الفصل 2260: انا أراكم
الفصل 2260: أنا أراكم
كانت أيدي الرسام تُطبق على والده، وكان وجهه ملتوياً بمزيج من الغيظ والألم وشيء يشبه الخوف. وكان الجمهور في الصفوف يأكلون، ويأكلون، ويأكلون. والرقعة قد تحطمت، والغرفة بأكملها استحالت إلى أطلال.
وقف إيوس وسط أطلال اللعبة، ينزف.
نادى اندار: "أبي".
لم يلتفت إيوس، لا لعدم رغبته في ذلك، بل لعجزه عنه.
كانت أيدي الرسام تطوقه، وثقل هذه الأيدي وحدها كان يزن ملايين الوجودات، فكان الالتفات مستحيلاً.
لكن إيوس رد على ابنه، وحين جاء صوته، كان ثابتاً:
"لقد أتيت".
ابتسم اندار؛ لم تكن هذه الكلمات الأولى التي تخيل أن يقولها والده له، وأومأ برأسه. "أتيت".
"أنت كائن أولي من البعد العاشر. احسنت، لم تُخيّب أملي".
"لقد منحتني كل ما أحتاجه يا أبي. أنا هنا لمساعدتك".
تنهد إيوس. "أنت لا تستطيع قتاله".
"نعم"، أومأ اندار موافقاً لعلمه بأن هذه هي الحقيقة؛ فقد استشعر قوة الرسام وقوة والده، وكلاهما تجاوزا كل ما يعرفه. "لكن، على الأقل، يمكنني الوقوف بجانبك".
صمت إيوس، واشتدت أيدي الرسام حوله، مما جعل المزيد من دمائه يسيل.
همس إيوس: "قف إذن"، ووقف اندار.
أبصر الرسام اندار؛ كائناً أولياً من البعد العاشر انبثق من ركيزة برجه الخاص، كائناً لم يصبح خالداً من البعد العاشر بعد لكنه لم يعد كائناً من البعد التاسع، الأول من نوعه، وكان يقف إلى جوار إيوس.
ووجد غضب الرسام، الذي كان مكرساً لإيوس، هدفاً ثانياً.
زمجر الرسام: "أنت. الابن، السليل الملعون لدمه. ذلك الذي عبر الفراغ كالآفة المتخفية التي أنت عليها. أنت هنا".
"أنا هنا" سخر أندار.
"أجئت لتركع بجوار والدك؟ هناك متسع دائم لمزيد من الألم في حضرتي".
"لن أركع لك. فإجلالي خالص لوالدي وحده".
مد الرسام إحدى أيديه اللانهائية نحو اندار. كانت اليد بحجم وجود كامل حين بدأت في الامتداد، وبحلول الوقت الذي عبرت فيه غرفة الرقعة المحطمة، أصبحت بحجم يد عادية.
لم يتحرك اندار. وقف بجانب والده، ولم يركع، كما لم يهرب أو يحاول المقاومة. بل اكتفى بالتمسك بقوة أكبر بالطائر الخشبي.
أطبقت يد الرسام على اندار، لكنها عجزت عن الوصول إليه؛ إذ غطى اندار حاجزٌ بدا متصلاً بالبرج الأبدي، ومع ذلك لم يكن جزءاً منه.
غطى وميض خاطف لبرج أسود جسد اندار.
"خدعة بارعة، كان والدك يُطعمك من ركيزة برجي، أيها اللص الماكر. لكن هذا لن ينقذك طويلاً".
امتدت المزيد من أيدي الرسام، وتصلب ظل البرج الأسود فوق اندار، مانعاً يد الرسام من لمسه، لكن ذلك لم يوقف وطأة ثقل تلك اليد عن عصر جسد اندار ذي البعد العاشر الأولي، والذي بدأ يتشقق تحت الضغط المستحيل.
كان من المفترض لتلك الشقوق أن تُهشمه وتفنيه، لكن تحت ظروف استثنائية فريدة، لم يحطم هذا الضغط اندار، بل بدأ في إعادة إنشائه.
فكيان اندار ذو البعد العاشر الأولي لم يكن شيئاً ثابتاً ومستقراً؛ بل كان صيرورة وتحولاً مستمراً، وتلك الصيرورة تسارعت وتيرتها تحت وطأة الضغط.
كان إيوس يعمل دائماً على ابتكار طريقة لإنشاء كائن من البعد العاشر خارج المسار الذي سلكه هو.
وكان قد توصل بالفعل إلى كيفية إنشاء كيانات أولية من البعد العاشر، لكن ذلك لم يكن كافياً لمواجهة الرسام، لذا كان بحاجة إلى مسار يبلغ البعد العاشر مغايراً لدربه الخاص.
ولم يستغرق الأمر طويلاً ليدرك أن سبيله الوحيد لفك هذا اللغز هو أن يصبح هو نفسه كياناً من البعد العاشر، وبفهمه المتطور والعميق لركيزة هذه الطبقة البعدية، سيتمكن من شق درب جديد.
كان إيوس عاجزاً عن استكشاف الفراغ العظيم بحثاً عن الإلهام؛ فقضى وقته كله هنا بصحبة الرسام، ولم يكن وجوده لمجرد خوض اللعبة فحسب، بل كان أيضاً لاستنباط طريق يؤدي إلى مستوى البعد العاشر.
وفي هذه الغرفة تحديداً، لمع الإلهام في ذهنه… لن تكون يد الرسام مجرد سلاح، بل سيجعل منها مِصهراً وكوراً للحدادة.
كانت الشقوق على جسد اندار تنتشر، وانبثق نور من بين تلك الصدوع. لم يكن نوراً كضوء الشمس أو النجوم أو حتى ضياء البعد العاشر؛ بل كان نور الصيرورة، النور الذي سبق الشعلة الأولى، النور الذي لم يعاينه الرسام قط لأن الرسام لم يسبق له أن أنشأ أي شيء.
وتحت النور الأصفى للإنشاء، بدأت يد الرسام في التحلل والذوبان.
شعر الجمهور بالنور، ولم يكن النور نكهة، مما جعله شيئاً يستحيل التهامه. كان النور حضوراً، والحضور كان حضور كائن يمر بمخاض الصيرورة أمام أعينهم مباشرة.
لم يسبق للجمهور أن رأى كائناً في حالة صيرورة وتشكل؛ فكل ما عهدوه طوال وجودهم كان كائنات قائمة بذاتها، ثم تُلْتهَم. كانت الصيرورة أمراً جديداً كلياً.
وألجمت هذه الصدمة الجمهور عن الأكل، حيث ملأ الفضول عقولهم وشرعوا في المراقبة.
شعر الرسام بتوقف الجمهور. كان انقطاعهم عن الأكل مذهلاً وصادماً، ولم يرُق ذلك للرسام؛ فأي شيء يفلت من زمام سيطرته يمثل بؤرة للمشاكل.
أمر الرسام: "كلوا!".
لكن الجمهور لم يأكل.
ابتسم إيوس للرسام. "إنهم يشاهدون. دعهم يشاهدون".
وفي الصفوف، راقب الجمهور النور وهو ينتشر من جسد اندار المتصدع، وأخذ النور يرتفع ببطء ليلامس الجمهور.
وتحدث النور إليهم بلغة غريبة لم يألفوها:
"أنتم هنا. لقد دأبتم على الأكل لملايين الوجودات. وظللتم جائعين لملايين الوجودات. لم تذوقوا الشبع قط، ولم يلتفت إليكم أحد أو يراكم قط. وفي هذا المكان، أنا أراكم."
الترجمة: كوكبة
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.