الفصل 2254: الإنشاء الأول
الفصل 2254: الإنشاء الأول
في حجرات ركيزة البرج الأبدي، شعرت سيراثيس بتغير الارتجاف.
كان الارتجاف في السابق ناتجًا عن وليمة الرسام، ثم تردد الرسام، ثم تحول انتباه الرسام. والآن أصبح الارتجاف شيئًا آخر تمامًا؛ كان ارتجاف أساس البرج وهو يستجيب للذكريات الحقيقية الصاعدة من جذور الشجرة.
توقفت سيراثيس مؤقتًا عن الأكل. كانت تقتات على لحم البرج طوال العصر الثاني بأكمله، وباتت حساسة لأنسجته، وتحولاته، وإشارات التغيير الخافتة فيه. ولم يكن الارتجاف الذي شعرت به الآن هو ارتجاف حركة انتباه الرسام؛ بل كان ارتجاف أساس البرج، وهو يدرك أنه لم يعد وحيدًا.
'الشجرة تستيقظ.' فكرت سيراثيس 'الشجرة تتذكر الغاية التي وُجدت لأجلها.'
واستأنفت الأكل، لكنها أخذت تأكل بسرعة أكبر الآن، لأن الارتجاف كان تذكيرًا بأن مادة البرج لن تظل متاحة لها إلى الأبد، وكل قضمة تأخذها قبل أن تصل الذكريات الحقيقية إلى ركيزة البرج هي قضمة لن يتمكن الرسام من استخدامها.
وفي الطبقات الزمنية لماضي البرج الأبدي، شعر كرونومانسر برايم بتغير الضغط القابع فوقه.
كان سم نكهات الرسام لا يزال يتبعه في أثره، وكان الضغط لا يزال يتصاعد، لكنه لم يعد متجانسًا. ظهرت فجوات في السم الآن؛ مواضع شقت فيها الذكريات الحقيقية الصاعدة من جذور الشجرة طريقها عبر تعبير الرسام، وخالقة مساحات من الصفاء والنقاء.
تحرك برايم عبر الفجوات كالسمكة في الماء، وتعاظم فهمه لأصل الوقت مع كل نجاة وشيكة من الموت يخوضها.
ظل يعمل على ذلك القرار التأسيسي لعصر كوني كامل، وكانت الفجوة التي يصنعها صغيرة وبالكاد مرئية، لكن الفجوات التي ظهرت في السم منحته متسعًا ليعمل بوتيرة أسرع.
مد برايم يده نحو الطبقة الزمنية التالية، ثم التي تليها، والتي تليها، وكل طبقة زمنية يحل عقدها كانت تقربه من اللحظة التي لن يعود فيها الجمهور مغروسًا.
'طبقة واحدة بعد'. ولم يعد التفكير مجرد أمل، بل غدا حقيقة واقعة. 'طبقة واحدة أخرى، وسيكون الجمهور جالسًا. والمقعد يمكن إزالته.'
'أمل أن يكون الأمر كذلك حقًا… إذ لا توجد طريقة للجزم التام.'
وفي الظلام الممتد بين البرج والشجرة، اندفع اندار نحو وجهته.
كانت الركيزة تحت قدميه قد احترقت حتى كادت تتلاشى إلى العدم. كان يسير الآن على التخم الفاصل، ذلك الموضع الذي تلتقي فيه ركيزة الشجرة بركيزة البرج، وكان الحد الفاصل خطًا بالغ الدقة يستحيل أن يُرى، بل يُستشعر فحسب.
استشعره اندار، واعتراه الذهول والرعب في آن واحد.
ظل يسير لألف عام، وتغير جسده خلال ذلك الوقت، ليغدو شيئًا مختلفًا عما كان عليه حين غادر المنزل.
لم يكن اندار كائنًا من البعد العاشر بعد، لكنه كان قريبًا، أقرب مما وصل إليه أي كائن دون أن يعبر الفراغ العظيم، وكان هذا القرب نوعًا من الألم الحارق.
ولم يكن بوسعه اجتياز هذه الخطوة حتى لا يلفت الانتباه، لكن هذا الإرجاء والتريث كان مؤلمًا بشكل لا يصدق.
كان الطائر الخشبي الموضوع فوق قلبه دافئًا. وانتشر الدفء من صدره إلى أطرافه، وإلى أنفاسه، وإلى تركيزه الذي يستخدمه للسير. لقد كاد يصل. بات يشعر بحضور البرج الآن كدنوٍّ ومقاربة لم تكن مكانية لكنها كانت حقيقية مع ذلك.
'أنا قادم'. ولم تكن الفكرة مجرد خاطرة بل حقيقة. 'لقد أوشكت على الوصول. اصمد يا والدي.'
وواصل المشي، بينما كان حضور الرسام الهائل يلوح فوقه كشبح مهيب.
وأمام الرقعة، وقف إيوس ويده مبسوطة، وظل الحزن والأسى يتصاعدان من جذور الشجرة، واستمر الجمهور في الأكل.
لم يتحرك الرسام، وكانت أذرعه اللانهائية لا تزال مرفوعة، والنكهات لا تزال تنطلق، لكن انطلاقها بات أبطأ الآن، كما لو كان الرسام مترددًا فيما إذا كان يرغب في مواصلة التقديم.
