الفصل 247
استيقظتُ لأجد نفسي أمام سقفٍ غريب.
شعرتُ أنه لا ينبغي لي رؤية هذه الجملة مجددًا بعد الآن.
رمشتُ بعينيَّ ببطء. ثم حركتُ أطراف أصابعي وأصابع قدمي. كان جسدي سليمًا.
كانت الرؤية معتمة. وبعد أن رمشتُ عدة مرات، بدأتُ أميز المساحة الغريبة وسط هذا الظلام الدامي.
-لذلك أنوي إنهاء كل شيء هذه المرة بالفعل.
“……….”
مر مشهدٌ ضبابيٌّ في رأسي. بينما كان ينطق بعباراتٍ تبدو وكأنه شريرُ العالم، كان بريق عينيه غائمًا جدًا وكأنه على وشك البكاء……. ورغم معرفتي أن الوقت ليس مناسبًا، إلا أنه كان من الصعب عليَّ إخراج أي كلامٍ آخر.
وبينما كنتُ غارقةً في مشاعر متعددة وأنا أتأمل ذلك المشهد الاخير المتبقي في ذهني، حثتني السيف:
– لقد خُطفتِ، يا متعاقدتي! ヽ(゚Д゚)ノ
‘أي شخص لديه عينان وأذنان سيعرف هذه الحقيقة.’
– أووه، جيمينا ليست هنا أيضًا! ヾ(´゚Д゚`;)ゝ
‘لا، هذه مشكلة كبيرة.’
أصدرتُ أنينًا وخاطبتُ نفسي، ثم نهضتُ. كان المكان الذي استلقيتُ فيه سريرًا بسيط الشكل إلى حد ما. لم أكن أشعر بأي ألم في أي مكان…….
سوى أن جسدي كان يرتجف على نحوٍ غريب. تمامًا كما ينتاب الشخص المصاب بحساسية اللقاح شعورٌ غريزيٌّ بالخطر عندما يجد نفسه أمام هواءٍ خارجي تندفع فيه حبوب اللقاح بلا رحمة.
“احم، احم.”
حاولتُ تنظيف حنجرتي بصوت خافت. لم يكن هناك أي أثر لشخص آخر.
“أضيئي”، صرختُ في عقلي وأنا أمسك بالسيف التي كانت بجانبي. أضاء ضوءٌ صغيرٌ المكان بوضوح. فتحتُ عينيَّ على وسعهما.
“…أين أنا بحق الخالق؟”
كانت هذه مساحةً لم أرها من قبل على الإطلاق.
هل هذا تحت الأرض؟ أم داخل كهف؟ بدا الأمر وكأن المكان بأكمله قد حُفِرَ داخل ممرٍ صخريٍّ ضخم، حيث كان كل ما تقع عليه عيناي مجرد أحجار.
وكانت هناك أحجارٌ شفافةٌ ملتصقةٌ بالجدران هنا وهناك. وعندما مشيتُ ببطء على الأرض، كان الصوت يتردد بشكلٍ حادٍّ على نحوٍ خاص. وسواء كان ذلك لحسن الحظ أم لسوئه، فإن السوار الذي ألقاه إليَّ لاسفر في اللحظة الأخيرة كان ما يزال في يدي…….
ومن بعيد، كان يُسمَعُ صوتُ قطراتِ ماءٍ تسقط واحدة تلو الأخرى ببطء. شعرتُ وكأنني ضحيةٌ تائهةٌ بمفردها داخل متاهةٍ في لعبة رعب. ولكن لم يكن بإمكاني الانتظار وأنا أرتجف في هذا المكان.
وبينما كنتُ أحافظ على الضوء الخافت وأتجه نحو نهاية الممر الفارغ، ظهر ممرٌ جديد.
وكانت هناك أبوابٌ على جانبي الممر، بابٌ في كل جانب.
وبعد تردد، دفعتُ الباب الأقرب إليَّ. اندفع الباب دون صدور أي صوت،
هففف،
وانفتح هكذا.
