الفصل 278
ضربت الكارثة مثل مَوجة عاتية.
الحاجز الذي أُنشِئ بجمع كل القوة اهتز وتزعزع.
وضوء الدائرية السحرية الذي كان يتلألأ ببراقة وكأنه قد جُمِعت فيه حبات الضوء وتناثرت تحت الأرض صار باهتًا ثم عاد.
لم يحل الليل بعد. ومضى الوقت كثيرًا حتى تعلقت ظلال الشمس بخط الأفق، ولكن كان المكان لا يزال مضيئًا. ومع ذلك، في كل مرة يمشي فيها، كان المكان يظلم وكأن أحدهم قد قص العالم وألبسه الليل.
الجميع، وبدلاً من الصراخ جزوا على أسنانهم. وفي منتصف ذلك تمامًا، كان الرجل يبدو براحة وكأنه خرج للتنزه فقط. ورغم أنه جسد رايموند، إلا أنه كان بالمقدور المعرفة للوهلة الأولى.
آه، ذلك ليس رايموند.
-ألم أحذركم من قبل؟
تلك الحدقتان الدقيقتان تنظران إلى الأسفل نحو الضوء الذهبي الذي صبغ أسفل الأرض.
-……أجل، كان هنالك شيء كهذا أيضًا. مع أنه أمر يبعث على السخرية للغاية.
وبقايا الوحوش التي اجتهدنا لقتلها ومحوها وإزالتها، قامت ببطء في الهواء. ودون صوت قامت الظلال، والشظايا، والبقع، يلتصق بعضها ببعض وتتصل وتكبر. وتحركت وهي تصدر أصواتًا مشؤمة بغير نهاية.
آه، أجل. أنا أعلم. هجوم يشبه لعب الأطفال لن ينفع بالقطع. ذلك تقريبًا جسد اصبح شبه ‘مكتمل’.
ونحوِي أنا التي وقفتُ على قدمين اثنتين أمامه بشكل فريد، قال تشيرنوبوغ متعجبًا.
-ألن تهربي؟ لماذا؟
“………….”
-آه، أجل، إذن أنتِ تؤمنين بذلك التعاقد التافه. أجل، بما أن الأمر سيصير مزعجًا هكذا وهكذا. فلن أقوم بقتلكِ تحديدًا. ولكن، أتظنين أنني لن أتمكن من لمسكِ كما فعل مرؤوسي المساكين؟
خطوة، ثم خطوة.
مهما كان التحضير الذي صُنع، فبما أنه هو متواجد في هذا المكان فلا داعي لأي شيء.
انظروا، أيها الفانون. يا أصحاب الشأن الحقير. لقد حل الليل، وجئتُ أنا……. وكأنه يريد إعلان ذلك، اقترب ومسح على خدي.
لقد كانت يدًا باردة لدرجة تثير القشعريرة. والحدقتان اللتان صارتا كليلتين بغير نهاية، بحيث لا يمكن القول عنهما إنهما بـ لون ذهبي بعد الآن.
-ولكن، لم يعد أي شيء نافعًا بعد الآن.
سُمع صوت صراخ.
صوت شخص يموت. وصوت شخص يمسك بعنقه. والشعور بانهيار أسفل القدمين دون صوت…….
وأمام الأنف مباشرة، ضحك الرجل بسخرية.
مهما كان الشيء الذي أعددتِه فهو أمر جدير بالثناء بحق، غير أنه لم يعد أي شيء نافعًا بعد الآن.
وحتى لو وُجِّهت السيف الذي ينبعث منه الضوء كالمجنونة ، فإنه يبتسم فقط وكأنه يمزح مع طفل صغير. وعندما غُرِز السيف في صدره هكذا كي يراه…….
-قلتُ لكِ إن الأمر لا ينفع بهذا القدر.
“………….”
-أجل، لا يلتئم بسهولة.
كان بالمقدور التجنب أيضًا.
ولكن بالقطع، وكأنه يسخر من العدو الذي يقوم بالرفسة الأخيرة، ترك تشيرنوبوغ السيف يُضرَب في صدره كما هو.
اخترق السيف صدره ببطء وبلادة، لكن لم ينزف قطرة دم. تأكدت من ذلك، ثم تنفست بعمق ببطء.
وتأكدتُ من قصاصة الورق التي كنتُ أخفيها داخل الكم.
“تعلم، يا سير رايموند.”
-همم؟
“أنت…… بحق، وحقًا، شخص غير مسؤول. إنك تثير الإزعاج للغاية.”
-المالك الأصلي لهذا الجسد لم يعد متبقيًا، يا أيتها حمقاء.
“رغم أنك كنتَ متأكدًا من أنني سأتمكن من قتلك بأي حيلة كانت!”
-عن أي كلام لا يعقل تتحدثين منذ قليل…….
تلاطم.
