الفصل 190
. . . * * * . . .
“هآه!”
استيقظت ثيل في تلك اللحظة. كان ظهرها مبللاً تماماً بالعرق البارد، وشعرها الأبيض المتموج يلتصق بجبينها من الرطوبة.
“آنسة؟”
استيقظت ريا، التي كانت تغفو بجانب السرير، فزعة من حركة ثيل المفاجئة. وضعت يدها على جبين ثيل بملامح قلقة.
“آنسة، هل أنتِ بخير؟”
“هاه؟ أوه، نعم، أنا بخير… لكن لماذا أنتِ هنا يا ريا؟”
قالت ثيل ذلك وهي تتقبل لمسات ريا الناعمة دون اعتراض. قامت ريا بمسح عرق ثيل بلمسات دقيقة ومنظمة.
“لقد كنتِ تتألمين طوال الليل، لذا بقيتُ بجانبكِ لأرعاكِ.”
استمعت ثيل لكلمات ريا وبدأت تتذكر ما حدث قبل نومها مباشرة.
‘إيان أخذني إلى فضائه الفرعي.’
وبعد ذلك؟
واساها إياندورس هناك، واستلقت معه لتنام. تذكرت ذلك بوضوح، حتى تذكرت إظهاره لـ “هيئته الحيوانية” لمواساتها…
لكن بما أنها لا تملك ذكريات بعد ذلك، يبدو أن إيان حملها وهي نائمة وأعادها إلى قصر إيفرارد.
“هل رأيتِ حلماً سيئاً؟”
سألت ريا ولا تزال الحيرة والقلق يكسوان وجهها.
أومأت ثيل برأسها:
“نعم، حلم سيء للغاية…”
بينما كانت تجيب، خفضت ثيل بصرها دون وعي، لتكتشف “شيئاً” قريباً من يدها، فانتفضت متراجعة للخلف بذعر.
سقط اللحاف الذي كانت تتغطى به على الأرض، واتسعت عيناها الجميلتان. انكمشت ثيل على نفسها وهي تحدق بعيون مرعوبة في ذلك “الشيء”.
“آنسة…!”
احتضنت ريا ثيل بقوة. ما رأته ثيل وأفزعها هو تلك “الأفعى السوداء” التي كانت تهاجم أسماك الضوء طوال فترة نومها.
‘لماذا هذا الشيء هنا…!’
كانت مطابقة تماماً للأفعى التي في الحلم. لم تكن تختلف عما رأته في كابوسها بذرة واحدة.
عندما استيقظت ثيل وهي غارقة في عرقها، شعرت بالراحة ظناً منها أن كل ما مرت به كان مجرد “حلم”. ظنت أنه لا توجد أفعى تحاول ابتلاعها، بل توجد ريا التي تحبها فقط. لا أفاعي، ولا أصوات مخيفة تعذبها. هكذا كان ينبغي أن يكون الأمر؛ لأن ذلك حلم وهذا واقع.
لكن…
“ر-ريا!”
صرخت ثيل صرخة تشبه العويل. عندما تدرك أن الحلم لم يكن مجرد حلم، يهاجمك خوف هائل. شعرت ثيل وكأنها تختنق من الرعب الذي يلتف حول عنقها كالأفعى.
“آنستي، يا آنستي… هل أنادي السيد كاسوس؟ إذا كنتِ خائفة جداً…”
نظرت ريا بحيرة نحو هيئة “الأفعى” التي كانت ثيل تشير إليها. كانت تلك الهيئة هي نفسها التي حاول كاسوس إزالتها أثناء نوم ثيل وفشل. لذا، حتى لو أحضرت كاسوس، فلن تُحل المشكلة فوراً. ومع ذلك، كانت ثيل بحاجة لمُسند.
شعرت ريا أن آنستها التي ترتجف بين ذراعيها لا تزال تبدو كطفلة في السابعة.
في تلك اللحظة، تلاشت هيئة الأفعى السوداء التي كانت تبتلع الأسماك ببطء.
“…”
“آنستي… لقد اختفت!”
قالت ريا ذلك، ففتحت ثيل عينيها وبحثت في الأرجاء. أين ذهبت؟
لكن الأفعى لم تكن موجودة في أي مكان. بدت وكأنها تلاشت تماماً… لكن ثيل عرفت بغريزتها أنها لم تختفِ. لقد تراجعت مؤقتاً فقط.
عرفت ذلك دون أن يعلمها أحد. الأفعى ستعود مجدداً. كما زارتها في طفولتها، وكما زارتها الآن، ستعود دائماً لتبحث عنها. كان ذلك إحساساً فطرياً.
شددت ثيل من عناقها لخصر ريا، وبادلتها ريا العناق وكأنها لا تزال تلك الطفلة الصغيرة.
