الفصل 207
“أبي!”
حثته ثيل على الكلام، لكن كاسوس ظل صامتًا، ممسكًا بكتفها ليخفيها خلف ظهره. ثم قال:
“اششش.”
أومأت ثيل برأسها طاعةً.
‘ما الذي رآه يا تُرى؟’
ما الذي رآه ليجعل وجهه يحمل هذا التعبير؟ رفعت ثيل رأسها لتنظر إلى الفجوة المستديرة في السماء.
بدت تلك الفجوة وكأنها مدخل، أو ربما مخرج، ولم يكن من الواضح الغرض الذي ستُستخدم لأجله.
لكن العزاء الوحيد هو أن القوة الحالية كانت بالكاد تكفي للحفاظ عليها؛ فعلى الرغم من أن هيئة الأفعى السوداء كانت تبذل قصارى جهدها، إلا أن شكلها كان يضطرب باستمرار، يتمزق ثم يترمم في حلقة مفرغة.
في تلك اللحظة…
كونغ!!
دوى صوت هائل مرة أخرى من داخل المعبد. كتمت ثيل رغبتها الغريزية في الاندفاع للداخل.
أما كاسوس، فقد ظل ساكنًا يراقب ما يحدث بالداخل بهدوء تام.
وفجأة،
“!!”
طُرد “السمندل” الخاص بكاسوس الذي دخل للمعبد من قبل، وكأنه قُذف بقوة جبارة، ليتدحرج خارج المعبد.
اتسعت أعين الجميع من المشهد.
سمندل كاسوس هو “شظية قدرة” صُنعت من جزء من قوته الخاصة، ولم يكن كائنًا يمكن إطاحته بهذه السهولة أبدًا.
لكن كاسوس ظل يراقب بهدوء، وكأنه كان يتوقع حدوث ذلك.
“لا يبدو أن هذا من تدبير عائلة نيستيان.”
تحدث كاسوس أخيرًا بعد صمت طويل، فأومأ الجميع بالموافقة؛ فعائلة نيستيان لا تملك القوة الكافية لتنفيذ أمر كهذا.
لم يندفعوا للداخل بتهور، بل انتظروا في الخارج قليلًا.
وبعد لحظات، فُتحت أبواب المعبد بصرير مدوٍّ، وظهر الشخص الذي كانوا ينتظرونه.
“هذا… هذا غريب!”
صرخت روين وهي تخرج من باب المعبد وترتجف بشدة. صُدم الجميع من مظهرها.
إذن، كانت روين هي من في الداخل! وسرب الأسماك الضخم ذاك كان من صنعها!
لكن، يبدو أن ما يحدث الآن لم يكن ضمن خطتها؛ فقد كانت تنظر إلى يديها اللتين صبغتا بالسواد وهي ترتجف رعبًا.
“هذا… ليس هذا ما أردته. هناك خطأ ما. أنا حقًا…”
وكلما هذت روين بكلمات غير مفهومة، كانت طاقة سوداء تتسلل وتتسلق ساقيها ببطء. حاولت روين ركل تلك “الطاقة” وهي تنتفض، لكن دون جدوى.
“روين نيستيان.”
ناداها كاسوس.
التفتت المرأة ذات الشعر الفضي والعيون الزرقاء المتألقة والجمال الأخاذ نحو كاسوس بوجه تملؤه ملامح الرعب.
“ما الذي فعلتِهِ؟”
“لستُ أنا من فعل هذا!”
صرخت روين. حاولت مرارًا استخدام قدرتها، لكن بدلاً من شظايا النور أو الجليد، كان ينبعث من يديها ظلام دامس فقط.
“ما هذا بحق الخالق؟ لم أسمع عنه شيئًا منه!”
عولت روين وهي تمسك برأسها. كان عويلها مفجعًا، وبسبب قوة الرياح التي جرفت كل شيء حولها، لم يكن هناك من يسمع صراخها سوى ثيل وكاسوس ورفاقهما.
“أي شيء؟ عن ماذا كنتِ تتحدثين معه؟ روين…!”
صرخت ثيل، لكن روين لم تكن تسمعها، بل استمرت في صراخها اليائس فقط.
“ثيل، ألا تظنين أن ذلك الشيء… يشبه تلك الكائنات التي هربت عندما رأت نوركِ سابقًا؟”
عند سماع كلمات إياندروس، أعادت ثيل فحص “الطاقة السوداء” التي تنبعث من روين.
بدت تلك الطاقات بالتأكيد مشابهة لتلك التي حاولت إيذاء ثيل من قبل، لكنها لم تكن متأكدة تمامًا…
‘ومع ذلك، يمكنني المحاولة.’
استخدمت ثيل قدرتها بحذر. ولحسن الحظ، عملت قدرتها بسلاسة رغم وجود روين أمامها.
ظهرت شظية صغيرة من النور بين يدي ثيل.
سرعان ما نمت تلك الشظية وتضخمت حتى أصبحت كبيرة بما يكفي لتغطية رأس ثيل بالكامل.
راقب كاسوس وبيردي وروديان وألفيوس وأوليفيا وكليمنس ثيل بصمت وهم يرون حالة روين المزرية.
نمت زعانف من تلك الكرة الضوئية، وتحولت سريعًا إلى سمكة.
سمكة ضخمة تنبعث منها أنوار مقدسة من جسدها بالكامل، بدأت تسبح ببطء نحو روين بإشارة من يد ثيل.
