الفصل 185
. . . * * * . . .
تحسست ثيل الوسادة بيدها لتتفحصها؛ لقد أصبحت الآن بحجم سريرها تقريباً.
عندما جاءت ثيل إلى هذا الفضاء الفرعي لأول مرة، كانت هذه الوسادة بالكاد تتسع لنمر جبلي صغير، لذا فإن رؤيتها بهذا الحجم تعني أنها كبرت بشكل مذهل.
“اجلسي هنا وارتاحي. سأخرجكِ من هنا بمجرد أن تهدئي قليلاً، فأنا أيضاً لا أريد إبقاءكِ هنا لفترة طويلة.”
“هل لا تزال قدرتكَ غير مستقرة؟”
“أجل، لكنني أظن أنني بدأت أعرف السبب. سأخبركِ حين أتأكد.”
وضع إياندورس راحة يده الكبيرة فوق عيني ثيل؛ كانت يده دافئة وضخمة وهي تغطي رؤيتها.
“أوه!”
“لذا ارتاحي قليلاً. سأهتم أنا بأمر روين. من المؤكد أنها استخدمت خدعة غريبة.”
“لكن يا إيان…”
تمتمت ثيل وهي تمسك بيده بكلتا يديها:
“بمجرد أن حُبست قدرتي، استخدمت روين قدرتها. هل يعقل أن يكون هذا مجرد صدفة؟ أنا…”
“ربما فعلت روين شيئاً لكِ. أقصد، عائلة نيستيان…”
“إيان، هل سمعتَ يوماً عن طريقة تجعل المرء يستولي على قدرات الآخرين ويجعلها ملكاً له؟”
“…”
“إيان؟”
“لا، لم أسمع.”
“هذا ما قصدته…”
“لكن ثمة أمر واحد مؤكد؛ وهو أنهم فعلوا بكِ شيئاً ما بلا شك. هل لا تزالين عاجزة عن استخدام القدرة؟ جربي الآن مجدداً. هنا والآن.”
قال إياندورس ذلك بينما كان لا يزال يغطي عيني ثيل بيده. رفعت ثيل يديها نحو صدرها، وقالت بصوت يرتجف بوضوح:
“لا أستطيع…”
“هل هي لا تعمل؟”
“كلا، بل أنا خائفة من المحاولة… أخاف ألا تعمل حقاً، وأخاف أن تكون قدرتي قد اختفت تماماً…”
“ثيل، استجمعي قواكِ. حتى في المرة السابقة، لم تختفِ قدرتكِ تماماً، بل تمكنتِ من استخدامها مجدداً بعد امتصاص الشظايا المتناثرة.”
“ومع ذلك…”
“جربي الآن، لا بأس. سأبقى مغطياً عينيكِ، ولن أخبركِ بما سأراه…”
همس إياندورس بتلك الكلمات، وشعر بدغدغة غريبة في راحة يده؛ كانت رموش ثيل تلامس جلده. شعر أيضاً ببلل طفيف تحت يده،
‘هل تبكي؟’.
راودته رغبة جامحة في رفع يده والإمساك بوجنتيها ليتأكد من وجهها ويمسح دموعها، لكنه كبح نفسه؛ لأنه وعدها بأن يغطي عينيها.
لقد كان الموقف صدمة هائلة لثيل. ورغم أن الجميع صُدموا، إلا أن ثيل أستيريان كانت الأكثر تضرراً بلا منازع.
ففي لحظة واحدة، وأمام جميع السوين في الإمبراطورية، اختفت قدرتها، وقامت ابنة خالتها وعدوتها روين نيستيان بتقليد قدرتها وكأنها سرقتها منها. كيف لا تُصدم؟
كان من المفهوم جداً أن تشعر بالرعب وتخشى المحاولة.
لقد كانت ثيل تعيش تحت ضغط هائل منذ مدة طويلة؛ فمنذ أن بدأ اختلال الليل والنهار، ألقى السوين باللوم عليها. وبمساعدة إيان وعائلتها، كانت تحاول جاهدة تحمل هذا العبء.
لكن اليوم، وبفعل ما فعلته روين، وجدت ثيل نفسها تقف حرفياً على حافة الهاوية.
أطبق إياندورس على أسنانه وأقسم في نفسه:
لن يدع ثيل تسقط وحيدة من تلك الهاوية أبداً. حتى لو اضطر لإسقاط كل من دفعها وأشار إليها بأصابع الاتهام، فلن يتركها تسقط بمفردها.
وبسبب إلحاح إياندورس اللطيف، جمعت ثيل يديها بحذر واستدعت قدرتها.
تماماً كما فعلت حين كانت صغيرة جداً.
تماماً كما كانت في قبو عائلة أستيريان حين استدعت قدرتها ونظرت إلى كاسوس بوجل؛ حاولت الآن استدعاءها بنفس الحذر.
شعر إياندورس ببلل دموعها يزداد تحت يده، لكنه لم يرفعها.
وفي تلك اللحظة، لمع ضوء صغير في يد ثيل.
السمندل، الذي كان ملتصقاً بحضنها، فرك رأسه بظهر يد ثيل بودّ، وكأنه سعيد بعودة الضوء.
