الفصل 166
“ثيل! هل أنتِ بخير؟”
فتحت ثيل عينيها على لمسة تهزّها برفق، وصوتٍ لطيفٍ وإن كان فيه شيء من الاضطراب.
‘أمـم…… هل كنتُ نائمة؟’
فكّرت ثيل بذلك وهي تنظر إلى من يحيطون بها. شعرت مؤخرًا بأن لياقتها قد ضعفت قليلًا.
كانت متأكدة أن ليا قالت إنها ستجلب الطبيب، لكن من وقف أمامها لم يكن الطبيب، بل رجال أستريان الأربعة، وإياندرُوس أيضًا.
“أخي؟”
تنفّس لوديان الصعداء عند سماع صوتها، ثم جذب ثيل إلى صدره بقوة.
“لقد أقلقتِنا كثيرًا! سقطتِ فجأة، ولا تتخيلي كم فزعنا……”
كانت ثيل بين ذراعي لوديان، مستندة بذقنها إلى كتفه، وابتسمت بخجل.
“آسفة… أنا أيضًا لا أعرف كيف حدث هذا…… شعرت بدوارٍ أمام عيني، ثم فجأة…….”
“هل أنتِ بخير؟ حقًا؟”
أمسك لوديان بكتفي ثيل يتفحص حالها بقلق.
كان بيردي يراقب المشهد بنظرة غير راضية منذ فترة، فمد يده إلى كتف لوديان وأبعده عن ثيل.
“إن أردتَ التأكد من أن ثيل بخير، أليس من الأفضل أن تبتعد قليلًا؟”
وأشار بيردي بإبهامه إلى الخلف. أدار لوديان رأسه متتبعًا الإشارة.
كان هناك طبيب أستريان الخاص يقف مترددًا، غير قادر على التقدم.
ألفيوس، وكاسوس، وبيردي، ولوديان، وحتى ولي العهد إياندرُوس، جميعهم أحاطوا بثيل، فلم يتركوا للطبيب مكانًا يقف فيه.
عندها فقط تنحّى لوديان جانبًا، مفسحًا المجال للطبيب ليفحص ثيل.
كان اسمه كيد، وهو الطبيب الذي ظل يتابع حالة ثيل منذ أن جاءت إلى هذا القصر لأول مرة.
“صباح الخير يا سيدتي. عيد ميلاد سعيد.”
حيّاها كيد بلطف وهو يجلب كرسيًا ويجلس. ابتسمت ثيل ابتسامة مشرقة وردّت التحية.
“شكرًا لك، دكتور كيد……!”
“أن يحدث هذا في يومٍ جميل كهذا أمرٌ مؤسف، أليس كذلك؟ دعيني أفحصك قليلًا لأتأكد إن كان هناك أي خلل.”
كان كيد لا يزال يعامل ثيل كما لو كانت طفلة في السابعة، يهدئها ويدللها أثناء الفحص، ولم تكن ثيل تمانع ذلك.
فحص كيد حالتها بخبرة وهدوء. انتظرت ثيل بصبر، من دون أن تبكي أو تتحرك، كما كانت تفعل في طفولتها.
وبعد أن انتهى، أعلن تشخيصه.
“يبدو أن لياقتكِ انخفضت قليلًا، لا أكثر. إن التزمتِ بتناول الطعام في مواعيده ونلتِ قسطًا من الراحة، فسيزول الأمر.”
“إذًا لماذا سقطت فجأة؟”
سأل ألفيوس وقد نفد صبره. حكّ كيد مؤخرة رأسه بتردد.
“هذا مجرد افتراض مني…… هل حدث أي خلل في إنغكما؟”
عند كلماته، ارتجف إياندرُوس وثيل في آنٍ واحد. وحين رأى رد فعلهما، أدرك كيد أن ظنه في محله.
“إذًا هو كذلك. هذا عرض شائع لدى السوين الذين وُسِموا مع شركائهم. عندما يتعرض جسد الشريك لمشكلة، تنتقل المعاناة عبر الوسم، فيتقاسمان الألم. ولهذا السبب سقطتِ.”
تقلصت ملامح إياندرُوس قليلًا عند سماع ذلك.
أما ثيل فأشاحت بنظرها. تنهد ألفيوس تنهدًا قصيرًا، وكذلك فعل كاسوس.
بقي بيردي ولوديان صامتين، لكن عدم رضاهما كان واضحًا.
فكّر ألفيوس، بأنانيةٍ خفيفة، أنه ندم لأنه لم يمنع ثيل في ذلك اليوم.
إنغ إياندرُوس، المتمثل في ‘إنشاء البُعد الفرعي’، كان من أخطر وأقوى الإنغات، ولم يظهر في العائلة الإمبراطورية لكراسيون سوى لدى ثلاثة فقط، من بينهم إيان.
وكون عدد من ظهر لديهم هذا الإنغ لا يتجاوز الثلاثة، يعني أن المعلومات عنه شحيحة للغاية.
ثم إن إنغ ثيل أيضًا لم يكن عاديًا.
وفي ظل ذلك، أقدما على وسم الشراكة…… ربما ستتكرر مثل هذه الحوادث مستقبلًا.
أسوأ الاحتمالات كان أن يخرج إنغ إياندرُوس عن السيطرة، فلا يحتمل ثيل ولا إيان تلك القوة الهائلة، فينتهيان إلى الفناء.
الوسم بحد ذاته خطير، أما الوسم غير المكتمل فكان أخطر.
ولهذا السبب ذاته، غضب ألفيوس بشدة حين علم سابقًا بخطة فيلهلم.
