الفصل 165
“أمـم…….”
فتحت ثيل عينيها ببطء. كان المشهد أمامها ضبابيًا، فلم تستطع الرؤية بوضوح.
رمشت ثيل عدة مرات. كان السقف مألوفًا. هذه كانت غرفتها.
‘لماذا أنا هنا؟’
فكرت بذلك وهي ترفع جسدها بحذر. لأنها كانت قد استيقظت للتو، ظل وعيها مشوشًا بعض الشيء.
“آه…….”
وضعت ثيل يدها على جبينها وأنّت وهي مغمضة العينين. كان صداعٌ حاد يعاودها، ومع كل نوبة كان بياضٌ باهت يطغى على رؤيتها. تماسكت ثيل وهي تحاول أن تتذكر سبب وجودها هنا.
‘ماذا كنت أفعل؟ اليوم…… كنا نتناول الطعام جميعًا…… ثم…….’
تذكرت تناول الطعام، لكن ما بعد ذلك كان فراغًا. وبعد تفكير دام بضع عشرة دقيقة، تذكرت أخيرًا أنها سقطت أثناء تناول الطعام.
“صحيح… حدث أمر كهذا……”
لكن لماذا سقطت فجأة؟ تحسست ثيل جسدها بحذر، متفقدة إن كان هناك أي خلل.
التقطت أنفاسها قليلًا ثم حاولت استخدام إنغها. تجمع عند أطراف أصابعها ضوءٌ صغيرٌ وضعيف للغاية.
“……هاه؟”
استخدمت إنغها مرة أخرى بدهشة خفيفة، لكن النتيجة لم تختلف. تجمع ضوءٌ خافت من جديد عند أطراف أصابعها.
‘ما الذي يحدث؟’
وضعت ثيل يدها على صدرها وبدأت تتحسس تدفق الإنغ داخل جسدها.
كانت كمية الإنغ التي تجري في داخلها قد انخفضت على نحو غير طبيعي. اتسعت عينا ثيل من الصدمة، فرفعت الغطاء ونهضت من مكانها فجأة.
“لماذا أصبح هكذا فجأة؟ لا تقل لي…… هل لأنني أمس وضعت الإنغ داخل الكرة؟”
صحيح أنها حاولت في الليلة الماضية صنع كرة تحتوي على إنغ الضوء، لكنها لم تستخدم إنغها إلى حد يكاد يستنزفه بالكامل.
أسرعت ثيل نحو الخزانة وفتحت أحد الأدراج بعجلة. تدحرجت من الداخل كرة واحدة تشع ضوءًا خافتًا.
كانت تلك الكرة التي حاولت إدخال إنغ الضوء فيها. والدليل أن قطعة صغيرة متلألئة من الضوء كانت مستقرة في منتصف الكرة الزجاجية.
“بسبب هذا؟”
تمتمت ثيل باضطراب، وفي تلك اللحظة، قفزت سمكتان من داخل يدها.
راحت السمكتان ترفرفان بزعانفهما الطويلة وتدوران حول ثيل. كان منظرهما أشبه بجروين قلقين على صاحبهما.
“آه، أنتما!”
لمست ثيل السمكتين بأطراف أصابعها برفق. ومن موضع ملامسة أصابعها، انتشرت تموجات خافتة من الضوء.
في اللحظة التي لامست فيها أصابعها السمكتين، أضاءتا للحظة قصيرة كما في السابق، لكن سرعان ما خبا نورهما مجددًا.
كان الضوء الذي يشع منهما ضعيفًا وباهتًا للغاية، حتى إنه بالكاد يُرى تحت ضوء الشمس.
هرعت ثيل إلى النافذة وأزاحت الستارة لتتفقد سمكتيها.
هاتان السمكتان صُنعتا من جزء من إنغ ثيل.
أي أن حالة السمكتين تعكس تمامًا حالة الإنغ الذي تملكه.
لكن أن تصبحا بهذه الخفوت…… في تلك اللحظة، اجتاح ثيل شعورٌ هائل بالعجز واليأس.