ولم يخفض إيوس يده. أبقاها مفتوحة، عارضًا ما فيها، ولم يكن هذا العرض موجهًا للجمهور وحده.
بل كان للرسام أيضًا.
لم يسبق لأحد أن قدم طعامًا للرسام قط. كان الرسام دائمًا هو النادل، والمزارع، والآكل، والمأكول، لكنه لم يكن الضيف أبدًا. لم يسبق له أن جلس في الصفوف وتذوق ما يجلبه كائن آخر.
لقد وهب الجمهور حزنه، والآن حان دور الرسام.
كانت يد إيوس المبسوطة دعوة صريحة، ولزم الرسام الصمت، ولم يكن معلومًا ما إذا كان يجهل قبول هذه الدعوة أم رفضها.
قال الرسام أخيرًا: "أنت تعرض عليّ الحزن".
"نعم" رد إيوس بنبرة مقتضبة.
"أنا لا آكل الحزن".
"أنت لم تأكل الحزن قط من قبل. ولذا لا تدري ما إذا كنت تأكله أم لا".
صمت الرسام، وراقب الجمهور المفتون، في كل صف، المشهد؛ فبالنسبة لهم، كان هذا الموقف نكهة بذاته أيضًا.
انخفضت أذرع الرسام اللانهائية أكثر. واستمرت النكهات في الانطلاق، لكن تدفقها أضحى قطرات خافتة، جدولًا صغيرًا حل محل الطوفان العارم. ولم يعد انتباه الرسام منصبًا على إطعامهم؛ بل تركز كليًا على يد إيوس.
"أنت تغير القواعد".
"نعم" رد إيدوس.
"الجمهور لا يقرر".
"لم يسألهم أحد من قبل قط".
وحين تحدث الرسام مجددًا، جاء صوته رقيقًا خافتًا: "لقد كنت الكائن الأول لفترة طويلة لدرجة أنني نسيت ما يعنيه أن أكون موضع اعتبار ونظر. لقد اعتبرتني ونظرت إليّ. لقد جعلتني حقيقيًا أمام نفسي. ولا أدري ما إذا كان عليّ أن أشكرك أم ألتهمك".
لم يقل إيوس شيئًا. واكتفى بإبقاء يده مبسوطة.
هبطت أذرع الرسام إلى جانبيه. وتوقفت النكهات عن التدفق. وتجمدت الوليمة.
وانحنى الجمهور، في كل صف، نحو الأمام.
قال الرسام: "سأتذوقه. حزنك. سأتذوقه، ثم سأقرر".
أومأ إيوس برأسه.
مد الرسام يده، لا بأذرعه اللانهائية بل بيد واحدة، يد كانت بشرية الهيئة تقريبًا، وأخذ من راحة إيوس المبسوطة قطرة واحدة من الحزن الصاعد من جذور الشجرة.
وقرّب الرسام القطرة من وجهه.
والآن، لم يعد الوجه وجهًا بل فجوة وثغرة، وتلك الفجوة لم تعد مجرد فتحة بل غدت فمًا، وتذوق.
راقب الجمهور، وسكن الرسام بلا حراك.
كان الرسام الكائن الأول. وكان الكائن الوحيد لفترة طويلة جدًا حتى نسي ما يعنيه أن يتقبل وينال شيئًا. ولم تكن قطرة الحزن المستقرة على لسانه نكهة توقعها في أي يوم.
كانت حزن مُنشئ يشهد استغلال إنشائه.
لم يسبق للرسام أن أنشأ أي شيء قط. طوال وجوده لم يفعل سوى الاستخدام، ولم يفعل سوى الأكل، ولم يفعل سوى تقديم ما صنعه الآخرون. وكانت قطرة الحزن تلك هي أول شيء يناله الرسام دون أن يأخذه عنوة وانتزاعًا.
ابتلع الرسام القطرة.
وحبس الجمهور، في كل صف، أنفاسهم.
وبدأ وجه الرسام، تلك الفجوة، وذلك الفم، والصفوف اللانهائية من المتفرجين المغروسين، في التغير. كان التغير بطيئًا، وغير محسوس تقريبًا، لكن الجمهور رآه بوضوح. لقد ظل الجمهور يراقب الرسام لوقت طويل حتى باتوا قادرين على رصد أدنى تحول في تعابيره، ولم يكن هذا التحول بالشيء الهين.
كان الرسام يبكي.
كان الكائن الأول، وأقدم شيء في الوجود، يذرف الدموع، وكانت دموعه هي إنشاء الرسام الأول؛ أول شيء يصنعه على الإطلاق دون أن ينتزعه انتزاعًا، وأخذت تنهمر من وجهه كتهاوي النجوم من كبد السماء.
أما جمهوره… فقد التهموا تلك الدموع.
كان مذاق الدموع كالحزن، ومذاق الحزن كالبداية، ومذاق البداية كشيء لم يعلم الجمهور من قبل أنهم يتضورون جوعًا إليه.
لم يمنع الرسام الجمهور من التهامها. ولم يكف الرسام عن البكاء. وقف في غرفة الرقعة، في مواجهة إيوس، يبكي بدموع تنهمر والجمهور يلتهمها بنهم.
وتردد صوت رعب ضئيل ينبثق من أعماق قلب الرسام: "ماذا… ماذا فعلت؟"
الترجمة: كوكبة
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.