الفصل 172
. . . * * * . . .
“ثيل!”
استعادت ثيل وعيها فجأة على صوت روديان.
التفتت لتجد روديان بملابسه الأنيقة وشعره المصفف بعناية أمام عينيها.
“أخي؟”
“لماذا أنتِ شاردة هكذا؟ إذا كنتِ متعبة، فلا داعي للذهاب. أنا جاد.”
هكذا قال روديان، لكن ثيل هزت رأسها نفياً.
اليوم هو يوم الرحيل للمشاركة في المهرجان الذي ينظمه المعبد.
للدقة، كان الحدث أقرب إلى ‘ابتهال لعودة الضوء’ منه إلى مهرجان، ولكن بما أن المعبد أطلق عليه اسم مهرجان، فقد جرى العرف على تسميته كذلك من باب التسهيل.
كانت ثيل قد أعلنت مسبقاً عن رغبتها في المشاركة. وبما أنها لم تغادر القصر تقريباً منذ أن بدأ النهار يقصر، كانت هذه أول نزهة لها منذ فترة طويلة جداً. كما أنه اليوم الذي ستظهر فيه وجهها لأشباه البشر في إمبراطورية كراسيون بعد غياب.
ومع ذلك، حاول كاسوس وروديان وفيردي وإياندورس جاهدين ثنيها عن الذهاب؛ والسبب هو أن الرأي العام ليس جيداً تماماً، ولن يكون من مصلحة ثيل إظهار وجهها الآن.
علاوة على ذلك:
“لقد اختفت قدرتي منذ فترة قصيرة…”
منذ ذلك اليوم، عارض كاسوس بشدة ذهاب ثيل. لكن تفكيرها كان مختلفاً.
‘لحسن الحظ، منذ أن استمددتُ القليل من القوة في مساحة السيد إيان الجزئية المرة الماضية، بدأت قدرتي تعود تدريجياً.’
رغم أنه بطيء، إلا أن التعافي كان مؤكداً. لذا اعتقدت ثيل أن استخدام قدرتها قليلاً في المهرجان لن يشكل مشكلة، فهي أعلم بحالة قدرتها وجسدها من أي شخص آخر.
“أنا بخير، كنتُ ساكنة فقط لأنني شعرتُ ببعض التعب.”
مدت ثيل يدها، فأمسك بها روديان وساعدها على النهوض.
بدت ثيل مذهلة الجمال بفضل اهتمام ليا وخادمات أستيريان بزينتها بعد طول غياب. الفستان الأبيض الذي أهداه إياها إياندورس كان مرصعاً بمئات الجواهر الزرقاء التي تتلألأ بلا توقف كلما لامستها الشمس. أما شعرها المرفوع للأعلى على الجانبين في كعكتين دائريتين، فقد ثُبّت بمشابك شعر مزينة بجواهر ضخمة وأشرطة. وزُيّن شعرها بزهور صغيرة متناثرة بخفة، بينما انسدلت خصلاتها الطويلة المتموجة والمصففة بعناية لتتمايل عند خصرها.
اعتقد روديان أن ثيل هي أجمل سوين في إمبراطورية كراسيون قاطبة. ولم يجرؤ أحد ممن يعرفون ثيل الشابة على معارضة رأيه؛ فقد كانت ثيل في زينتها اليوم غاية في الفخامة والجمال. وبينما كان يتأملها، قطع عهداً في سره أنه إذا تجرأ أحد اليوم على انتقادها، فسيحميها بجسده ويمنع تلك الانتقادات من الوصول إليها.
“أين أخي فيردي؟”
“إنه في العربة بالفعل. لنذهب معاً، هل تستطيعين المشي؟ أعتقد أن الفستان طويل جداً. إياندورس أرسل فستاناً طويلاً دون تفكير.”
“يا أخي! كل الفساتين طويلة هكذا.”
“لكنكِ كنتِ ترتدين فساتين تصل للركبة في الماضي؟”
“كنتُ صغيرة حينها. الآن أصبحتُ في عمر لا يسمح لي بارتداء فساتين قصيرة ولطيفة…”
“وهل للفساتين عمر؟ ثم إنكِ لطيفة بما يكفي الآن، لذا لا بأس.”
قال روديان ذلك بنبرة جادة جداً، فانفجرت ثيل ضاحكة بخفة.
وعندما وصلا إلى أسفل الدرج الحلزوني، سمعت صوتاً يناديها مجدداً.
“ثيل.”
“ثيل!”
الأول كان كاسوس، والثاني كان ألفيوس. اتسعت عينا ثيل عندما رأت ألفيوس متأنقاً بشعره المصفف بعناية.
“جدي؟ هل ستذهب أنت أيضاً؟”
“أجل، قررتُ الذهاب معكم.”
“ولكنكَ قلتَ إنكَ مشغول هذه الأيام. هل أنتَ متأكد من قدرتكَ على المجيء؟”
عند سؤال ثيل، قال ألفيوس بعينين حازمتين:
“أنا قلق للغاية! ماذا لو حاول أحدهم القيام بفعل أحمق في غيابي؟ سأحميكِ بنفسي!”
سلم روديان يد ثيل إلى ألفيوس بذكاء. أمسكت ثيل بيد ألفيوس الكبيرة والدافئة وانفجرت ضاحكة:
“أنا سعيدة جداً لأن جدي سيأتي معنا. أشعر وكأننا ذاهبون في نزهة.”
