الفصل 248
“لنقم بإنقلابٍ صارخٍ وحسب.”
“سمو الأمير!”
كان هيئة إيدريان أسوأ من مظهر المشردين. كانت ملابسه متسخةً لدرجةٍ تجعل المرء يشعر أن التمرغ في الوحل أفضل منها، ولون شعره متسخًا لدرجةٍ يستحيل معها تخيل أنه كان باللون الأشقر البلاتيني في الأصل. كان يبدو وكأنه شخصٌ تم إنقاذه بصعوبة من كارثة.
ومع ذلك، كان الأشخاص المصطفون أمام إيدريان مختلفين. فقد ارتدي كلُّ واحدٍ منهم ملابس أنيقةً وفاخرة. وسخر إيدريان وهو ينظر إلى أولئك الأشخاص أمامه.
“تلك الذريعة اللعينة، إنها مهمةٌ بالفعّل. بغض النظر عن مدى غرابة ذلك الأحمق بريان وعن أفعاله المريبة المكتشفة داخل العاصمة والقصر الإمبراطوري. فهل يعقل أن نترك الأشخاص الأصحاء يلتهمون أحياءً لمجرد أن والدي، الإمبراطور الشرعي، يغض الطرف عنه؟”
“ولكن، إذا أثبتنا أولاً أن الأمير بريان ليس إنسانًا سليمًا…….”
“وماذا إن أثبتنا ذلك؟ هل نقول إن الإمبراطورة الاولى كليو قد جُنَّت وحولت ابنها إلى وحشٍ ؟ إن والدي ليس من النوع الذي يعترف بحدثٍ كهذا على الإطلاق. ولن يكون الأمر أسهل إلا إذا تحول إلى هيئة وحش ومزق شخصًا وقتله أمام أعين الجميع، أليس كذلك؟”
مهما كان الإمبراطور أحمقًا ومستبدًا، إلا أنه يظل الإمبراطور. وقبل أن تقوم الإمبراطورة الاولى كليو بغسل دماغ كبير الخدم الإمبراطور، كانت التقارير تصل إلى الإمبراطور بالفعل. تحول بريان، وأفعال الإمبراطورة الاولى كليو……. استدعى الإمبراطور الإمبراطورة الاولى كليو واختبرها عدة مرات، وعندما ذرفت الإمبراطورة الاولى الدموع وتوسلت إليه واشتكت من الظلم، فكر قائلاً: ‘بالتأكيد، الأمر ليس كذلك’ وانتهى الأمر.
ورغم أن الأمير بريان هو الابن الأكبر للإمبراطور، إلا أنه نظرًا لنقص شرعيته، فقد كان يعلم أن الأمير إيدريان سيبدأ هجومًا مضادًا إذا خطط لتدبير مؤامرة تستهدف الإمبراطور نفسه.
بالطبع، كل ذلك التوازن الهش قد تحطم بالفعل في اللحظة التي أعلن فيها الإمبراطور عن إرادته في طرد الأمير إيدريان وجعل الأمير بريان وليًا للعهد.
أما بالنسبة للإمبراطور نفسه، فمن يعلم. يبدو أنه لم يصدر مرسومًا رسميًا حتى اللحظة الأخيرة لهذا السبب.
وكان إيدريان يتوقع أن ذلك لم يعد يتبقى عليه سوى القليل. فبمجرد استلام مرسوم تعيين ولي العهد، سيموت الإمبراطور بطريقةٍ ما وسينتزع الأمير بريان العرش.
“لا، أعني. لنكن صادقين. حتى لو أقدمنا على هذا الفعل من أجل إنقاذ العديد من الناس من الخطر، ولأن الإمبراطورية بأكملها على وشك الهلاك، ولأن الطرف الآخر شخصٌ لا ينفع معه التفاوض. أفلن يبدو الأمر بعد انتهائه مجرد صراعٍ عاديٍّ على العرش؟ ألا تخشون أن يُسجِّل التاريخ ذلك كذريعةٍ شائعةٍ للمتمردين، فيقولون إن الادعاء بأن الطرف الآخر وحشٌ ولا ينفع معه الكلام مجرد تزوير، وتساءلون كيف لنا أن نتحالف مع الوحوش ؟”
“……….”