في وضعٍ بات فيه إنغ إياندرُوس غير مستقر، فهل يُعقل أن يطرأ خلل على إنغها هي أيضًا في هذا التوقيت؟
وفوق ذلك، كانت ثيل وإيان قد تبادلا وسم الشريك.
وإن استمر هذا الوضع، فقد يتعرض كلاهما للخطر. حملت ثيل الكرة الزجاجية بحذر بين يديها.
صحيح أنها فشلت في صنع كرة ضوء متألقة كما تلك التي صنعتها لكاسوس قديمًا، لكنها ما زالت تحتوي على قدرٍ ضئيل من قوة الضوء.
لو كسرت هذه الكرة وامتصت ما تبقى فيها من قوة الضوء، لتمكنت من استخدام إنغها ولو بقدرٍ ضئيل أكثر مما هي عليه الآن.
لكن…….
“لا…… لا يمكن. لا أحد يعلم متى قد نحتاج إليها.”
اعتقدت ثيل أن ضعف إنغها المفاجئ مجرد حالة مؤقتة.
كما يأتي الليل بعد النهار ويعود النهار بعد الليل، رأت أنه أمر عابر، وأن إنغها سيعود بعد قليل.
لكنها لم تستطع أن تجزم بذلك.
منذ زمن طويل، اختلّ تعاقب الليل والنهار في إمبراطورية كراسيون. صار النهار أقصر، والليل أطول على نحوٍ مريب.
انقطعت وحي الحاكمة لوسيت، وفقد المعبد قوته وهيبته، وألقى شعب الإمبراطورية باللوم على ثيل نفسها في كل ذلك……
في ظل هذا الوضع، لم يكن بوسعها أن تثق بعودة إنغها. ربما ستضطر للعيش طوال حياتها بإنغ ضعيف كهذا، أو ربما يختفي تمامًا.
‘سبق أن قرأت عن السوين الذين اختفى إنغهم تمامًا.’
كانت قد رأت مثل تلك السجلات في مكتبة أستريان.
شدّت ثيل على شفتيها وهي تنظر إلى الكرة الزجاجية، ثم هزّت رأسها بعنف وكأنها تطرد كل الأفكار السلبية.
“لا، سيعود.”
كانت متأكدة من ذلك.
ومع ذلك، تحسبًا لأي طارئ، رأت أن من الأفضل الاحتفاظ بهذه الكرة الزجاجية وعدم استخدامها الآن.
فإن نجح بيردي وإياندرُوس في التسلل سرًا إلى نيستيان كما خُطط له، فعليها أن تعطيهما هذه الكرة على الأقل.
تخلّت ثيل عن فكرة كسر الكرة وامتصاص ما تبقى فيها من قوة الضوء.
وأعادتها إلى عمق الدرج.
في تلك اللحظة، بدأت سمكتا ثيل بالدوران حول الستارة، وكأنهما تطلبان منها أن تزيحها.
“همم؟ تريدان مني فتحها؟”
اقتربت ثيل وأمسكت الستارة بيدها، فازدادت السمكتان دورانًا وحركة.
ورغم دهشتها، سحبت ثيل الستارة وفتحتها.
على الرغم من أن ضوء الشمس الساطع طغى على نور السمكتين حتى كادت ملامحهما تختفي، إلا أنهما بدتا وكأنهما شعرتا بالاطمئنان.
“هل تحبان ضوء الشمس؟ حسنًا، أنتما مولودتان من الضوء، لذا قد يكون ذلك طبيعيًا.”
ابتسمت ثيل بلطف وهي تخاطبهما.
وفي تلك اللحظة، طَرَقَ أحدهم باب الغرفة.
يبدو أن الطارق ظن أن ثيل لا تزال نائمة، إذ طرق الباب ثم دخل الغرفة مباشرةً دون أن ينتظر الإذن.