كدتُ أفقد توازني وأسقط أرضًا من شدة الإرباك.
وبينما كنتُ أحاول بصعوبة إسناد جسدي الذي كاد يترنح، فاحت رائحةُ عشبٍ طازجةٌ قويةٌ وكأن كميةً كبيرةً من الأعشاب قد أُقتُلِعَت وَدُقَّت للتو.
وبشكلٍ أكثر دقة، كانت رائحةً غريبةً لا تتناسب إطلاقًا مع هذا المكان البارد.
كانت الغرفة مليئةً بالزهور.
وبشكلٍ أكثر تحديدًا، كانت الغرفة ممتلئةً بأنواعٍ لا حصر لها من النباتات التي لم أستطع التعرف على أصنافها. وكانت هناك كتلٌ ضوئيةٌ غامضةٌ تطوف في الهواء، وفي المنتصف، بين جذوع الأشجار القوية المحيطة بالمرء…….
“يا إلهي. أن تُزعِجي نوم بريم.”
كانت هناك حسناء تشبه ستيلا من القصص الخيالية تداعب تلك الجذوع الضخمة وكأنها كائنٌ عزيزٌ عليها، ثم نظرت إليَّ وتحدثت بنبرة عتاب.
شعرٌ أسودٌ كالحلَك. عينان خضراوان بريئتان. شفتان شديدتا الحمرة. وبشرةٌ بيضاء.
حسناء ذات مظهرٍ غير واقعيٍّ لا يناسب هذا المكان إطلاقًا، كانت تداعب امرأةً تتمدد بإغلاق عينيها بهدوء وكأنها محتجزةٌ داخل جذوع الأشجار. كان ذلك المشهد آلفًا لي على الأقل.
في الماضي، عندما نزلتُ لحضور طقوس التكريس الجنوبية. تلك الفتاة التي ترتدي زي الخادمات والتي هاجمتنا فجأةً في المزاد…….
رغم أنها تبدو الآن كإمرأةٍ بالغةٍ بالكامل ولا يمكن وصفها بالفتاة، إلا أن رؤيتها محتجزةً بين جذوع الأشجار ومغلقة العينين وكأنها آلةٌ تم إيقاف تشغيلها، كان أمرًا مرعبًا.
ابتلعتُ ريقي بصعوبة وقلت:
“……مَنْ أنتِ؟”
“لا يجوز للضيف أن يتجول على هواه دون إذن صاحب المنزل، لا يجوز ذلك أبداً. صحيح. بِمَا أنكِ استيقظتِ، ما رأيكِ في اختيار غرفةٍ تعجبكِ؟”
“…أعتذرُ شديد الاعتذار لأنني لم أستطع إعطاء ردٍّ مؤدبٍ لصاحب المنزل رغم أنني فقدتُ وعيي فجأةً واستيقظتُ لأجد نفسي في مكانٍ ناءٍ؟ من أنتِ ولماذا أنا هنا؟”
“لقد توقعتُ المزيَد، ولكنكِ تكتفين بردودٍ تقليدية. كم هذا ملل…….”
صفقت تلك الحسناء المتذمرة بيديها بخفة. وحينها، أضاءت الثمار الشبيهة بالكرات الزرقاء المعلقة بكثرة على الكروم التي تملأ الجدران. هل هذه ثمار توتٍ أزرقَ مَضيئةٌ ضخمة……؟
“هذا منزلنا.”
تطايرت بتلات الزهور ورقصت الكروم بمهل. وكانت هناك ثمار مثل العنب والبرقوق والكرز تنبعث منها رائحةٌ حلوةٌ للغاية وتتدلى بكثرة وكأن أغصانها ستنكسر من ثقلها. حتى أنني رأيتُ بعض الفواكه التي كنتُ أستمتع بأكلها بشكلٍ خاص في الجنوب.
