الفصل 157
“ما هذا الكلام؟”
سألت أوليفيا وهي تنظر إلى بيردي ولوديان بالتناوب، وقد ارتسمت على وجهها ملامح الذهول.
ولم يكن الذهول مقتصرًا عليها وحدها، فثيل ولوديان كانا في الحال نفسها. من الذي سيذهب إلى نيستيان؟
“لوديان أوبّا… وأنت أيضًا؟ ستذهبان بنفسيكما إلى نيستيان؟”
“نعم.”
أجاب بيردي باختصار. وما إن رأى لوديان هدوءه التام حتى اشتعل غضبه، فأمال رأسه بتصرف متهور وقال بنبرة فظة:
“ولِمَ تخبرنا عن أمرٍ بهذه الخطورة الآن؟ ولا تقل لي إنك تظن أن نيستيان مجرد الفناء الخلفي لأستريان؟”
اندفع لوديان بالكلام بأسلوبه نفسه الذي كان عليه في طفولته. لكن ثيل وأوليفيا لم تقلقا من أن يتحول الأمر إلى شجار.
فبيردي ولوديان لم يتشاجرا قط أمام ثيل شجارًا حقيقيًا. كلاهما لم يرغب يومًا في أن يُظهر لأختهما الصغرى مثل هذا المنظر، ولهذا لم تعد ثيل تشعر بأي توتر حتى عندما يتبادلان التذمر.
وكما كان متوقعًا، حين رأى بيردي لوديان وقد احتد قليلًا، تحدث بنبرة أهدأ من المعتاد:
“الأب والجد وافقا أيضًا.”
“الأب والجد… ماذا؟ آه، حقًا؟”
بمجرد سماعه أن الاثنين قد منَحا موافقتهما، هدأ لوديان بسرعة مذهلة.
توقف عن الغضب، وجلس مجددًا على الأريكة بارتخاء، ثم أشار بذقنه وكأنه يطلب سماع التفاصيل.
“لا يمكننا إدخال جنود أستريان إلى نيستيان. نيستيان لن تسمح بذلك، وحتى لو سمحت—وهو احتمال ضعيف—فإن جنود أستريان سيفرّون فور سماع خبر عبورهم حدود نيستيان.”
“هذا صحيح.”
“كما أننا لا نستطيع طلب تعاون نيستيان. إذا كان جاي مختبئًا هناك، فهذا يعني أن سيندر نيستيان قرر إخفاءه بنفسه.”
“صحيح أيضًا.”
“لذلك، يجب أن يدخل شخص قادر على التسلل من دون أن يُكشف، ويكسر الحاجز عن القصر المخفي في الجبال الثلجية، ثم يقبض على جاي ويخرج به.”
“أمم… لدي سؤال.”
رفعت ثيل يدها بتردد بعدما أصغت إلى حديث بيردي باهتمام. رمش بيردي بعينيه وكأنه يقول لها إن بإمكانها السؤال براحة.
“إذا… إذا كُشف أمركم، فماذا سيحدث؟”
“ستندلع حرب.”
“……”
“لا تقلقي، سنفوز.”
‘هذا ليس بيت القصيد أصلًا!’
نظرت ثيل إلى بيردي وأوليفيا ولوديان بصدمة. لكن تعابير وجوههم جميعًا كانت تقول: ‘إن لم نُكشف، فلا مشكلة…’، لذا لم يكن النظر إليهم مجديًا.
“حسنًا، لنفترض أننا دخلنا من دون أن نُكشف وقبضنا عليه. هل تظن حقًا أننا لن نُكشف؟”
طرح لوديان سؤالًا أكثر واقعية. فأومأت ثيل برأسها موافقة.
معظم السوين في نيستيان يمتلكون شعرًا فاتح اللون.
بل إن السلالة المباشرة لنيستيان نفسها تشتهر بشعرها الفضي اللامع.
فإذا دخل بيردي ولوديان، بشعرهما الأسود، إلى هناك، فسيكونان لافتين للنظر إلى حدٍّ لا يُحتمل!
‘وفوق ذلك… مظهراهما ليسا عاديين أصلًا.’
فهما يُعدّان من أكثر الرجال وسامة في إمبراطورية كراسيون، ووجهاهما معروفان على نطاق واسع بين شعب الإمبراطورية بسبب مشاركتهما في عدد لا يُحصى من المناسبات الرسمية. التسلل خفيةً يكاد يكون مستحيلًا.
‘إذًا كيف؟’
كيف يخططان للتسلل أصلًا؟
ولحسن الحظ، لم يطل انتظار ثيل حتى تجد الإجابة.
“هناك أداة تغيّر الوجه مؤقتًا. سنستخدمها لعبور نيستيان. وبالطبع، بما أننا لا يجب أن نُكشف، فسنختار المنطقة الأضعف من حيث الحراسة…”
كانت ثيل على علم بالأداة التي تحدث عنها بيردي.
فهي أحد الكنوز المحفوظة في أستريان، وبالدقة لا تغيّر الوجه فعلًا، بل تُسقط وهمًا بصريًا فوق الوجه الحقيقي لفترة قصيرة فتخفيه.
غير أن مدة تأثيرها قصيرة جدًا، ولا تصلح للاستخدام في عمليات تسلل طويلة. ولهذا استمرت ثيل في النظر إلى بيردي بعينين مليئتين بالفضول.
“أعرف أن مدة تأثيرها قصيرة. لذلك سنستخدمها لفترة وجيزة فقط، ثم نواصل الطريق مع إخفاء وجوهنا قدر الإمكان. ولحسن الحظ، الجو في نيستيان بارد، لذا ارتداء ملابس ثقيلة لن يثير الشبهات.”
