الفصل 171
حين هدّأت روين نفسها واستعملت قدرتها مرة أخرى، تشكّلت شظايا جليد في راحة يدها.
طفَت شظايا الجليد في الهواء بخفّة، واصطدمت ببعضها بعضًا، فانحتّت حوافّها لتصبح حادّة.
كان ذلك على النقيض تمامًا من شظايا الضوء التي تصنعها ثيل، والتي تطفو دائمًا بشكل دائري ناعم بلا أي حوافّ حادّة، مهما كان شكلها.
لكن في اللحظة التالية—
سَرَرْرْك…….
اصطدمت شظايا الجليد التي كانت تطفو في كفّ روين ببعضها، مُصدِرةً ضوءًا خافتًا للغاية.
كان خافتًا، لكنه بلا شكّ ضوء.
داخل شظايا الجليد التي صنعتها روين، اصطدم نور ضئيل بظلام هائل، فتلونت الشظايا بلون رماديّ باهت.
على خلاف ضوء ثيل، الذي لا يمتزج بالظلام أبدًا ويكفي جزء واحد منه لطرده، كان الضوء الذي صنعته روين يندمج مع الظلام وكأنه كان منذ البداية جزءًا منه، فيذوب فيه ويختلط.
ومع ذلك، كان هذا وحده إنجازًا عظيمًا بالنسبة إلى روين.
عندها فقط ارتسمت ابتسامة على وجهها.
‘نجحت!’
على مدى السنوات الثماني الماضية، كانت روين تتلقى تعليمها على يد رجل يُدعى جاي، ظهر فجأة في نيستيان.
تُسمّى تلك الأيام تعليمًا بالاسم فقط؛ فمن وجهة نظر روين لم تكن سوى تجارب مروّعة متواصلة.
كان جاي يُطعم روين كُرات سوداء أشبه بالخرز، لا يُعرف من أين أتى بها.
وفي كل مرة تبتلع فيها تلك الكرات، كانت روين تعاني من كوابيس متواصلة طيلة أسبوع كامل.
ثم، عندما توقفت عن المعاناة من الكوابيس، بدأ جاي يُطعمها قطعًا أخرى.
كانت روين تكره ابتلاع تلك القطع كرهًا شديدًا، لكنها كانت تصبر وتفعل ذلك على مضض.
لأن كلمات سيندر خطرت ببالها.
‘إن أردتِ أن ترثي منصب ربّ عائلة نيستيان، فعليكِ أن تُثبتي قدرتك.’
لم يُسلِّم سيندر بعدُ منصب ربّ العائلة إلى والدة روين، كورنيليا.
مع أنّ الوضع الحالي لا يسمح إلا لـ كورنيليا وحدها بتسلّم المنصب، إلا أنّه لم يفعل.
كانت روين تعرف أكثر من أيّ أحد سبب امتناع سيندر عن تسليم المنصب إلى كورنيليا.
‘لأن أمي ضعيفة.’
لأن قدرة كورنيليا الخارقة ضعيفة؛ ضعيفة إلى حدّ أن تظلّ إلى الأبد في ظلّ لينا نيستيان، التي قيل إنها ماتت منذ زمن بعيد.
كانت كورنيليا نفسها تدرك هذه الحقيقة جيدًا، لكنها لم تكن قادرة على تغيير شيء، مهما شعرت بالغيظ.
فقد كان واضحًا أن قدرتها لا تُقارن أصلًا بقدرة لينا.
لذلك، عندما جلب سيندر جاي، لم ترفضه روين.
قال سيندر إنّ الاستماع إلى جاي جيّدًا سيجعل قدرة روين الخارقة أقوى بمرّتين مما هي عليه الآن.
بل قال إنها ستحصل على قدرة تفوق قدرة ثيل أستريان، التي كانت إمبراطورية كراسيون كلّها تمجّدها آنذاك.
صدّقت روين تلك الكلمات.
وهكذا مرّت ثماني سنوات.
بدأ جاي تعليم روين بحجّة أنه سيجعل قدرتها على ‘التجميد’ أقوى وأكثر فتكًا.
‘بعد عشر سنوات فقط، ستصبحين أقوى من يملك قدرة خارقة في هذه القارّة بأكملها.’
لكن القدرة التي امتلكتها روين لم تعد تشبه قدرة التجميد المعتادة.
بل، إن دقّقنا القول… كانت أقرب إلى قدرة ثيل.
وحين استغربت روين ذلك، سألت جاي عنه ذات مرة.
“هذا غريب… قدرتي ليست مثل قدرة جدّي على التجميد. لونها مختلف.”
كان الجليد الذي يصنعه سيندر يميل إلى الأزرق الداكن، أما الجليد الذي صارت تصنعه روين بعد لقائها بـ جاي فكان أقرب إلى السواد.
شعرت روين أن في قدرتها خللًا ما، واعتقدت أن جاي هو السبب.
لكن جاي لم يبدُ مرتبكًا، بل ابتسم وأمسك بيدها مهدّئًا.
“هذا طبيعي، يا آنسة روين. فالقوة التي تتقبلينها ليست قدرة تجميد عادية، بل ‘قوة الضوء’…”
“لكن جليدي أسود اللون.”
“بالطبع. فالضوء، في الأصل، لا يُولد إلا بوجود الظلام.”
همس جاي بأحاديث لا تُصدَّق.
قال إن قدرة الضوء التي تملكها ثيل زائفة، وإن الضوء الحقيقي الوحيد هو ما تصنعه روين الآن.
