الفصل 159
“سيد سيندر.”
غرفة يسودها السكون. اقترب رجل من سيندر الجالس وحيدًا، وانحنى برأسه احترامًا.
من دون أن يلتفت إليه، أشار سيندر بذقنه إلى المقعد المقابل، آمرًا إياه بالجلوس. جلس الرجل قبالته ونظر إليه.
“جاي.”
فتح سيندر فمه ببطء. ابتسم الرجل ابتسامة خفيفة، كأنه يؤكد أن الاسم المقصود هو هو.
كان هو ‘جاي’.
اسمه الحقيقي غير معروف. الجميع ينادونه بجاي، ولا أحد يعرف اسمه الحقيقي على الإطلاق. ولهذا لم يكلف سيندر نفسه عناء البحث عنه، واكتفى بمناداته بـ”جاي”.
“كيف تسير الأمور؟”
“على ما يرام. إن استمر الوضع على هذا النحو، فستسير كل الأمور بلا أي عائق.”
قال جاي مبتسمًا.
نظر إليه سيندر بوجه متجهم، وقال بنبرة ضيق:
“لم أسألك عن هذا. أنا أسألك عن حفيدتي!”
“الأمور المتعلقة بالسيدة روين تسير أيضًا على خير ما يرام، فلا داعي للقلق. لتكن بركة…… ــ معها في كل شيء.”
كانت كلمات جاي الأخيرة غير واضحة النطق، فلم تُسمع جيدًا. لكن سيندر فهم ما كان يريد قوله.
ولهذا لم يُلحّ عليه أكثر، ولم يوبخه.
“إذًا، ما سبب رغبتك في رؤيتي؟”
“لدي طلب.”
“طلب؟”
“نعم. هناك أمر أحتاجه، وأحتاج إلى مساعدتك يا سيد سيندر.”
نقر سيندر لسانه بانزعاج. لم تمضِ ثلاثة أشهر حتى الآن منذ أن لبّى له طلبًا سابقًا، فماذا يحتاج أيضًا؟
كانت نيستيان تمتلك القدرة الكافية لتوفير ما يريده، ومع ذلك كان سيندر يشعر بنفور غامض تجاه جاي.
نفور وعدم ارتياح… رغم أن جاي كان يساعد نيستيان وحفيدته روين بكل ما أوتي من قوة.
“اكتب تقريرًا مرتبًا وقدّمه. سأراجعه وأستعد. و…… أين روين الآن؟”
“السيدة روين تقيم حاليًا في الفيلا، لكنها ستعود قريبًا إلى قصر نيستيان.”
قال جاي بسلاسة، بصوت عذب كجريان الماء. ولهذا لم ينتبه سيندر إلى تلك النشوة الخفية التي تسللت إلى نبرة صوته.
“يجب أن تصبح أقوى بكثير… إلى حد لا يُقارن بثيل تلك.”
تمتم سيندر. وفي جانبه، همس جاي بصوت زاحف، كأفعى تُغري فريستها بتناول ثمرة.
“بالطبع، ستصبح أقوى. الآنسة قوية بما يكفي بالفعل. وأظن أنها قريبًا ستطرد الظلام المتجذر في هذه الأرض، وتستعيد توازن الليل والنهار…….”
ساد الصمت بين سيندر وجاي للحظات، لكن كان من الواضح أنهما يتشاركان الخيال ذاته.
***
“إيان!”
لحقت ثيل بإيان وهي تمسك بطرف فستانها بإحكام. كانت أطراف الدانتيل البيضاء ترفرف كبتلات الزهور عند حاشية فستانها.
نزلت ثيل الدرج بخفة، ووقفت أمام إيان. كان إيان على وشك الخروج لركوب العربة، فتوقف عند مناداتها ونظر إليها.
“إيان، هل ستغادر بالفعل؟”
“لقد عرفت سبب استدعاء بيردي لي، لذا يجب أن أعود. لماذا… هل يزعجك رحيلي؟”
“ذلك… نعم! لكنني لم أوقفك اليوم لأنني حزينة! فقط… تبدو مستعجلًا على غير العادة.”
حتى وإن كان إيان قد زار ثيل بالأمس فقط، إلا أنه عندما يأتي إلى قصر أستريان كان يمكث عادة ساعتين أو ثلاثًا معها.
أما أن يغادر بهذه العجلة، فذلك أمر يحدث للمرة الأولى. خافت ثيل من أن تكون قد طرأت مشكلة أخرى على قدرة إيان.
“انتظر، انتظر قليلًا! تعال إلى هنا!”
أمسكت ثيل بيد إيان فجأة وجذبته نحوها.
شعرت بنظرات الخادمات والخدم وهم يمرون بجوارهما. احمرّ وجه ثيل خجلًا، لكنها واصلت سحب إيان إلى غرفتها.
أشار إياندرُس إلى سيدريك بأن ينتظر قليلًا، ثم تبع ثيل إلى الغرفة دون مقاومة.
طَقّ.
أغلقت ثيل الباب، ثم أجلست إيان على السرير الوثير. جلس إيان على سريرها ورفع نظره إليها.