“آنسة؟”
كانت القادمة هي ليا. وما إن رأت ثيل واقفة عند النافذة وهي تمسك بالستارة، حتى أسرعت نحوها وتفقدت حالتها بقلق.
“هل أنتِ بخير؟ لا ينبغي لكِ أن تنهضي بعد، عليكِ أن تستلقي قليلًا! سأذهب وأحضر الطبيب فورًا.”
“أنا…… أنا بخير يا ليا. هل سقطت فعلًا أثناء الطعام؟”
“نعم! لا تتخيلي كم فزع الجميع. حين سقطتِ فجأة، انقلب القصر رأسًا على عقب.”
قالت ليا ذلك بصوت قلق وهي تُعيد ثيل لتجلس على السرير. جلست ثيل على السرير ورفعت نظرها إليها.
“لا بد أن أبي وجدّي قد فزعا كثيرًا، وكذلك إخوتي…… على أي حال، لحسن الحظ أن إيان لم يكن هنا حينها، لذا فهو…….”
“إيان موجود في القصر الآن يا آنسة……”
“……إيان؟”
“نعم، والقصة طويلة فعلًا. على الأرجح سيشرحها لكِ إيان نفسه أو كاسوس. لذا، استريحي قليلًا أولًا!”
بعد أن أجلسَت ليا ثيل على السرير، غطّتها باللحاف بعناية حتى ركبتيها، ثم غادرت الغرفة.
أسندت ثيل رأسها إلى الوسادة وراحت ترمش ببطء.
كانت سمكتا ثيل، اللتان خبا نورهما كثيرًا الآن، تدوران حولها باستمرار وكأنهما تشعران بقلقٍ غامض……
***
“استيقظت ثيل؟”
ما إن وصل الخبر إلى كاسوس حتى توقف عما كان يفعله وتوجه فورًا إلى غرفة ثيل.
ولم يكن وحده من فعل ذلك؛ فالجميع فعل الشيء نفسه.
بيردي، وإياندرُوس الذي كان يتحدث مع لوديان، وحتى ألفيوس الذي كان يستعد للخروج لقضاء أمرٍ ما، الجميع اتجهوا إلى غرفة ثيل.
وبسبب ذلك، اضطر الرجال الخمسة إلى مواجهة بعضهم بعضًا في الممر الواسع أمام غرفة ثيل.
“يبدو أن الأخبار تنتشر بسرعة.”
قال كاسوس ذلك بخفة، ثم فتح باب غرفة ثيل.
فبانت ثيل متكئة على السرير وقد غلبها النعاس.
“ثيل!”
كان لوديان أول من اندفع إلى داخل الغرفة ليتفقد حالتها.
أما آخر من دخل الغرفة، وعلى غير المتوقع، فكان إياندرُوس. نظر إيان إلى ثيل النائمة بملامح هادئة، وإلى السمكتين الباهتتي الضوء اللتين تدوران حولها، فعقد حاجبيه.
‘كنت أظن أنني أتخيل الأمر.’
لكن ما إن رأى السمكتين ضعيفتي الضوء حتى أدرك الحقيقة. لم يكن وهمًا.
إنغ ثيل قد ضعف فعلًا.
تعرفت سمكتا ثيل على إيان وسبحتا نحوه، تدوران من حوله.
مدّ إياندرُوس يده، فاستلقت إحدى السمكتين في كفه.
كان نورها أضعف بكثير مما رآه داخل البُعد الفرعي.
‘هل لأن البُعد الفرعي كان مظلمًا، فبدا الضوء هناك أقوى؟’
أم لأن المكان هنا مشرق، فيبدو الضوء أضعف؟
بعد لحظات، عادت السمكة التي استقرت في يده تسبح مجددًا نحو ثيل.
لم تعد قطع الضوء المتناثرة التي كانت تتبع مسار سباحتها مرئية.
شعر إياندرُوس بانقباض في حلقه، كأن شيئًا يخنقه، وتقدم بخطوات بطيئة نحو ثيل التي كانت نائمة بملامح هادئة.
ترجمة : يـوميـكـو ❥
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.