فإياندرُوس، رغم كونه ولي عهد الإمبراطورية السامي، كان في الوقت نفسه القنبلة الموقوتة الوحيدة فيها.
لاحظت ثيل الصمت الذي خيّم فجأة على الغرفة، فحرّكت عينيها بقلق، ثم أمسكت بطرف إصبع ألفيوس برفق.
“جدي…… أنا بخير.”
“……”
“لن يتكرر هذا الأمر. حقًا! ما حدث اليوم فقط لأنني أجهدت نفسي قليلًا الليلة الماضية…….”
“ثيل.”
أمسك ألفيوس خدّ ثيل. انضغط خدها الأبيض الطري تحت كفه الخشنة المليئة بالمسامير.
رمشت ثيل وهي خدها مضغوط. نظر ألفيوس في عيني حفيدته المحبوبة.
كانت عينا ثيل صافيتين بلا شائبة، فشعر ألفيوس برغبةٍ عميقة في حمايتها مدى الحياة……
“ثيل، احفظي كلام جدك جيدًا.”
“نعم، جدي……”
“في أي ظرف كان، يجب أن تكون حياتك وسلامتك في المقام الأول. أنتِ تعلمين أن الوضع الحالي ليس جيدًا.”
“نعم، أعلم……”
“لا أحد يعلم ما قد يصيبك. قد يتكرر سقوطك كما حدث اليوم، أو ربما يحدث ما هو أسوأ.”
حرّكت ثيل عينيها ونظرت إلى إياندرُوس. كان إيان يحدّق بها من دون أن يشيح بنظره عنها.
واصل ألفيوس كلامه غير آبه بذلك.
“لذا تذكّري: لا شيء أهم من سلامتك. حتى حياتي أنا ليست أهم من سلامتك، ولا تساوي عندي حياتك.”
بدت تلك الكلمات وكأنها موجّهة إلى إياندرُوس بقدر ما هي موجّهة إلى ثيل.
وكأنها أيضًا ردّ على ما قاله إياندرُوس قبل قليل، وعلى قراره.
“ثيل، أنا قلق عليك. أريد حمايتك، وأخشى أن أعجز عن ذلك……”
أومأ الجميع موافقين على كلام ألفيوس.
ترددت ثيل لحظة، ثم أمسكت يد ألفيوس المتجعدة بكلتا يديها.
كانت يده، لكونه يستخدم إنغ النار، حارة كاللهب، لكنها دافئة كموقدٍ صغير، تمنّت لو تبقى ممسكة بخدها طويلًا.
نظرت ثيل إلى جدها وهي تقبض على يده بإحكام.
في السابعة من عمرها،
والآن في الثانية والعشرين.
شعرت ثيل بأنها نضجت كثيرًا، وأنها لم تعد تقدم على أفعال متهورة بحجة التضحية من أجلهم، بل أرادت أن تُريهم بوضوح أنها، كما يحبونها ويخشون عليها، تحبهم وتخشاهم بالمقدار نفسه.
“جدي، سأضع كلامك في قلبي. أعلم جيدًا كم تحبني وتقلق عليّ، أنت وأبي وإخوتي.”
“……”
“لن أقدم على أي تصرف متهور. وقبل أن أفعل أي شيء، سأفكر بعائلتي أولًا. ولن أنسى أبدًا أن هناك من يحبني.”
اغرورقت عينا ألفيوس بالدموع.
في اللحظة التي سقطت فيها ثيل، مرّت في ذهنه أفكار لا حصر لها.
‘ماذا لو أصابها مكروه؟’
كان يدور في الغرفة غير قادر على العمل، ينتظر أن تستيقظ. وحتى حين طال انتظارها، كان يستعد للذهاب إلى المعبد، قبل أن تصحو فجأة.
تمنى ألفيوس من أعماق قلبه ألا يصيب حفيدته أي خطر.
وأراد أن يحمي هذه النمرة الثلجية الصغيرة، التي لا تزال في نظره كطفلة في السابعة، إلى الأبد.
وحين واصلت ثيل كلامها بلطف، وكأنها تفهم كل ما في قلبه، كان من الطبيعي أن تفيض الدموع في عينيه.
“نعم، ثيل…… أنتِ فخرٌ لي.”
لم يستطع ألفيوس، وقد اختنق صوته، أن يقول أكثر من ذلك. ثم ترك خد حفيدته وتراجع خطوة.
ربّت كاسوس على رأس ثيل مرة واحدة، وعدّل شعرها، ثم تأكد من أنها لا تعاني حمى ولا يبدو أنها ستسقط مجددًا، عندها فقط أشاح بنظره.
“سننصرف الآن. يجب أن ترتاح ثيل. وأرى أنه من الأفضل أن يخرج سمو ولي العهد أيضًا.”
اتجه نظر كاسوس إلى إيان، وكذلك فعلت ثيل.
نظر إياندرُوس إلى ثيل مرة، ثم إلى كاسوس مرة أخرى، قبل أن يتكلم.
“لديّ ما أود سؤاله لثيل. أريد التحدث معها على انفراد، لذا سأبقى. سأكون ممتنًا إن خرجتم أولًا.”
بناءً على كلامه، خرج كاسوس وألفيوس أولًا.
أما لوديان، فقد قاوم رافضًا الخروج، مما اضطر بيردي إلى سحبه معه.
“……”
“……!”
لم يبقَ في الغرفة سوى ثيل وإيان، وحدهما.
ترجمة : يـوميـكـو ❥
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.