مسامحتك.”
لقد أصبح صوت فهدة الثلج ثيل أستريان، التي كبرت وصارت بالغة، واضحًا تمامًا.
استمع سيندر إلى كلامها بصمت، ثم أومأ ببطء.
“….هذا طبيعي. فأنتِ ابنة لينا.”
أجابت ثيل فورًا.
“ليس لأنني ابنة أمي. سيندر، ما فعلته أمر لا يمكن أن يغفره لك أحد…”
“……”
“لن أسامحك حتى لو متّ. لكن، في اللحظة التي أغادر فيها هذا القصر، سأنسى تمامًا كل ما فعلته بي…”
تألقت عينا ثيل الذهبيتان.
“لأنني لم أعد أرغب في السماح لك بإيذائي بعد الآن.”
حينها، تحدث الدوق العجوز ببطء.
“لقد خرجتِ من نطاق سيطرتي منذ زمن طويل، ولم تعودي شخصًا يمكنني إيذاؤه.”
أجابته ثيل بالبطء نفسه.
“لا، لقد ظللت أتأذى لفترة طويلة حتى بعد ذلك.”
لماذا لا تُمحى جراح الطفولة بسهولة حتى بعد أن يكبر المرء؟
لماذا يمكن إخفاؤها، لكن لا يمكن ملء الفراغ الذي تركته بالكامل؟
لقد خافت ثيل من قصر نيستيان لوقت طويل جدًا.
حتى بعد أن التقت عائلتها في أستريان، ظل الأمر كذلك.
لقد ظل سيندر يجرحها طوال حياتها، عبر ذكرى واحدة فقط من طفولتها.
لكن ثيل لم تعد ترغب في العيش بهذه الطريقة.
لم تعد تريد لسيندر أن يتدخل في حياتها، أو يؤثر فيها مدى الحياة.
“إذا نسيتُ كل هذا، فستفقد فرصة أن أنال منك الغفران إلى الأبد. ولن أعود بعدها إلى اجترار الإهانات التي أغرقتها عليّ…”
اتجه بصر ثيل إلى ما وراء كتف سيندر.
وفي تلك اللحظة، خُيّل إليها أن الفتاة داخل اللوحة تبتسم لها ابتسامة مشرقة.
نزعت ثيل عينيها عن لوحة لينا نيستيان، ثم نظرت إلى سيندر مجددًا.
وكان هو أيضًا قد أدار رأسه نحوها.
التقت نظرات فهدي الثلج.
“سيندر نيستيان.”
تحركت شفتا ثيل ببطء.
“لقد انتهيت الآن…”
في تلك اللحظة، تسلل هواء بارد من النافذة المفتوحة قليلًا.
واجتاح هواء جليدي قادم من السهول الثلجية الشاسعة لنيستيان وجوه الموجودين في الغرفة.
***
رغم أن نيستيان ارتكبت جريمة كبرى تُعد بمثابة خيانة، فإن السبب في قدرة أستريان على معاقبة نيستيان بدلًا من العائلة الإمبراطورية كان بسيطًا.
إذ كان هناك عرف غير مكتوب يقضي بأن شؤون العشيرة تُحل داخل العشيرة نفسها.
ولهذا، وصلت سيدة أستريان، ثيل أستريان، إلى نيستيان برفقة الفرسان وألقت القبض على المذنبين.
وسيخضعون للمحاكمة.
ومن الآمن القول إنه لا توجد أي احتمالية تقريبًا لخروجهم سالمين من تلك المحاكمة.
وبمعنى آخر، انقطع نسل نيستيان تمامًا الآن.
بسبب طمع سيندر نيستيان.
بعد أن اقتيد سيندر مطيعًا، بقيت ثيل وحدها في غرفة لينا، وأخذت تتفقد المكان ببطء.
بدت غرفة لينا وكأن سيندر اعتنى بها لسنوات طويلة، إذ لم يكن هناك ذرة غبار واحدة على خزانة الزينة.
وفي أثناء تفحصها للخزانة، توقفت ثيل فجأة بعدما رأت شيئًا.
“هذا…”
~ ترجمة يوميكو ~
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.