الفصل 2253: ثقل الذكريات الحقيقية
الفصل 2253: ثقل الذكريات الحقيقية
تذوق الجمهور حزن إيوس بينما انتشرت هذه النكهة الجديدة غير المتوقعة عبر الصفوف كمد بطيء، والجمهور، الذي كان يأكل منذ زمن طويل لدرجة أنه نسي ما يعنيه تذوق شيء جديد، لم يعد يدري ما عساه يفعل بأفواهه.
راقبهم الرسام في صمت؛ وظلت أفكاره مجهولة، لكن يديه كانتا ترتجفان، وإيوس بدوره لم يقم بأي حركة بعد أن أهداهم حزنه؛ بل وقف يراقبهم أيضًا.
وفعل الجمهور، المحاصر بين نادلين، ما اعتاد فعله دائمًا عند مواجهة نكهة لا يعرفها. أخذوا يأكلون ببطء أكبر، وأولوا كل انتباههم.
وفي الصفوف، لم يكن التحول متجانسًا. كان الصف سبعون ألفًا، حيث يقبع الكائن الذي يتذوق حافة المحو، أول من رصد الفارق.
كان هذا الكائن يتغذى على محو كرانيكس لذاته، وكان المحو متقنًا ومثاليًا، والكمال كان مرضيًا لشهيته. لكن حزن إيوس لم يكن محوًا. بل كان حفظًا وبقاءً. كان حزن خالق يرى خلقه يُلتهم.
ولم يدرِ الكائن كيف يتعامل مع الحفظ. لم يسبق له أن تذوق الحفظ من قبل. التهم الحزن على أي حال، وكان الحزن غريبًا على لسانه، وكانت هذه الغرابة نكهة لم يدرك أنه يشتهيها.
وفي الصف الثاني والثمانين، حيث يقبع الكائن الذي يفضل إيقاعًا محددًا للتفكيك والإفناء، كان التحول مختلفًا.
كان هذا الكائن يتغذى على إفناء أم الأرض، وكان الإيقاع مثاليًا، والمثالية مريحة لشهيته. لكن حزن إيوس خلا من أي إيقاع. كان غير منتظم، وغير متناظر، مليئًا بالتوقفات والبدايات المفاجئة، بلحظات يفيض فيها الحزن ولحظات لا يكفي فيها.
التهم الكائن ذلك التشتت وعدم الانتظام، وكان اللاتناظر شهيًا.
وفي الصف المئة وتسعة كوادريليون، حيث يقبع الكائن المقدر لرعب الجهل وعدم المعرفة، كان التحول غير محسوس تقريبًا.
كان هذا الكائن يتغذى على جهل ثيسا، وكان الجهل ينكشف على مدار ألف عام، وكان هذا التكشف بديعًا. لكن حزن إيوس قدم جهلًا جديدًا: ماذا سيفعل بعد ذلك؟ وماذا سيقدم على المائدة؟ لم يعلم الكائن شيئًا، وكان عدم اليقين نكهة لم يتوقعها.
وانحنى نحو الأمام أكثر، ومع انحنائه، انحنى الجمهور في كل صف نحو الأمام أيضًا.
توقفت يدا الرسام عن الارتجاف. كان مترددًا في البداية، وبدا التردد جليًا لدرجة أن الجمهور رآه، وكانت تلك الرؤية بحد ذاتها نكهة.
لكن الرسام لم يكن كائنًا يستسلم للتردد طويلاً؛ فالكائن الأول لا ينجو بالتردد.
قال الرسام، وكان صوته ثابتًا الآن: "أنت تقدم الحزن".
أجاب إيوس: "نعم".
تنهد الرسام: "سيلتهمه الجمهور. يبدو أنهم سيلتهمون أي شيء".
أمال إيوس رأسه قليلًا: "حقًا سيفعلون؟"
"والحزن لن يوقف الوليمة".
رمش إيوس بعينيه: "ألن يفعل؟"
لم يرد الرسام على أي من أسئلته؛ بدا الأمر وكأنه يتحدث دون أن ينتظر إجابات.
قال الرسام، وكان السؤال بمثابة دعوة: "إذن لماذا تقدمه؟"
نظر إيوس إلى الرسام. ولأول مرة في العصر الثالث، نظر إليه مباشرة، ليس كما ينظر لاعب إلى خصمه عبر الرقعة، بل كما ينظر نادل إلى نادل آخر.