وإنه عندما يحين الوقت، سيختفي ضوء ثيل تمامًا، ولن يبقى في هذه الإمبراطورية سوى ضوء روين وحده…….
كانت كلمات جاي حلوة أكثر مما ينبغي لطفلة صغيرة.
ولهذا، لم تعد روين تطرح عليه مثل تلك الأسئلة بعد ذلك.
في يد روين وهي تستخدم قدرتها، كانت تتشكّل أسماك جليدية لا تنتهي، تشبه أسماك ثيل لكنها أكثر بدائية وتشويهًا، وكانت تلك الأسماك تصطدم برؤوسها ببعضها مُصدِرةً ضوءًا واهيًا.
كان منظرًا غريبًا إلى حدّ القشعريرة، لكن جاي أثنى عليها قائلًا إنّه إنجاز رائع.
ثم طالبها بالمزيد… بالمزيد من التصرّف مثل ثيل.
أن تضمّ يديها، وتُغمض عينيها، وتُنشئ شظايا جليد صغيرة ‘تبدو’ كالضوء.
أطاعت روين أوامره دون تردّد.
لأن سيندر وكورنيليا أرادا منها أن تفعل ذلك.
ولأن روين نفسها كانت تريد قدرة أقوى من قدرة ثيل.
ولأنها صدّقت، ربما، كلام جاي بأنها قد تصبح ‘الضوء’ الوحيد لهذه الإمبراطورية.
وهكذا، الآن—
حدّقت روين بصمت في أسماك الجليد الطافية في كفّها، ثم قبضت يديها بقوة.
كراك!
تحطّم الجليد إلى شظايا متناثرة، وتطايرت القطع في كل اتجاه.
كان المشهد اللامع أشبه بتبعثر شظايا ضوء في الهواء.
هذا هو تمامًا…….
الشكل الذي أراده جاي.
‘يكفي أن أفعل هذا فقط.’
ابتسمت روين بثقة.
بعد تدريبات قاسية، أصبحت قادرة على استخدام قدرتها بالطريقة التي يريدها جاي، لكن لم يكن ذلك ينجح في كل مرة.
أحيانًا كانت أسماكها تُصنع بلا رؤوس، أو بزعانف مبتورة، في أشكال مشوّهة.
وأحيانًا أخرى، بدل أن يلمع الضوء، كان ظلام عميق، أشدّ قتامة من كوابيسها، يتسرّب من بين يديها.
عندها كان جاي يوبّخها بشدّة، ويأمرها ألّا تُظهر تلك القوة أبدًا…….
لذلك بذلت روين جهدًا لا ينقطع لاستخدام قدرتها من دون إخراج ‘تلك القوة’.
وهكذا، نجحت اليوم، بعد وقت طويل.
كانت روين تكاد تطير من الفرح.
في تلك اللحظة، طَرَق أحدهم باب غرفتها.
“من؟ ألم أقل إنني لن أسمح لأحد بالدخول؟!”
صرخت روين بحدّة.
فأجابتها الخادمة الواقفة في الخارج بصوت حذر:
“السيد جاي وصل. هل أطلب منه المغادرة؟”
“المعلّم؟”
أشرق وجه روين واندفعت نحو الباب.
وفتحت الباب بنفسها على الفور، قبل أن تتمكن الخادمة من ذلك.
كان جاي يقف شامخًا أمام الباب، ووجهه الشاحب مغطّى بقناع.
“معلّمي!”
“آنسة روين، هل كنتِ تجتهدين في التدريب على قدرتك؟”
تفحّص جاي الغرفة التي امتلأت بشظايا الجليد المغروسة في كل مكان، ثم مسح ذقنه برضا.
“همم، يبدو أنكِ اجتهدتِ فعلًا.”
“نعم! اجتهدت كثيرًا! هل أريك؟ أستطيع أن أريك! الآن قدرتي أقوى بكثير من قدرة أمي!”
قالت روين بزهو، واكتفى جاي بابتسامة خفيفة من دون أن ينفي.
“ربما سأصبح أقوى من جدّي أيضًا قريبًا…….”
“همم؟ قدرة السيد سيندر أقوى مما تظنين، يا آنسة روين. فهو ثالث أقوى من يملك قدرة خارقة في هذه الإمبراطورية.”
“لكن قدرتي قوية بما فيه الكفاية!”
ما إن صرخت روين حتى تحوّلت شظايا الجليد التي كانت تطفو حولها إلى رماح حادّة في لحظة.
لكن تلك الرماح لم تتجه نحو جاي، بل دارت حول روين نفسها، موجّهة أطرافها إليها.
وكأنها ستخترق جسدها إن رفعت صوتها مرة أخرى…….
راقب جاي المشهد بصمت، ثم ضيّق عينيه.
‘هل بدأت تتداعى؟’
سيكون الأمر مزعجًا إن فسد ما ربّوه بعناية قبل أن تتحقق خطتهم العظيمة.
قرّر جاي أن يُسرّع الخطة قليلًا، فوضع يده على كتف روين المستدير.
“بالطبع، قدرة آنسة روين قوية بما يكفي. لذلك لا داعي للعجلة.”
“……نعم.”
“وقريبًا، ستتاح لكِ فرصة لعرض قدرتك على جميع من في إمبراطورية كراسيون. وعندها سيدرك الجميع الحقيقة.”
همس جاي:
“من يملك القدرة الخارقة الأقوى حقًا… ومن هو من سيجلب الضوء إلى هذه الإمبراطورية…….”
ترجمة : يـوميـكـو ❥
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.