الفصل 167
“ثيل، أنتِ… متى ضعفت قدرتكِ الخارقة إلى هذا الحد؟”
ما إن خرج الجميع من الغرفة حتى دخل إياندرُوس في صلب الموضوع. ارتجفت ثيل بخفة.
‘إنه يعلم أن قدرتي قد ضعفت…’
وما إن وصلت أفكارها إلى هذا الحد، حتى أدركت أنها فكرت بسذاجة.
قدرة ثيل هي قدرة الضوء، وهي من أكثر القدرات الخارقة وضوحًا وظهورًا بين القدرات الموجودة.
فمن يعرف مقدار الضوء الذي كانت تُصدره الأسماك التي ترافق ثيل عادة، لا يمكنه ألّا يلاحظ كم أصبح نورها الآن باهتًا.
‘إذًا… أبي وجدّي أيضًا؟’
هل لاحظا أن قدرتي قد ضعفت، ولذلك كانا قلقَين عليّ إلى هذا الحد؟
قبضت ثيل يدها ووضعتها فوق صدرها. شعرت وكأن شيئًا ما يسدّ قلبها بإحكام.
لم يُلحّ إياندرُوس عليها بالإجابة، بل انتظر بصبر.
بعد أن التقطت أنفاسها قليلًا، أجابت ثيل ببطء:
“كنت أشعر منذ فترة بأنها تضعف تدريجيًا. ليس منذ زمن طويل… حوالي نصف عام.”
“نصف عام يُعد وقتًا طويلًا بما فيه الكفاية.”
“على أي حال… هذا ليس الأمر الأهم الآن.”
غيّرت ثيل مجرى الحديث. وكان إياندرُوس يدرك ذلك، لكنه تغاضى عنها عمدًا.
“حتى وقت قريب، كان مجرد إحساس… لم أشعر يقينًا بأن قدرتي قد ضعفت فعليًا.”
“…”
“لكن اليوم، فجأة…”
ما إن انتهت من كلامها حتى أدار إياندرُوس رأسه، وكأنه غارق في تفكير عميق.
شعرت ثيل بعدم الارتياح، وكأنها تُقيّد إياندرُوس المشغول أصلًا بسببها.
“…لكنها ستعود قريبًا، أليس كذلك؟ لذا لا داعي للقلق الشديد! إن استرحت قليلًا فستعود.”
“قد لا تعود.”
قالها إياندرُوس. فأطبقت ثيل فمها. فهي لم تكن تجهل هذا الاحتمال.
فهناك، وإن كانوا نادرين، من اختفت قدراتهم الخارقة كليًا. وربما تصبح ثيل واحدة منهم.
قدرة الضوء التي ملأت قلوب شعب إمبراطورية كراسيون بالأمل ستختفي في طيات التاريخ، وتبقى ثيل وحدها…
“إن اختفت قدرتك، فلن تتمكني من استخدام قدرة الحماية أيضًا.”
أفاقت ثيل من شرودها على صوت إيان. ترددت قليلًا ثم قالت:
“هل تودّ مهاجمتي؟ لم أُهاجَم من قبل، لذلك لا أعلم إن كنت أستطيع استخدام قدرة الحماية أم لا.”
“هل جننتِ؟ على الأرجح لن تنجح.”
قال إياندرُوس بحزم من دون أن يهاجمها. وأومأت ثيل موافقة.
ما دامت غير قادرة على استخدام قدرتها، فمن الطبيعي ألا تستطيع استخدام قدرة الحماية أيضًا.
“أن يحدث هذا بينما جاي لم يُقبَض عليه بعد… اطلبِي من أبيكِ وجدكِ أن يضعا تعويذة حماية على جسدكِ.”
تذكّرت ثيل القوة الموضوعة على سجن أستريان تحت الأرض، فأومأت برأسها.
ثم فتحت فمها بحذر:
“وبخصوص ذهابكم إلى نيستيان…”
“الآن ليس وقت القلق بشأن…”
“أعلم! أعلم أن القلق بشأن هذا بعد فقدان قدرتي تصرّفٌ غير لائق! لكن…!”
نهضت ثيل فجأة من السرير. وبسبب الحركة المفاجئة، تمايلت قليلًا، إلا أن إياندرُوس أمسك بها بسرعة، فلم تسقط.
ابتسمت له شاكرة، ثم فتحت الدرج وأخرجت كرة زجاجية.
كان داخلها جزء صغير من الضوء يتماوج بهدوء…
“إنه صغير وضعيف، لكنه يحتوي على جزء من قوتي. أتمنى ألا تذهبوا، أنتَ وإخوتي، إلى هناك حتى أستعيد قدرتي، لكن إن اضطررتم للذهاب… أرجوك خذوا هذا معكم.”
حدّق إيان طويلًا في الكرة الزجاجية في يدها، ثم سأل:
“قلتِ إن ما بداخلها هو قوتكِ؟”
“نعم!”
“إذًا يا ثيل، إن امتصصتِ هذه القوة، هل يمكنكِ استخدامها من جديد؟”
“ماذا؟ نعم… بالطبع؟ إنها قوتي.”
“إذًا احتفظي بها واستخدميها أنتِ. وبخصوص الذهاب إلى نيستيان، سأتحدث مع بيردي على انفراد…”
وفجأة، ضيّق إياندرُوس عينيه، وكأنه تذكّر شيئًا.