“هل سيكون هذا بخير؟”
“ها؟ ماذا تقصد؟”
“إن علم إخوتك أنني جلست على سريرك، فقد يرغبون في سلخ جلدي وتعليقه على بوابة أستريان…….”
“إن كان إخوتي يعقلون الأمور، فلن يسلخوا جلد ولي عهد الإمبراطورية!”
“هل يبدون لكِ عقلاء؟”
مال إياندرُس برأسه قليلًا، وكأنه يلمّح إلى ‘الخطة المتهورة’ التي طرحها بيردي قبل قليل. فهمت ثيل قصده تمامًا، فعبست بتردد.
“أمم… أحيانًا يكونون متهورين قليلًا.”
“لو علموا أنني دخلت غرفتك وجلست على سريرك، فسيصبحون أكثر تهورًا بمرتين.”
“سأمنعهم أنا! والآن، أعطني يدك بسرعة.”
أمسكت ثيل بيد إيان بإحكام وأغمضت عينيها.
توقف إياندرُس عن الابتسام، ونظر إليها بوجه متصلب. كان يعلم تمامًا ما الذي تنوي فعله.
‘تقاسم العبء والقدرة مع الشريك عبر الوسم…’.
كان وسم إيان وثيل غير مكتمل، لذا لم يستطع إيان مشاركة عبئه مع ثيل، لكن ثيل كانت قادرة على تقاسم قدرة إيان.
لم يستطع إيان أن ينتزع يده، وقال بوجه حائر:
“ثيل، من الأفضل أن تتركي يدي قبل أن يراكِ إخوتك.”
“أنا أركّز الآن، يا صاحب السمو…….”
“…ألم أقل لكِ ألا تناديني بهذا اللقب؟”
“إن واصلت مقاطعتي، فسأستمر في مناداتك به…….”
ردّت ثيل دون أن تتراجع. وفي النهاية، استسلم إياندرُس وترك يده لها.
كانت ثيل، بمجرد إمساكها بيده، قادرة على معرفة ما إذا كانت قدرته على وشك الانفجار أم لا.
تدفّق ضوء دافئ عبر الأيدي المتشابكة، وانساب إلى جسد إيان.
شعر إياندرُس وكأن قبضة من أنقى وأدفأ أشعة الشمس تجري في عروقه، وتنتشر في أنحاء جسده.
إنها قدرة ثيل… قدرة الضوء.
إحساس لا يشعر به إلا الشريك الموسوم بقدرة الضوء.
لكن إياندرُس كان يدرك مدى عدم استقرار قدرته، ولذلك لم يكن مرتاحًا لاستخدام ثيل لقدرتها من أجله.
بعد وقت، أطلقت ثيل يده.
كان ضوء ثيل قد تدفق داخل جسد إيان وهدّأ قدرته، لذا لن يثور على الأرجح لفترة من الزمن.
نظر إيان إلى ثيل بخجل، وهو يفرك معصمه.
“شكرًا لكِ يا ثيل. لكن لا داعي لفعل هذا في المرة القادمة. أنا أعرف قدرتي جيدًا، فلا داعي للقلق…….”
“لا داعي للقلق؟! قلتَ إن الغرف داخل فضائك الفرعي تختفي! حتى لو لم يُعرف الكثير عن قدرة الفضاء الفرعي، فهذا ليس أمرًا عاديًا!”
“بعضها عاد للظهور. حسنًا… وبعضها اختفى مجددًا. أليس المهم أن بعضها عاد؟”
“بالطبع لا!”
تذكّرت ثيل، وهي صغيرة جدًا، ذكرى رأتها داخل فضاء إياندرُس الفرعي.
في تلك الذكرى، كان أمير الإمبراطورية والأميرة يحاولان السيطرة على قوة إياندرُس، لكنهما سقطا داخل الفضاء الفرعي……
‘…….’
لم تذكر ثيل ذلك الأمر قط، لا بصوت عالٍ، ولا لإياندرُس، ولا حتى لنفسها.
لكن الآن، مع ازدياد عدم استقرار قدرة إياندرُس، كانت تلك الذكرى تطفو في ذهنها بلا رحمة.
“ماذا لو ثارت قدرة إيان مرة أخرى؟”
اقتربت سمكة الضوء التي خلقتها ثيل، ولوّحت بزعنفتها الطويلة، ولمست خدّها برفق.
شعرت ثيل بضعف الضوء مقارنة بالسابق، فانقبض صدرها، وأغمضت عينيها بحذر ثم فتحتهما.
قدرتها تضعف، وقدرة إياندرُس تزداد اضطرابًا.
وإن تكرر الأمر نفسه مرة أخرى……
‘لا أريد حتى تخيّل ذلك.’
فتحت ثيل عينيها بعزم.
إذًا! قبل أن تصبح قدرة إياندرُس أكثر اضطرابًا، يجب إيجاد حل مناسب.
مثل… إكمال الوسم بشكل كامل، على سبيل المثال…….
ترجمة : يـوميـكـو ❥
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.