“………….”
“لا، ذلك، بصراحة، مهما كانت الوحوش خطيرة، فأنا لا أعرف حقًا حتى الآن…….”
“وحتى لو تحدثنا عن حاكم الضوء أو حاكم الظلام الآن، فإن الأمر يبدو وكأنه قصةٌ قديمة…….”
“ونحن نعلم أيضًا بشأن حادثة اقتحام الوحوش للقصر الإمبراطوري، ولكن…….”
يميل الناس إلى التفكير كما يحلو لهم. ألا يقولون إن المنصب يصنع الرجل، وهل سيتصرف بتلك الطريقة حقًا إن كان ذلك سيلحق الضرر به شخصيًا؟ وكانوا يعاملون من يحذرهم من الكارثة كما لو كانت كاساندرا* تجلب الشؤون الشؤوم، ويسألون عن سبب قولها لمثل هذا الكلام النحس.
ولهذا السبب، عندما تقع الكارثة أمام أعينهم في النهاية، يتنهدون. ويقولون إنهم لم يعلموا أن ذلك سيصبح حقيقةً بالفعل.
كان الناس يختفون. بل حتى الوحوش الصغيرة التي كانت تظهر عدة مرات في السابق لم تعد تظهر. وفي القصر الإمبراطوري، لم تكن هناك حتى صرخةٌ واحدةٌ مريبة. واستمرت المآدب الفاخرة يوميًا لدرجةٍ لا يُعرَفُ فيها من أين تأتي الميزانية المتبقية.
وانحاز عددٌ كبيرٌ من النبلاء الذين تأكدوا من أن بريان هو ولي العهد القادم إليه، وقدموا له الكثير من الأشياء، وأغمضوا أعينهم وأغلقوا آذانهم دون أن يدركوا حتى أنهم مجرد حشرةٍ أخرى علقت في شبكة العنكبوت.
“ما رأيك في الانتظار لفترةٍ أطول قليلاً؟”
“هههههههه. إنك تجيد المزاح حقًا، يا كونت فالوا.”
ضحك إيدريان بصوتٍ عالٍ جدًا.
رغم علمه أن الطرف الآخر ليس لديه أي نيةٍ لقيادة مستقبل هذه الإمبراطورية نحو النور. ورغم علمه أنه يعتبر أرواح الناس أرخص من الذباب. دعنا ننتظر وقوع حادثةٍ كبيرةٍ على أي حال، حتى نتمكن من النهوض بذريعةٍ تمنعنا من التعرض للشتائم.
حتى النبلاء الذين وقفوا إلى جانب إيدريان بسبب شكوكهم في الإمبراطور وبريان والإمبراطورة الاولى كانوا يقولون مثل هذا الكلام. ما الذي يظنون أن تلك ‘الحادثة الكبيرة’ ستكون؟ هل يحملون أملاً في أن يكونوا هم وعائلاتهم بأمانٍ عندما تقع تلك ‘الحادثة الكبيرة’؟
كان أمرًا مضحكًا.
لقد خاطرت تيتانيا بحياتها وخرجت من القصر الإمبراطوري لأجل هدفها الذي لم تخبر به إيدريان أو الإمبراطورة.
وتخاطر الإمبراطورة بحياتها لأجل خطتها الأخيرة، وتحملت كل أنواع الإهانة داخل القصر الإمبراطوري وهي تنتظر.
وإيدريان أيضًا يختبئ وينتقل بكرامةٍ ويتنكر كشخصٍ آخر ليتهرب من الأعداء الذين يبحثون عنه باستمرار للقضاء عليه، ليصل بصعوبةٍ بالغة إلى الاستمرار في عقد مثل هذه الاجتماعات. إن الطرف الذي لديه ما يخسره هو هذا الطرف وليس أولئك.