قال إيوس: "لأن الحزن هو النكهة الوحيدة التي لم يتذوقها الجمهور قط، وأريدهم أن يعرفوا ما كانوا يأكلونه طوال الوقت".
ساد الصمت على الرسام، وانحنى الجمهور في كل صف نحو الأمام، منتظرين تصعيد النكهات بين الرسام وإيوس بينما تواصلت الوليمة.
وفي شجرة الأصل، على الغصن الذي آوى إليه كرانيكس عديم الذاكرة في عزلته، واصلت الذكريات المزيفة نهش المخلوق من الداخل.
كان كرانيكس معجزة. كان أحد الكيانات القليلة في الشجرة التي يمكن لمساراتها أن تفارق الجذور، وتتحول إلى شيء مختلف عما أنبتته الشجرة. كان كرانيكس يملك فرصة، فرصة ضئيلة، فرصة بالغة الصغر لدرجة أن الجمهور في الصف سبعين ألفًا فقط هم من كلفوا أنفسهم عناء ملاحظتها.
لاحظها الجمهور، وطلبوا نكهة، ولبى الرسام رغبتهم.
والآن بات كرانيكس في عزلته، يجبر نفسه على النسيان، والنسيان يخفق، والذكريات المزيفة تكتسي حقيقة، والمخلوق الذي كان بإمكانه أن يصبح شيئًا عظيمًا أضحى يتحول إلى عدم بدلاً من ذلك.
لكن في ركيزة الشجرة، تحت الذكريات المزيفة، وتحت السم، وتحت وطأة المذاق، كان هناك شيء آخر يطفو.
ما كان قادمًا هو الذكريات الحقيقية.
وُلد كرانيكس في العصر الأول، في بدايات نمو الشجرة، حين كان إيوس لا يزال يتعلم ما يمكن للشجرة استيعابه. كان كرانيكس خطأً، وانحرافًا، وغصنًا ما كان ينبغي له أن ينمو لكنه نما على أي حال.
لم يقلمه إيوس؛ بل تركه ينمو لأن إيوس كان منشئا، والمنشئون لا يقلمون ما قد ينضج ليصير شيئًا ما.
ولو امتلك الوقت الكافي، لربما صنع قوة كالنهاية ليوازن بها شجرة أصله، لكن إيوس رأى أنه من الأفضل أن تنبثق هذه القوة من تلقاء ذاتها بصورة طبيعية.
ولم تكن الذكريات الحقيقية الصاعدة عبر الركيزة ذكريات معاناة كرانيكس؛ بل كانت ذكريات نشأته وتحوله، ذكريات اللحظات الصغيرة التي كاد فيها المخلوق يلمس مسار البعد العاشر، ليغدو شيئًا جديدًا… الأول من نوعه.
تذوق الجمهور في الصف سبعين ألفًا هذه الذكريات إلى جانب الذكريات المزيفة، وشكل هذا المزيج نكهة لم يتوقعها الكائن.
التهم الكائن كليهما، وكان هذا الأكل نوعًا من الانتباه والتركيز، وكان الانتباه نوعًا من التقدير والاهتمام.
أما كرانيكس، في عزلته، فلم يكن يعلم أنه محط اهتمام أحد. علم فقط أن الذكريات المزيفة أخذت تتباطأ، وأن شيئًا دافئًا يرتفع من تحتها، وأن ذلك الدفء لم يكن مجرد ذكرى بل حضورًا حيًا.
كف كرانيكس عن إجبار نفسه على النسيان؛ وبدأ، بدلًا من ذلك، يتذكر.
لم يكن إيوس ينوي مواجهة النار بالنار؛ بل كان على وشك القيام بشيء يعلو ويهبط عما كان يفعله الرسام.
كان سيبطل سم الرسام عن خليقته، بينما يستغل تلك الحقيقة في الوقت ذاته ليسمم الرسام نفسه وهو يلقمها للجمهور الذي يطالب بكل شيء.
لأن إيوس كان يعلم عن الحقيقة شيئًا لم يعلمه الرسام قط.
الترجمة – كوكبة
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.