في تلك الأثناء، كانت الطاقة السوداء لا تزال تتدفق من يدي روين، وكانت تقبض وتبسط يديها وكأنها لا تستطيع السيطرة على تلك القوة.
“هل سينجح الأمر؟ لا أدري، ولكن…”
لكن ثيل كانت تشعر في داخلها، منذ اللحظة التي رأت فيها هيئة الأفعى في السماء، أن هذا الأمر قد خرج عن نطاق سيطرة قوتها.
لكنها لم تستسلم.
دارت السمكة الضخمة حول روين، فصرخت الأخيرة بوجع:
“كياااك!”
لم تكترث سمكة ثيل بصراخها.
بدأت يد روين المصبوغة بالسواد تستعيد لونها الأصلي تدريجيًا، وبدأت الطاقة السوداء تتلاشى. صاحت أوليفيا بحماس:
“انظروا! يدها تعود لطبيعتها!”
لكن ذلك لم يدم طويلًا.
“لا… لا أريد!”
بمجرد أن أطلقت روين صرخة مليئة بالألم، اندفعت الطاقات السوداء بعدوانية وهاجمت قدرة ثيل.
تلك السمكة المصنوعة من نور ثيل لم تستطع طرد ظلام روين بالكامل، فتشتتت وتحولت إلى حفنة من الرماد.
بل بدت يد روين أكثر سوادًا مما كانت عليه من قبل. غطت ملامح الخيبة وجه ثيل؛ لقد جاءت النتيجة عكسية!
“ما الذي يحدث هنا؟ لماذا آلت الأمور إلى هذا الحد؟ وما بال تلك الفتاة؟”
سأل بيردي بصوت مذهول، لكن لم يملك أحد في المكان إجابة.
بدا أن الظلام قد ازداد قوة بعد هزيمة قدرة ثيل، فالتف حول روين بإحكام.
تغير شكل الظلام بحرية حتى اتخذ شكل رمح ضخم.
“هذا…”
قطب كاسوس حاجبيه، فالتفت روديان نحوه:
“هل تعرف شيئًا عنه؟”
“أجل، هذا الرمح… لا يمكن استخدامه إلا عندما يصل المرء إلى أقصى حدود التحكم في قدرة الجليد الخاصة بعائلة نيستيان…”
تحدث كاسوس وهو يحدق في رمح روين.
“إنه السر الدفين لعائلة نيستيان.”
“كيف لروين أن تستخدمه؟ قدرتها لا تصل حتى لنصف قدرة سيندر نيستيان!”
“لا أدري، وانظر إلى ذلك؛ لم يعد حتى رمحًا من جليد.”
بدا وكأن شعار عائلة نيستيان كان منقوشًا بلون أزرق باهت على الرمح، لكنه سرعان ما مُحي.
أصبح الرمح الآن عبارة عن رمح من ظلام خالص. تراجعت روين خطوة عنه.
“ما هذا بحق الخالق…!”
صرخت روين، لكن مجددًا، لم يكن هناك من يجيبها.
ومع تراجع روين المتعثر، ظهر خلفها الكاهن الأكبر والكهنة والفرسان المقدسون وهم ملقون على الأرض.
“أبي!”
صرخت ثيل، فأومأ كاسوس برأسه:
“أجل، لقد رأيتهم قبل قليل.”
حينها فقط أدركت ثيل سبب تيبس ملامح كاسوس؛ فقد رأى من خلال السمندل الكاهن الأكبر والفرسان الملقين، وروين التي خرجت عن السيطرة.
‘لكن هؤلاء الناس…’
“وجوههم مصبوغة بالسواد.”
تمتمت ثيل. لعنة تصبغ الوجه بالسواد، ثم تلتهم الجسد بالكامل حتى يموت المرء…
‘إنه نفس ما حدث لوحوش أركاديا سابقًا!’
في ذلك الوقت، حلت ثيل الأمر بإعادة الشمس إلى هذه الأرض.
لكن الآن، “الشمس” مشرقة بالفعل، ومع ذلك يلتهمهم الظلام؟ إذن كيف يمكن حل الأمر هذه المرة؟
فكرت ثيل للحظة ثم سألت كاسوس:
“أبي، هل يمكنني الدخول إلى هناك؟”
“أنتِ؟ لماذا؟”
“أعتقد أنني أستطيع محاولة علاج الكاهن الأكبر إذا دخلت. لقد رأيت أعراضًا مشابهة من قبل. وعلى الرغم من أنني فشلت مع روين… إلا أن الأمر قد ينجح مع الكاهن الأكبر.”
كانت ثيل تنوي استخدام قدرتها على الكاهن الأكبر والفرسان.
قدرة ثيل هي “النور” الذي جُمع من أدفأ الأشياء في هذه الأرض.
وعلى الرغم من أنها لم تدرك ذلك تمامًا بعد، إلا أنها كانت القدرة الوحيدة القادرة على دحر الظلام.
ورغم أنها تفتقر للقوة حاليًا لردع روين، إلا أنها قد تنجح في علاج الملقين هناك.
ابتلعت ثيل ريقها بتوتر.
راقب كاسوس “رمح الظلام” المخيف الذي صنعته روين، ثم سأل:
“كم من الوقت تحتاجين؟”
ترجمة : ســايــومــي ❥
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.