“لكن… هذا يبدو خطيرًا جدًا. هل حقًا وافق أبي على هذه الخطة؟”
كانت خطة متهورة إلى درجة يصعب تصديق أنها خرجت من عقل بيردي.
لو قيل إن لوديان هو من وضعها، لكان الأمر أسهل تصديقًا. أما أن يكون بيردي نفسه…؟
لم يكن أخوها شخصًا متهورًا هكذا. نظرت ثيل إليه وكأنها تسأله عمّا يدور في رأسه.
“بالطبع، نحتاج إلى شيء آخر أيضًا…”
“وما هو؟”
“نريد استعارة خطيبك قليلًا.”
“…ماذا؟”
اتسعت عينا ثيل.
كان المقصود أنهما سيختبئان داخل الفضاء الفرعي لإياندرُس في حال واجها خطرًا حقيقيًا.
سألت ثيل، وقد فتحت فمها بدهشة:
“ه-هل… هل وافق إيان على ذلك؟”
“لا. أنوي الذهاب لأسأله الآن.”
راقبت أوليفيا المشهد بصمت، ثم قالت بنبرة مشككة:
“بيردي، أنت متأكد أنك لا تريد حربًا؟”
“بالطبع.”
“لكن ابني أستريان، وولي عهد الإمبراطورية، ثلاثة أشخاص، يقتحمون نيستيان؟”
“لسنا نقتحمها. سندخل بهدوء ونخرج بشيء واحد فقط.”
“وما الفرق أصلًا؟”
قالت أوليفيا بذهول. لكن بيردي بدا وكأنه قد حسم أمره بالفعل.
“إن لم تذهبا، فسأذهب وحدي. بعد كل ما توصلت إليه، لا يمكنني تفويت هذه الفرصة. هذه المرة، سأقبض عليه حتمًا.”
“……”
“مرّ عشرة أعوام كاملة. عشرة أعوام منذ أن هاجم ذلك الرجل ثيل. يجب أن نعرف بماذا كان يخطط وهو مختبئ طوال هذه المدة.”
تابع بيردي:
“وفوق ذلك، إذا ظل طليقًا في الخارج، فلا أحد يعلم متى قد تتعرض ثيل لهجوم آخر. لا أستطيع أن أرى أختي في خطر. لذلك، سأقضي عليه قبل أن يحدث ذلك.”
كان بيردي دائمًا هادئًا وعقلانيًا.
بل كان الأكثر اتزانًا بينهم، وغالبًا ما كان هو من يثني أوليفيا أو لوديان عندما يطرحان خططًا غير منطقية. لم يكن يومًا من يضع خطة متهورة كهذه.
وبينما كانوا يشعرون أصلًا بأن الأمر غريب، أدركت ثيل ولوديان وأوليفيا سبب تصرف بيردي بهذه الاندفاعية بعد كلماته الأخيرة.
‘لأن الأمر يتعلق بثيل.’
كل من يحمل اسم أستريان، وبيردي في مقدمتهم، كان شديد الحساسية حين يتعلق الأمر بالابنة الصغرى، ورئيسة عائلة أستريان الحالية، ثيل.
فلا أحد يعلم متى قد يهاجمها جاي مرة أخرى.
وقد لا يستخدم هذه المرة أسلوبًا بدائيًا وساذجًا كما فعل مع ليس، بل طريقة أدق وأخطر.
كانت تلك الأفكار كفيلة بأن تدفع بيردي إلى وضع خطة متهورة كهذه، وأن يجعله يمشط أراضي نيستيان طوال عشرة أعوام بلا هوادة.
شمّت ثيل أنفها بخفة. حين أدركت أن سبب كل هذا التهور هو خوف أخيها عليها، شعرت بوخز في أنفها.
لكن ذلك شيء، وأمر إياندرُس شيء آخر.
نظرت إلى بيردي وقالت بحذر:
“لكن… على الأرجح، إيان لن يوافق.”
“ولِمَ لا؟ إذا كان الأمر يخصك، فسيتحرك فورًا.”
“الأمر هو…”
ترددت ثيل قليلًا.
هل من الصواب أن تخبر بيردي ولوديان وأوليفيا بأن قدرة إيان حاليًا غير مستقرة؟
لكن…
‘حتى لو افترضنا أنه سيوافق على إدخالهما إلى الفضاء الفرعي…’
كان الفضاء الفرعي لإياندرُس في حالة عدم استقرار شديدة. غرف تختفي، وحتى إياندرُس نفسه قد يضل الطريق داخله.
فماذا لو دخله بيردي ولوديان، ثم تشوه الفضاء أو انفجر؟
لم تستطع ثيل تحمل تخيل ذلك.
لكنها أيضًا لم تستطع الإفصاح عن حالة إيان دون إذنه، لذا أغلقت فمها، وتمنت في سرّها أن يرفض إياندرُس اقتراح بيردي، وقالت:
“أظن أن إيان أيضًا سيقول لا… من الأفضل أن تسألوه مباشرة.”
هزّ بيردي ولوديان وأوليفيا رؤوسهم في آن واحد.
ابتسمت ثيل ابتسامة خفيفة متكلفة، وبدت عليها الحيرة.
‘إيان سيرفض بالتأكيد، أليس كذلك؟’
فهو قال بنفسه إن قدرته غير مستقرة…
***
“حسنًا، سأشارك.”
لكن إياندرُس خيّب آمال ثيل بلا رحمة.
“لا يبدو الأمر صعبًا أصلًا.”
اضطرت ثيل مرة أخرى إلى التحديق بوجه مذهول بين إياندرُس وبيردي.
ترجمة : يـوميـكـو ❥
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.