“آنستي، آنستي الجميلة. لا تقلقي كثيراً، عائلة أستيريان ستحميكِ…”
همست ريا بكلمات مهدئة. وكأنها ترد على كلمات ريا، أطلق السمندل -الذي كان مختبئاً تحت اللحاف من هيبة الأفعى السوداء- شعلة نارية قوية.
أومأت ثيل برأسها وهي لا تزال ترتجف؛ فإحساس الأفعى وهي تخنق عنقها في الحلم كان لا يزال حياً وواضحاً.
. . . * * * . . .
“لقد بحثتُ في أمر تلك الأفعى.”
قال بيردي وهو يضع ما يشبه لفافة جلدية أمام روديان. ضيق روديان عينيه وسأل:
“بحثت؟ كيف؟ لا تملك وسيلة للبحث هنا. لا توجد مكتبة في إيفرارد.”
تمتلك كل عائلة مكتبة تحفظ فيها الكتب والوثائق القديمة التي تعتبر إرثاً للعائلة، لكن إيفرارد لا تملك شيئاً كهذا؛ فهي عائلة أُبيدت وأُعيد بناؤها في هذا الجيل على يد كارل. لذا، طالما هم في أركاديا، فإن إجراء بحث حقيقي كان شبه مستحيل.
لو عادوا إلى قصر أستيريان لكان الأمر أسهل، لكن المسافة بعيدة، وإذا انسحبوا الآن، فقد تستغل روين غيابهم لتحريض السوين أكثر. كان من الأفضل مراقبتها من كثب وردعها لحظة تجاوزها للحدود. لهذا السبب، ظلوا في أركاديا، والمفاجأة كانت أن بيردي تمكن من الحصول على معلومات.
“طلبتُ المساعدة من كليمنس. أستيريان بعيدة، لكن إقليم آرني قريب نسبياً. علاوة على ذلك، مكتبة آرني تضم كمية هائلة من الوثائق.”
“لكن آرني لا تزال بعيدة أيضاً؟”
“أوليفيا ساعدتني،” قال بيردي ببساطة.
وبقدرة أوليفيا، لم يكن مستحيلاً الذهاب إلى آرني والعودة في لمحة بصر.
“لا بد أنها عانت كثيراً…”
لكن روديان لم يهتم بمعاناتها، بل أومأ وأخذ اللفافة الجلدية.
“تعامل معها بحذر، هذه ليست نسخة.”
بدأ روديان يقرأ. كانت اللفافة قديمة جداً، عليها آثار الزمن، ومكتوبة بخط عريض بلغة قديمة. كان من الصعب قراءتها بسبب بهتان الحبر. نظر روديان إلى بيردي بذهول:
“لقد أحضرت الأصل؟”
“أين الوقت لصنع نسخة؟”
“لكنها وثيقة ثمينة!”
“لقد سمح رئيس عائلة آرني بذلك. اصمت واقرأ.”
تحدث بيردي بانزعاج. هز روديان رأسه مفكراً أن الناس يظنون أن روديان أستيريان هو صاحب المزاج الناري والمتسرع، لكن في الحقيقة، بيردي هو من يملك طبعاً “مشتعلاً” ومستعجلاً أكثر.
كان روديان يجيد قراءة اللغة القديمة بشكل سطحي، لكن الوثيقة كانت صعبة جداً. وفجأة توقف عند نقطة معينة.
“…… ما هذا؟”
“أفعى،” أجاب بيردي.
قطب روديان ما بين حاجبيه: “أفعى؟ إذا كانت أفعى…”
خطر ببالهما نفس الشيء في آن واحد. الأفعى التي كانت تتلوى فوق ثيل النائمة وتبتلع أسماكها، مسببة لهما قلقاً من أنها قد تلتهم أختهما يوماً ما.
“أفعى؟”
“أجل، هذا السجل يتحدث عن حاكم الشر القديم ‘أورفيو’.”
أجاب بيردي واقترب من روديان مشيراً بإصبعه إلى نص تحت رسمة الأفعى. رغم بهتان الحبر، قرأ بيردي الجملة بسهولة:
“‘حاكم الكوارث الذي تروّضه حاكم الشر أورفيو’.”
وتابع بيردي القراءة:
“روّض حاكم الشر أورفيو حاكم الكوارث ‘سيك’. منحه جزءاً من قوته وأطلق عليه اسم سيك. الكارثة كانت موجودة كمجرد كارثة، لكن بمجرد أن أطلق عليها أورفيو اسماً، أصبحت حاكم الكوارث سيك. يتخذ شكل أفعى سوداء، ولا يملك وعياً أو إرادة، فهو ليس سوى أداة في يد أورفيو.”
لمعت عيون روديان الذهبية وسأل بعدم تصديق:
“إذاً… ما كان بجانب ثيل هو حاكم الكوارث سيك؟”
ترجمة : ســايــومــي ❥
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.