الفصل 175
. . . * * * . . .
على عكس ما توقعته ثيل بأن قصر إيفرارد قد أُعيد بناؤه بأسلوب حديث في عهد كارل بعد انتهاء تلك الحادثة، فقد بُني القصر وفق طراز معماري قديم للغاية. كان القصر قديماً، لكن بفضل الترميم الدقيق لم يظهر عليه أي أثر للاهتراء، بل على العكس، كان يفيض بعبق الماضي وأناقته الكلاسيكية.
بينما كانت ثيل تتجول بنظرها في كل مكان بفضول وانبهار، ابتسمت الخادمة التي كانت ترشدها إلى غرفتها وقالت:
“في الواقع، هذا هو قصر إيفرارد الأصلي الذي بُني منذ زمن بعيد. لقد حُفظ بطريقة خاصة منعته من الانهيار، ثم قام السيد كارل بترميمه مجدداً في هذا الجيل.”
وتابعت خادمة أخرى الحديث:
“في الأصل، كان مكاناً قائماً بذاته دون استخدام، لكن السيد كارل أراد ترميمه واستخدامه، لذا قام السيد إيلم بالإشراف على ترميمه بنفسه.”
“السيد إيلم؟”
اتسعت عينا ثيل ببريق عند سماع الاسم المألوف؛ فقد كان إيلم هو الشخص الذي التقت به عندما زارت أركاديا سابقاً، وكان أيضاً من يقود السوين في أركاديا آنذاك.
“من المؤكد أن السيد إيلم لا يزال يعمل في إيفرارد، أليس كذلك؟”
“بالطبع! السيد إيلم هو رئيس خدم قصر إيفرارد. ربما ستتمكنين من رؤيته خلال إقامتكِ هنا…”
في تلك اللحظة، ظهر من بعيد قوام مألوف يسير نحوهما. عرفت ثيل من هو من النظرة الأولى.
“سيد إيلم!”
“آنسة ثيل.”
اقترب إيلم وانحنى بوقار ليؤدي التحية، فانسحبت الخادمات بكياسة خطوة إلى الخلف. أمسكت ثيل بطرف فستانها وأسرعت نحوه بخطوات قصيرة معبرة عن سعادتها بلقائه.
“سيد إيلم! مضى وقت طويل حقاً!”
“آنسة ثيل، كيف حالكِ طوال هذه المدة؟ أعتذر بشدة لأنني لم أتمكن من الخروج لاستقبالكِ، فقد كنتُ مشغولاً بالتحضير لهذا المهرجان…”
“لا بأس أبداً! أنا بخير، وأنتَ سيد إيلم، هل كنتَ بخير؟”
بدا إيلم أكبر سناً مما كان عليه في السابق، لكن تعبيرات وجهه كانت أكثر إشراقاً بكثير. ولم يكن الإشراق في وجهه فحسب، بل في وقفته وطريقة حديثه التي تفيض بالفخر بانتمائه لعائلة إيفرارد. أعجب هذا التغيير الإيجابي ثيل كثيراً.
تحدث إيلم بكل حرف بوضوح وصدق: “لقد كنتُ بخير. بفضل الدعم المادي والمعنوي من عائلتي أستيريان وأرني، كانت استعادة مكانة إيفرارد وإعادة إعمار أركاديا عملية يسيرة.”
ثم نظر إلى ثيل.
ثيل أستيريان.
ذلك النمر الجبلي الصغير الذي كان أطول قليلاً من كارل عند لقائهما الأول، يقف الآن أمام إيلم كشابة ناضجة ومرموقة. كان شعرها الأبيض المموج أكثر كثافة وجمالاً مما كان عليه قبل سنوات طويلة، ووجهها يشع ضياءً كما فعل عندما جلبت النور لأركاديا لأول مرة.
إلا أن شيئاً واحداً قد تغير.
‘عينا الآنسة ثيل…’
العين مرآة الروح، ومن خلال النظر فيها يمكن معرفة حال الشخص. لاحظ إيلم أن عيني ثيل الذهبيتين اللتين كانت تلمعان ببريق ساطع قد فقدتا شيئاً من ضيائهما.
‘لا بد أن ذلك بسبب تلك الأحداث.’
رغم أن أركاديا بعيدة عن العاصمة والأخبار تصلها متأخرة، إلا أنها لم تعد معزولة تماماً كما في السابق. لذا، كان إيلم يتلقى أخبار ثيل باستمرار؛ من بدء اختلال توازن الليل والنهار، وصولاً إلى تشكيك شعب كراسيون في جدارة ثيل.
لم يستطع إيلم استيعاب فكرة ‘التشكيك’ من الأساس. ثيل هي الوحيدة التي تمتلك قدرة الضوء، فما الفائدة من التشكيك فيها؟ علاوة على ذلك، فقد أثبتت قدرتها بالفعل بإعادة الضوء إلى أركاديا. شعر إيلم بالأسى تجاه الوضع الذي وضعت فيه ثيل.
وقرر في نفسه: أياً كان ما سيحدث، سأقف في صف ثيل.
حتى لو أدار جميع السوين في كراسيون ظهورهم لها، فإن أركاديا ستظل دائماً في صفها…
شعرت ثيل بنظرات إيلم فسألت بابتسامة محرجة قليلاً:
“هل… هل هناك شيء على وجهي؟”
أجاب إيلم بوقار: “كلا يا آنسة ثيل. لقد تأثرتُ فقط برؤية كيف كبرتِ لتصبحي شابة رائعة، فاعذري زلتي.”
أشار إيلم للخادمات بالانصراف، وقام بمرافقة ثيل إلى غرفتها بنفسه.