أضاء النور الصغير الأرجاء بهدوء، وبفضل ذلك الضوء، تمكن إياندورس من رؤية وجه ثيل. كانت الدموع الشفافة تنسال من تحت يده لتصل إلى وجنتيها؛ لم يكن واهماً إذاً.
سألت ثيل بصوت متهدج، وهي لا تجرؤ على الطلب منه أن يرفع يده:
“إيان… أنا…”
“انظري بعينيكِ.”
رفع إياندورس راحة يده ببطء.
بمجرد أن رفع يده، اتسعت عينا ثيل وهي ترى شعاع الضوء الخافت المنبعث منها.
إنها قدرتها الخاصة. القدرة التي كانت عاجزة عن استحضارها قبل قليل.
توقفت ثيل عن البكاء وظلت تحدق في يدها لفترة طويلة.
أخرج إياندورس منديلاً ومسح وجنتيها برقة. انضغطت وجنتها قليلاً وانغلقت عينها بفعل المنديل كما في صغرها، لكنه لم يبالِ.
قال إياندورس:
“قدرتكِ لم تختفِ.”
“نعم…”
“ولن تختفي أبداً. لأن الضوء لا يختفي قط.”
قد تغيب الشمس لفترة، لكنها لا تنتهي أبداً. بعد الليل يأتي النهار دائماً، وحين يأتي النهار، تشرق الشمس مجدداً في وسط السماء. لم يؤمن إياندورس قط بأن قدرة ثيل ستزول، مهما فعل أي شخص.
بالنسبة له، ثيل هي الضوء نفسه؛ للإمبراطورية، ولفهود أستيريان، وله هو شخصياً.
وطالما بقيت هذه الأرض، وبقي السوين يعيشون عليها، فالضوء لن يزول أبداً.
كانت هذه هي الكلمات التي أراد إياندورس إيصالها لثيل. وفهمت ثيل كل ذلك بمجرد النظر في عينيه.
انعكس الضوء الصغير في عينيها الذهبيتين المبللتين، فسطعتا كذهب مصقول أو كهرمان، وكأنهما أثمن جواهر العالم.
مسح إياندورس بإبهامه آثار الدموع المتبقية:
“لا تبكي.”
“…”
“سأمسك حتماً بمن فعل بكِ هذا. من الواضح أنها مكيدة خبيثة من شخص يدعى ‘جاي’. سأمسك به ولن أرحمه، وسيعاقب أشد العقاب…”
لذا، لا تبكي.
أمام مواساة إياندورس الصادقة، كفت ثيل عن البكاء وعانقته بقوة. فوجئ إيان بعناقها المفاجئ، لكنه لم يبعدها، بل ضمها بقوة أكبر.
وبينما كان يربت على ظهرها، شعر بجسدها الصغير يرتجف قليلاً. هل ثيابه تبتل الآن؟ لم يعد يهمه…
توقف إياندورس عن التفكير، وأراح وجنته على رأسها.
فرك الوجنة هو تعبير عن الحب والمودة لدى السوين من الفصائل القططية، وكان إياندورس يحب ثيل ويعزها بكل جوارحه.
قالت ثيل بصوت خافت:
“إيـ… إيان…”
“أنا أسمعكِ، قولي…”
“أريد أن أرى هيئتكَ الحيوانية.”
صُدم إياندورس من هذا الطلب المفاجئ ونظر إليها. رفعت ثيل رأسها الذي كان مدفوناً في صدره ونظرت إليه بعينين لامعتين.
رغم أن ثيل أظهرت له هيئتها كنمّر جبلي كثيراً، إلا أن إياندورس لم يظهر لها هيئته الحيوانية قط. كانت ثيل هي الحالة الخاصة، فمعظم السوين يعيشون دون إظهار هيئاتهم الحيوانية للآخرين؛ فهم لا يفعلون ذلك إلا أمام من يقررون قضاء حياتهم معهم.
قطب إياندورس ما بين حاجبيه:
“أنتِ…”
“أريد أن أحصل على المواساة منك…”
ألحت ثيل بدلال. شعر إياندورس أن إظهار هيئته في هذا الموقف أمر غير منطقي، ومع ذلك، لم يستطع رفض طلبها.
‘يبدو أن حالتي مستعصية حقاً.’
أبعدها إياندورس عن حضنه قليلاً وقال:
“مرة واحدة فقط. وإذا أظهرتها لكِ، عليكِ أن تعديني بألا تبكي.”
وبعد أن أنهى كلامه، فرقع أصابعه، فصعد دخان ذهبي يلف جسده. وبما أن ثيل كانت تستخدم قدرتها، فقد رأت بوضوح الدخان الذهبي وهو يحيط به.
وبعد لحظات قليلة…
بوف!
مع صوت خافت، ظهر أمام عيني ثيل أسد ذهبي ضخم.
كان يملك فراءً ذهبياً ولبدة ذهبية باهرة، ونظر إليها بعينين خضراوين بلون الزمرد.
دون تردد، ارتمت ثيل في حضنه وعانقته بقوة.
ترجمة : ســايــومــي ❥
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.