بالطبع، لم يكن الأمر وكأنه لا يوجد أشخاصٌ يقفون بجانب إيدريان دون قيدٍ أو شرط. فالأشخاص الواقفون أمام إيدريان اليوم هم أولئك الذين شعروا بالخطر من الأحداث التي تقع في القصر الإمبراطوري وانضموا إلى إيدريان متأخرين، ولهذا السبب كانوا يتفوهون بهذه الكلمات التي تثير الغضب حتى اللحظة الأخيرة.
“هل تظنون أن خصمنا شخصٌ ينفع معه الكلام، وأن هذه مجرد محاربةٍ سياسيةٍ عادية؟ يبدو لي الأمر مجرد صراعٍ من أجل البقاء.”
على أي حال، هذه هي مشكلة النبلاء، لأنهم لم يخوضوا معركةً يخاطرون فيها بحياتهم، فهم لا يعرفون أهمية الموقف. إن الأمر المهم الآن ليس ما إذا كان الناس سيحكمون علينا أو يشتموننا بعد انتهاء كل شيء أم لا. بل سيكون من الرائع حقًا أن نتمكن من البقاء على قيد الحياة هكذا.
لقد كان الأمر بسيطًا ورائعًا حقًا عندما كنتُ أعمل كمرتزق مستعدٍ لملاحقة صاحب العمل الذي اختلس الأموال حتى نهاية الحجيم.
كان إيدريان ينفجر غضبًا، ولكن كان عليه في الوقت الحالي جمع واستخدام كل مساعدةٍ ممكنة، سواء كانت يد إنسانٍ أو يد قطة.
ولهذا السبب، تحدث إيدريان بابتسامةٍ تحمل السيف في كلماته قائلاً.
“لن أسمح بالتردد بعد الآن. سيكون الوقت قد فات بعد أن يستعد أولئك ويصبحوا جاهزين لابتلاعنا. وحتى لو قُطِعَت أعناقنا بتهمة التمرد، فسوف تُقْطَعُ عنقي قبل أعناقكم، وحتى لو تعرضنا للشتائم في المستقبل، فسوف أتلقى شتائم مضاعفةً عدة مرات مقارنةً بكم. وإذا كنتم تخافون حقًا وتجدون صعوبةً في عصيان إرادة جلالة الإمبراطور، فارجعوا الآن. وكرأفةٍ أخيرة، عندما تصبحون أغطية وحوشٍ فقدت ذواتها، فسوف أقتلكُمْ دون ألمٍ على الأقل.”
كان هذا ما حدث قبيل تنفيذ عملية جمع إجمالي القوات الأخيرة مباشرةً.
***
-سيدي الشاب الثالث، لم أركَ منذ فترةٍ طويلة وقد أصبح ظهرك……منحنيًا جدًا؟
“كيف هو الوضع في القصر الإمبراطوري؟”
سأل لاسفر ديبي، التي كانت تصدر صوتًا متعجبًا وهي تنظر إليه، بابتسامةٍ مريرة. أمالت ديبي رأسها ولكنها أجابت بجدية.
-نحن؟ كما هو الحال دائمًا. الخادمات ووصيفات الشرف نصفهن مجنونات، والأخريات يستعدن وعيهن ثم يفقدنه، وفي غضون ذلك تنقسم الفصائل وتندلع الشجارات والأزمات……. لقد فسد الانضباط بنفس القدر. في الأصل، يبدو أن الإمبراطورة الاولى كليو كانت تخطط لاستخدام فتيات قصر روز لتدمير صورة الأميرة تيتانيا وجلالة الإمبراطورة حتى النهاية، ولكن يبدو أنها غيرت الخطة قليلاً.
“وماذا بعد؟”
-بما أن الأمور أصبحت بهذه الطريقة، فقد يُقال إن الفتيات اللاتي لاحظن أن هناك شيئًا غريبًا وحاولن الهرب قد استقلن من القصر الإمبراطوري، ولكن هذا مجرد كذب. فقد جن جنون الفتيات اللاتي كن يخدمن في قاعة المآدب بشكلٍ رئيسي. وإذا أصبحن غريباتٍ وارتكبن الأخطاء باستمرار، يتم سجنهن في غرفة العقاب فورًا، وهناك أيضًا أمرٌ مريب.