“هذه أفضل غرفة في قصر إيفرارد. في الأصل، كان ينبغي أن تكون غرفة رب العائلة، ولكن منذ بناء هذا القصر، رفض أسلاف رب العائلة استخدام أفضل غرفة لأنفسهم، فبقيت شاغرة.”
فتح إيلم الباب، فظهرت غرفة واسعة وفاخرة؛ ربما كانت أوسع قليلاً من غرفتها في أستيريان. كان ترميم الغرفة قد حافظ على التصميم القديم، مما منحها أجواءً كلاسيكية عريقة. وعلى حافة الغرفة، كان هناك مجرى مائي صغير يتدفق بانتظام، نظرت ثيل إليه بفضول.
“توجد مجاري مائية في جميع غرف قصر إيفرارد، وهو تقليد مستمر منذ القدم. عبر هذا المجرى، يمكن إرسال رسائل للغرفة المجاورة، أو… أمم، يبدو أنه قد بدأ بالفعل.”
ضحك إيلم، فالتفتت ثيل لتتبع نظراته نحو نهاية المجرى المائي، حيث كانت زهور ملونة تطفو وتتدفق نحو غرفتها.
“نزين الغرفة بوضع الزهور هكذا. في إيفرارد، عندما يزور ضيف عزيز القصر، نرحب به عبر إرسال الزهور في هذا المجرى.”
“واااااه…”
مدت ثيل يدها نحو المجرى المائي والابتسامة تملأ وجهها.
التصقت بتلة مبللة بطرف إصبع ثيل الأبيض.
“أمم، في العادة… لا نرسل هذا القدر الهائل من الزهور للترحيب. لا أقصد أنكِ غير مرحب بكِ، ولكن إرسالها بهذا الشكل قد يسد المجرى…”
تمتم إيلم بنبرة محرجة، فرفعت ثيل رأسها بحيرة، ولم تفهم قصده إلا عندما رأت موجة كثيفة من الزهور تندفع لتملأ المجرى المائي تماماً.
“لقد طلبتُ منه ألا يبالغ هكذا…!”
أدركت ثيل من يقصده إيلم؛ إنه كارل إيفرارد، ذلك الصبي اللطيف الذي جمع أجمل الزهور وأرسلها لغرفتها ليرحب بها. وبالإضافة إلى ذلك، بدا أن الماء قد عولج بطريقة خاصة، فكان يلمع باللون الذهبي تماماً كالماء الذي أطلقته ثيل وكارل في أركاديا قديماً.
“على أي حال… أرجو أن ترتاحي. سآتي لاصطحابكِ في وقت العشاء. استرخي وتخلصي من عناء السفر. سأرسل الخادمات اللواتي أحضرتهنِ من أستيريان إلى هذه الغرفة.”
“شكراً لك سيد إيلم!”
“لا شكر على واجب، أتمنى لكِ يوماً سعيداً.”
انحنى إيلم بوقار للمرة الأخيرة وغادر الغرفة. وبمجرد خروجه، قفز السمندل الذي كان في حضن ثيل وبدأ يراقب الزهور المتدفقة عبر المجرى.
“هل تجده مثيراً للاهتمام؟”
“!”
بدا أن المجرى المائي أثار فضول السمندل، فقرب طرف أنفه من سطح الماء، وفجأة… سقط فيه!
“عزيزي!”
فزعت ثيل وانتشلت السمندل من الماء بسرعة، لكن لهب جسده كان قد انطفأ بالفعل. تمتمت ثيل وهي تجفف السمندل بطرف فستانها بحزن:
“كان عليك أن تحذر! ماذا سيحدث الآن بعد أن انطفأت نارك؟ هل ستموت؟ لا يعقل ذلك، أليس كذلك؟ يجب أن أذهب لوالدي…”
أخذت ثيل تمسح وجه السمندل بقوة لدرجة أن عينيه ووجنتيه انضغطتا بشدة. ظل السمندل مسترخياً في يد ثيل للحظة كأنه فاقد للحيوية، ثم قفز فجأة مبتعداً عن يدها.
وفجأة…
فوش!
أشعل لهب جسده بنفسه مجدداً، وبدأ يسير في الغرفة بتفاخر وكأن شيئاً لم يكن. وخزته الأسماك الذهبية التي تحوم حول ثيل بزعانفها وكأنها تسخر من حماقته.
ضحكت ثيل بهدوء لمشاهدتهم، ثم أمسكت بمقبض الباب بحذر.
“أريد الذهاب لوالدي، لكن لم يتم إرشادي لمكان إقامته هو وجدي. هل تستطيع العثور عليهما؟”
وعندما سألت، انطلق السمندل أمامها بتعبير واثق وكأنه يقول لها ‘اتبعيني فقط’. مشت ثيل خلفه في أروقة قصر إيفرارد ببطء.
. . . * * * . . .
“والدي!”
لمحت ثيل كاسوس فركضت نحوه بخطوات سريعة، فرفرف فستانها كأجنحة الفراشة. احتضن كاسوس ابنته التي ركضت نحوه برقة.
“ثيل، كيف هي الغرفة التي أُعطيت لكِ؟”
“رائعة حقاً! إنها غرفة جميلة جداً، لا أعتقد أنني سأشعر بأي ضيق خلال إقامتي.”
“هذا جيد. إذن ارتاحي جيداً، فالسوين الآخرون يتوافدون تباعاً على أركاديا، والمهرجان سيبدأ قريباً.”
“هل سيقيم السوين الآخرون في قصر إيفرارد أيضاً؟”
“سمعتُ أن الأمر ليس كذلك. لا توجد غرف كافية، كما أن كارل إيفرارد رفض استقبال بقية السوين في القصر. لذا، من سيقيم هنا هم نحن، وولي العهد، وعائلة أرني فقط.”
ترجمة : ســايــومــي ❥
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.