ومن الأرضية ببطء، تراكمت بقايا الضوء التي تشبه حبات الرمل. وتلوي جانب فم الرجل. يبدو أن الجسد قد أصبح ثقيلاً قليلاً، أليس كذلك؟
أخرجتُ الخاتم من صدري. لقد كان الشيء الذي قدمه لي كاهن الأعلى إيليا بوجه ممتلئ بالتعقيد بغير نهاية.
‘أن أُطلب مني التعاون كي لا يُدمّر العالم وأنا أحاول حماية سمو الأميرة تيتانيا، فما هذا الذي يقال. في ذلك الوقت تساءلتُ ما هذا الكلام، وبصراحة، حتى في ذلك الوقت لم أكن متأكدًا.’
خاتم شديد السواد.
<ناغيلينغ ألبيريح> الممتلئ بقوة الظلام.
الأسلحة الممتلئة بقوة حكام هي ستة في المجمل.
<شارة غلوريانا> الممتلئة بقوة النور.
<غضب فلانبيرج> الممتلئ بقوة النار.
<موجة أوكيانوس> الممتلئة بقوة الماء.
<قلادة كلوريس> الممتلئة بقوة الرياح.
<عصا داجدا الحديدية> الممتلئة بقوة الأرض.
والأخير، <نيغلينغ ألبيريتش> الممتلئ بقوة الظلام والذي لم يكن معروفًا بين الناس.
الخاتم الذي قيل إنه لم يتمكن أحد من العثور عليه طوال ذلك الوقت.
‘بصراحة عندما طُلِب مني حفظ هذا، لم أكن أتوقع ما الذي يعنيه ذلك…….’
وكأنني أقدم عرض الزواج ، ألبستُ الخاتم في أصبع الرجل الصلب. وفور فعل ذلك تزعزع جسد الطرف الآخر الثقيل.
-…ما هذا؟ لا، لا يعقل. لماذا، هذا. الآن…. إرادة، إرادة بشري، كائن، كيف.
‘لابد وأنها كانت إحدى الطرق التي أعدها سير رايموند بطريقته الخاصة.’
-أنا حاكم! كيف لإرادة بشري أحقر من حبة رمل أن تدفعني وتتغلب علي……! لا، يمكن، ذلك.
وفي الوجه الذي كان يتلوى وكأنه يرفس، خرج الضوء لبرهة، وفي اللحظة التالية عاد الضوء مجددًا. عرفتُ بالغريزة. أنه وللحظة قصيرة جدًا، استولى رايموند على زمام الأمور.
“……سير رايموند.”
“لا يوجد وقت، يا تيتانيا.”
حاول رايموند الإمساك بسيفي المغروز في صدره بنفسه، وعندما تطايرت كهرباء تشبه رد الفعل الرافض مع صوت فرقعة، ابتسم ابتسامة ممتلئة بالمرارة.
الصدر الذي لم تكن تخرج منه قطرة دم واحدة قبل قليل اختلج وكأنه يتألم. ثبّت رايموند وجهه للحظة قصيرة، ثم ضبط تنفسه وقال.
“لا يمكنني الصمود لوقت طويل. ولهذا.”
قال وجه الرجل الشاحب وهو ينظر إليّ وكأنه مطمئن. وكأنه يرحب بالموت الذي وصل إلى عتبة عنقه.
“يتوجب عليكِ قتلي قبل أن يفوت الأوان.”
رغم أنه كان كلامًا متوقعًا إلا أنني شعرت بألم غي صدري.
و لزمتُ الصمت.
“………….”
“لحسن الحظ، يبدو أنكِ وجدتِ الطريقة بأي شكل كان.”
أين ذهب الجنون الذي كان يهددني ويختطفني به أول أمس. في كل مرة أرى فيها مظهر ابتسامه وكأنه مطمئن لرؤية هذا الوضع، كان يخيّل إليّ أن أحدهم يضرب رأسي بشدة. فتحتُ فمي بصعوبة. لم يكن الوقت للجمود والصمت.
“…نعم.”
“أنا آسف لأنني جعلتكِ تفعلين أمرًا كهذا.”
“هل هذا كل ما لديكَ لتقوله؟”
“…….”
فتح الرجل فمه وكأنه سيقول أي كلام، ثم أغلقه بشدة مجددًا. وعلى الوجه المظلل علقت ابتسامة متعبة كالظل.
“……أتمنى أن تعيشي بسعادة وبخير.”
“……….”
“سواء ذهبتِ إلى البحر، أو الجبل، ذلك……. افعلي كل ما تريدين فعله، واذهبي إلى أي مكان تريدين الذهاب إليه. لأنه الآن، لن يتوجب عليكِ التضحية بنفسكِ لأجل العالم بعد الآن. أو التضحية بنفسكِ لأجل الآخرين.”