“إنه تقريبًا كما توقعت.”
-نعم، ناتالي رئيسة وصيفات الشرف تبدو بكامل قواها العقلية……. ومن المضحك بعض الشيء أن الطرف الذي ما زال يحتفظ بعقله يبدو وكأنه يتعرض للنبذ. وهناك فتياتٌ يتجولن دون أن يبالين رغم أنهن لاحظن أن هناك شيئًا غريبًا إلى حدٍ ما.
“وهل قصر الإمبراطورة بخير؟”
-هناك، بما أنهم استعدوا بجدية……. فهو بخير إلى حدٍ ما. لماذا؟
“ديبي. استمعي جيدًا لما سأقوله من الآن فصاعدًا. …تلك الأشياء التي أخبرتكِ بتركيبها في الممر المخصص لنقل البضائع سابقًا. هل قمتِ بتركيبها؟”
-نعم، إنه كلام سيدي الشاب…….
“هناك شيءٌ إضافيٌّ يجب القيام به. وسوف أسلمكِ البضائع بطريقةٍ ما.”
-……ولكن يا سيدي الشاب، ما الذي يحدث حقًا؟
أطلق لاسفر ضحكةً فارغةً للغاية، هاها.
وفرك عينيه المتعبتين وهو يتذكر ما حدث منذ قليل.
***
بعد أن دمر رايموند مبنى عائلة كاستراين، وخرج مطاردًا لتيتانيا. وبعد أن تأكدت عائلة كاستراين من أنه ألقى القبض على تيتانيا التي نقلها لاسفر بيده واختفى، عقدت عائلة كاستراين اجتماعًا لبحث التدابير.
“صراحةً، إذا كان السيد الشاب رايموند قد انضم إلى ذلك الطرف بجدية…….”
“فهل هناك أي فرصةٍ للفوز؟”
“إن الشخص الذي قال إن نتائج البحث تشير إلى أن البشر الذين تحولوا إلى وحوشٍ يخرجون قوةً تزيد عدة مرات عن قوتهم العادية هو السيد الشاب لاسفر نفسه…….”
“في الأصل، ألم تكن الأميرة تيتانيا ميتة؟ مطاردة أثرها، لماذا التكتم على هذه الحقيقة حتى الآن…….”
“بما أن الأمور أصبحت هكذا، فإن الأمر…….”
“صمتًا.”
ضرب دوق كاستراين، أورتو، بعصاه التي كان يمسك بها على الأرض بقوة، ليغلق أفواه الأشخاص الذين كانوا يحدثون الضوضاء.
وبما أن الأمر كان كبيرًا جدًا في الأصل، فلم يكن من الممكن إخفاء جميع الحقائق، وتسربت بعض المعلومات. وفي ظل هذا الوضع، لو اجتمعت العائلة فقط وأدارت الاجتماع وأعلنت النتائج، لكان هناك مجالٌ لسوء الفهم أو إثارة النزاعات، ولهذا كان هذا المكان يضم بعض الأشخاص المعنيين أيضًا، ولكن من المثير للسخرية أن هذا زاد من الارتباط والارتباك. لأن بيبي، و ريسيانثوس، ولاسفر الذين كانوا في هذا المكان كانوا يغلقون أفواههم كالمحار، بينما كان الآخرون فقط يثرثرون.
“ما الذي تفكرون فيه أنتم.”
سأل الدوق وهو يقف أمام أبنائه الذين لم يستطيعوا إخفاء وجوههم الكئيبة والمحبطة. وكان لاسفر هو أول من أجاب على تلك الكلمات.
・ 。゚✧: *. ꕥ .* :✧゚. ・
المقصود بـ كاساندرا (Cassandra) هنا شخصية من الميثولوجيا اليونانية.
كانت كاساندرا أميرة طروادة، وقد مُنحت قدرة التنبؤ بالمستقبل، لكنها لُعنت بحيث لا يصدق أحد نبوءاتها، مهما كانت صحيحة.
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.