“أجل، اعتبريها نزهة. نزهة مع عائلتكِ. لا تهتمي بما قد يقوله الآخرون هناك.”
قال ألفيوس ذلك وهو يضغط برقة على يد ثيل.
“الجميع هنا إذن.”
في تلك اللحظة، نزل فيردي الدرج وانضم إليهم بشكل طبيعي. دهشت ثيل مرة أخرى لرؤيته.
“ألم تكن في العربة؟”
“من قال إنني كنتُ في العربة؟ ذهبتُ لغرفتكِ لأخذكِ، لكن يبدو أن أحدهم سبقني ولم أجدكِ…”
نظر فيردي إلى روديان بخفة، فتظاهر روديان بعدم المعرفة وهز كتفيه.
أدركت ثيل الموقف بسهولة؛ لقد كذب روديان مجدداً ليأخذ ثيل وينزل بها وحده. لم يكن الأمر مفاجئاً، فهما اعتادا على مثل هذه المقالب والأكاذيب منذ الصغر.
“لنذهب إذاً، سنتأخر.”
هكذا قال كاسوس. المكان الذي سيقام فيه المهرجان هذه المرة لم يكن العاصمة بشكل مفاجئ، بل كان ‘أركاديا’.
الأرض التي لا تشرق فيها الشمس أبداً.
لكنها الأرض التي بدأت الشمس تشرق فيها الآن، أرض الوفرة والازدهار في الماضي.
سبب اختيار المعبد لذلك المكان كان بسيطاً: لأن ثيل أعادت الضوء إلى هناك. لم يكن هناك مكان أنسب منه كموقع للمهرجان والابتهال لإظهار أن قوة الضوء أبدية وأن الحاكمة لوسيت لا تزال بخير.
المشكلة كانت في بُعد المسافة؛ لذا توجب على السوين الراغبين في المشاركة الانطلاق مبكراً.
“ألم تكن الأخت أوليفيا ستأتي معنا في هذا المهرجان؟”
عندما سألت ثيل بحيرة، أجاب فيردي بدلاً عنه:
“أوليفيا انطلقت بالفعل إلى ‘آرني’ مسبقاً، وكذلك عمتي وزوجها. بدت متحمسة جداً لفكرة لقاء صديقتها بعد فترة طويلة.”
أومأت ثيل برأسها. وبينما كانوا يهمون بالتحرك للمغادرة فعلياً:
طق، طق-طق!
سُمع صوت خطوات صغيرة وسريعة من مكان ما. التفت الجميع نحو مصدر الصوت.
“…!”
بمجرد أن تأكدت ثيل من صاحب الخطوات، انحنت بسرعة ومدت يدها.
قفز ‘سمندل’ صغير بسرعة فوق كفها. نظر السمندل إلى ثيل بتعبير عاتب وكأنه يسألها لماذا لم تأخذه معها، ثم جلس ككرة صغيرة فوق كفها.
داعبت ثيل السمندل الدافئ بحذر:
“صحيح، رأيته نائماً عند رأسي هذا الصباح، وكنتُ أنوي إحضاره معي عند خروجي ولكنني نسيت… يبدو أنه شعر بالإحباط لأنني نسيته.”
عند كلام ثيل، حدق الرجال من عائلة أستيريان بالسمندل بتمعن. كانوا قد سمعوا بالفعل عن سمندل كاسوس الذي أصبح لديه وعي خاص مثل سمكة ثيل.
ولكن…
بما أن الوعي قد وُجد فيه بالفعل، ألم يكن من الأفضل أن يولد سمندلاً أكثر ذكاءً؟
على الأقل، السمندل الذي يصنعه رجال أستيريان لا ينبغي أن يكون من النوع الذي ينام بكسل بينما يغادر صاحبه الغرفة، ثم يركض متأخراً وهو يشعر بالإحباط.
التفت ألفيوس وفيردي وروديان ببطء لينظروا إلى كاسوس. تظاهر كاسوس بأن السمندل لا يخصه وأدار وجهه بعيداً.
لم تهتم ثيل بنظراتهم، وحملت السمندل بعناية في يدها وتابعت سيرها. صعدوا إلى العربة واحداً تلو الآخر، وأغلق كبير خدم أستيريان الباب بنفسه.
صهيل!
أطلقت الخيول الضخمة صهيلاً طويلاً، وبعد قليل انطلقت العربة ببطء. تبعها فرسان أستيريان في صفوف منظمة، بينما انحنى الخدم الباقون في القصر لتوديعهم.
خلف العربة التي استقلتها ثيل، تلمعت ذرات صغيرة من الضوء، لكن بما أن الشمس كانت لا تزال مرتفعة، ظن الجميع أنها مجرد انعكاسات لأشعة الشمس.
. . . * * * . . .
“إذن، هل سنقيم في ‘آرني’ مجدداً؟ أم سنقيم في أركاديا؟”
رفعت ثيل رأسها وسألت وهي تأكل البسكويت الذي أعدته ليا. السمندل الجالس على كتفها، والذي كان يأكل البسكويت ببطء، رفع رأسه هو الآخر بفضول.
ترجمة : ســايــومــي ❥
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.