“…لأن تشيرنوبوغ سيموت وسيعم السلام في العالم؟”
ابتسم رايموند. لقد كانت ابتسامة غير متقنة للغاية مثل طفل صغير. ومع ذلك فإن الحدقتين اللتين تنظران إليّ كانتا صلبتين بغير نهاية.
……في أهم لحظة قد تعود إرادة رايموند، تخمين بهذا القدر كان يمتلكه الجميع. لأنه بشري شديد العناد. ولأنه بصراحة، من الصعب علينا جميعًا قتل تشيرنوبوغ بكامله.
جززتُ على أسناني وأحدثتُ جرحًا في يدي. ثم أمسكتُ بيد رايموند بشدة. ومع صوت الفحيح، بدا وأن الدم يلتصق بالجلد. غير أنه كان للحظة قصيرة جدًا.
لأن كمية الدم كانت قليلة.
أمسكتُ بيد رايموند مجددًا بعد أن حاول سحب يده بارتباك، ولطختُ طرف أصبعه بدمي بوفرة ثم أخرجتُ الورقة التي كنتُ أحفظها داخل الكم.
وضغطتُ بذلك الطرف فوق مكان ما من الورقة بشدة. كي تلتصق البصمة.
واضطربت حدقتا رايموند الذي اندهش من الوضع غير المتوقع.
“…ما هذا؟”
“في وقت قديم جدًا قالت لي سيفي مازحًا إنه يتم الاعتراف بالملكية المشتركة للزوجين.”
“……نعم؟”
“هذه السيف تمتلك إدراكًا بالمالك معقدًا إلى حد لعنة. وحتى الإمبراطور الأول لم يستخدم سيفًا كهذا. بل بلغت الشائعات التي كانت تدور في الأصل أنه هجين من وحش المقدّس والوحش عادي أو ما شابه ذلك.”
طريقة قتل تشيرنوبوغ.
والسبب في عدم خروج قطرة دم واحدة من السيف الذي طعن صدر رايموند كان بسيطًا.
لأن قلب البشري لم يعد موجودًا بالفعل، وبدلاً منه تتواجد حجر الطاقة التي كُبِسَت وتمت ملؤها بقوة تشيرنوبوغ.
يكفي إبعاد ذلك عن الصدر، وتطهير حجر الطاقة وتحطيمها. والتطهير والتحطيم ليسا سهلين، غير أنه بوجود الناس والتحضيرات التي جُمِعت حتى الآن فسيكون الأمر ممكنًا بفارق ضئيل.
الطريقة نفسها بسيطة، غير أن جسد رايموند وروحه هما في حالة اندماج كامل مع تشيرنوبوغ بالفعل. وتحطيم نواة تشيرنوبوغ يماثل قتل رايموند تمامًا.
أجل، لا يسع المرء إلا أن يفكر هكذا.
‘…إذن إذا جمعنا كل أحجار الطاقة لنفق الانتقال الاني التي تم تركيبها في كل المدن الكبرى.’
‘أجل! الماء، النار، الأرض، الرياح، النور، والظلام. يمكن استخدام أي طرف كان. وإذا كان بهذا الحجم. فسينفع حتى ضد طرف مثل تشيرنوبوغ.’
إذا جمعنا قوة كل الصفات، ألن نتمكن من تحقيق أي شيء. كانت فرضية بيبي وفرضيتي متشابهتين. ولهذا استطعتُ امتلاك الثقة في خطتي. بالطبع، لم يوافق الجميع في البداية.
‘…لأنني قمتُ بإحياء الدوق كاستراين سابقًا.’
‘غير أن الدوق كاستراين كانت جراحه واللعنة الناتجة عن مواجهة الوحش قديمة…….’
‘هذا يعني أنه يمكن استخدام ذلك الأسلوب على الأقل. مع أنه يتوجب إجراء تجربة.’
‘ولكن، يا أختي. الطرف هو حاكم بأكمله، وفي ذلك الوقت قمتِ بنفسكِ بإنعاش جسد بابا. وإذا كان جسد رايموند نفسه ملآنًا بالطاقة الشيطانية بكامله، فقد يظهر رد فعل رافض.’
‘ولهذا ساعديني.’
‘…إذا أخطأنا فقد تموتين أنتِ يا أختي؟’
‘أجل.’
تكونت لديّ ثقة مختلفة عن السابق.
لأنه يمكن العثور عليّ حتى لو لم أكن موجودة.
ولأجل المستقبل فهذا أفضل.
ولأن هذا أكثر فاعلية.
ولأنه لا بأس حتى لو لم أكن متواجدة.
حتى الآن كنتُ أبحث عن ‘حجة لعدم التواجد’ بتلك الطريقة عدة مرات.
وهذه المرة تحديدًا، لم يكن الأمر لأسباب كهذه.
‘أنا لا أستطيع أن أتحمل رؤية هذا الرجل الملعون يختفي ويموت أمامي بطوع إرادته.’
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.