“قلتِ إنكِ تستطيعين استخدامها بعد امتصاصها؟”
“نعم… لماذا؟”
تذكّر إياندرُوس سمكة ثيل التي رآها داخل الفضاء الفرعي.
تلك السمكة التي أنقذته من الفضاء المشوّه، ثم تفرّقت واختفت داخله.
لكن… ماذا لو لم تختفِ حقًا؟
ماذا لو كانت لا تزال هناك، مختبئة فقط، وتظهر حين يناديها؟
“هناك أمر أودّ التأكد منه.”
لوّح إياندرُوس بيده ورسم دائرة في الهواء. وفجأة، ظهر مدخل فضاء فرعي في منتصف غرفة ثيل، بحجم طوله تقريبًا.
أومأت ثيل، ومن دون تردد أمسكت يده بقوة.
“تحقّق إذًا!”
“…ألا تسألين عمّا أريد التحقق منه؟”
“لا يهم! تحقّق فقط! هل ندخل من هنا؟”
“نعم.”
أمسك إياندرُوس بيد ثيل بإحكام. وفي تلك اللحظة، تسلّل خوف صغير إلى قلبه.
هل من الصواب أن يدخل الفضاء الفرعي ومعه ثيل؟
ماذا لو تشوّه الفضاء مجددًا كما ‘في ذلك الوقت’؟
ماذا لو لم تخرج سمكة ثيل لاستقبالهما؟
ماذا لو كانت كل افتراضاته خاطئة؟
لكن في تلك اللحظة، تسللت أصابع رفيعة ودافئة بين أصابعه، فاختفت كل أفكاره دفعة واحدة.
كانت ثيل قد شبكت أصابعها بأصابعه. التفت إليها، فوجدها تبتسم بصفاء.
قدرتها زالت، لكنها لم تنسَ كيف تبتسم.
“هيا بنا! لا تخف كثيرًا. حتى لو حدث شيء سيئ، سأكون معك….”
‘بل هذا ما يجعلني خائفًا…’
فكّر إياندرُوس أن مواساة ثيل ساذجة بعض الشيء.
لكنها، مع ذلك، كانت أكثر فعالية من أي شيء آخر.
تخلّص من قلقه، وأمسك بيدها، ودخلا الفضاء الفرعي.
وأول ما استقبلهما… كان وسادة وردية ضخمة.
كانت في السابق صغيرة، بالكاد تتسع لنمر ثلجي صغير، أما الآن فبدت واسعة تكفي نمرًا بالغًا.
وبينما كانت ثيل تتأمل الوسادة، غطّى إياندرُوس عينيها بخجل طفيف وقال:
“استخدمي قدرتكِ هنا.”
“هنا؟”
أطاعت ثيل بهدوء.
جمعت كفّيها، وما إن استخدمت قدرتها حتى تجمّعت شظايا ضوء باهتة بين يديها كبركة صغيرة.
وبعد قليل، ظهرت ثلاث أو أربع سمكات خافتة النور، أخذت تدور حولها.
كانت تشبه تلك التي في غرفتها.
“إذًا… كان ظهورها مجرد نتيجة اتصال وعي ثيل بوعيي؟”
لكن في ذاكرة إيان، كانت السمكة التي رآها في ذلك اليوم داخل الفضاء الفرعي أكثر إشراقًا من هذه.
وبينما كان يستعد للخروج، مقتنعًا بأن فرضيته خاطئة—
“هاه؟”
فتحت ثيل عينيها على اتساع.
تبع إياندرُوس نظرتها.
“ذلك…”
ضيّقت ثيل عينيها بدهشة.
ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتي إياندرُوس.
في نهاية نظرها، كانت هناك ‘سمكة مكوّنة من قدرة الضوء’.
كانت أكثر إشراقًا قليلًا من السمكات التي استدعتها ثيل الآن، وتسبح نحوهما وهي تحرّك زعانفها بلطف.
***
“قدرة ثيل قد ضعفت.”
قال ألفيوس أستريان، فأومأ كاسوس برأسه.
كان بيردي ولوديان مطأطئَي الرأس، بوجوه مثقلة.
“لماذا فجأة؟ هل بسبب الوسم؟”
قال لوديان. هزّ بيردي رأسه نافيًا.
“حتى وقت قريب كانت بخير. لا يمكن الجزم بأن السبب هو الوسم.”
“لكن لا شك أن الوسم أثّر بدرجة ما. فوسمهما لم يكن متبادلًا، بل كان وسمًا أحاديًا من جانب ثيل.”
“والمهاجم الذي استهدف ثيل قبل عشر سنوات لم يُقبَض عليه بعد… وحدوث هذا الآن نذير شؤم.”
“وفوق ذلك، لقد أرسلنا بالفعل الموافقة على المشاركة في المهرجان الذي اقترحه المعبد. إن لم تظهر الآن، فسيثير ذلك شكوكًا أكبر.”
قال بيردي.
وكان محقًا.
فبعد أن وعدت بإظهار قدرتها في مهرجان الحاكمة ليوسيِت، إن تراجعت الآن، فلن يكون مستغربًا أن يشكّ الجميع في ثيل.
ترجمة : يـوميـكـو ❥
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.