بالنظر إلى هذا فقط، بدا الأمر وكأنه مجرد مشهدٍ داخل دفيئةٍ غريبةٍ قليلًا من إحدى قصص الخيال.
ولكن ذلك لم يدم سوى لبرهة.
في البداية، كنتُ أنظر إلى النباتات الخضراء الداكنة داخل الغرفة دون التفكير في شيء، ولكن سرعان ما لاحظتُ حقيقةً غريبة.
كانت بعض الثمار التي تنبعث منها رائحةٌ حلوةٌ قد تعفنت وتلفَت على الأرض. وكان هذا بحد ذاته مقبولاً.
ولكن كانت هناك جثثُ حشراتٍ يبدو أنها أكلت تلك الثمار، وجثثُ طيورٍ يبدو أنها أكلت تلك الحشرات، وزهورٌ ضخمةٌ جدًا يبدو أنها أكلت تلك الطيور بدورها…….
-…احذري، متعاقدتي.( ・﹏_・)
‘سأفعل ذلك حتى لو لم تقولي.’
هل كل هذه وحوشٌ ؟ أم أنها ليست كذلك؟ كانت الغرفة مشحونةً بخلطٍ من الحيوية والطاقة الميتة لدرجة أن الهواء أصبح كدرًا. في البداية ظننتُ أنها مجرد رائحة عشب، ولكن الأمر لم يكن كذلك. لم تكن مجرد رائحة عشب…….
“حسناً، هل سيكون من الأفضل أن أشرح لكِ بطريقةٍ سهلة الفهم……؟ لأنني مهتمةٌ بكِ كثيراً.”
“……….”
“أنا ليليوم. من سلالة البستاني الفخورة التابعة للحاكم تشيرنوبوغ. هل هذا الشرح كافٍ؟ حتى أن عزيزتي بريم قد ذهبت لتوديعكِ بضع مرات.”
“توديعي؟ أليس اغتيالي؟”
“هذا وقح.”
لامست أطرافُ أصابعها الناعمة والباردة قليلًا عنقي. هل يجب أن ألوح بالسيف؟ أم أدفعها؟ لا، الأفضل أن أعض على أسناني وأتحمل هذا الموقف.
ليليوم. ليليوم. ليليوم……. أين سمعتُ هذا الاسم من قبل؟
آه، صحيح. برز شيءٌ ما من أعماق ذكرياتي الضعيفة.
الحرب.
في الماضي، أعني……. يبدو أن الكونت إيفيليوس والأمير بريان قد تحالفا.
وكانت خطيبة الأمير بريان، نعم. هل كانت ليليوم؟ ابنة الكونت إيفيليوس.
ولكن لماذا لم أفكر حتى الآن في أنه يتوجب عليَّ الحذر منها؟
“لو كنتِ ستموتين بسبب شيءٍ كهذا فقط، لما كان الأمر يستحق من ‘سيدنا’ أن ينتظر هذه اللحظة بكل هذا الشغف.”
“……أيُّ لحظة.”
“اللحظة التي نتنافس فيها على ملكية هذه الأرض……. ولكن، أتعلمين؟ لقد التمستُ أنا وأبي منه ذلك. إذا كانت بذرةً جيدةً حقاً، فلا بأس بالحفاظ على السلسلة. فمهما كان جنسًا نذلًا وضعيفًا وعاجزًا في نظره لا قيمة له، فمن يدري ما الذي سيحدث إذا قمنا بتحسينه جيدا…….”
لم أستطع فهم المحتوى الذي كانت تلك النبرة المبهجة تثرثر به جيدًا. ولكنني استمعتُ إلى الحديث بكل جوارحي.
“البشر ضعفاء. ضعفاء للغاية وفارغون.”
“……….”
“سيدنا العظيم يستطيع أن يجعلنا جميعاً كاملين، ولكن…….”
كانت ليليوم تحدق بي بنظرةٍ ثاقبة.
“هناك دائمًا سلالاتٌ لا تستطيع فهم هذه الإرادة العظيمة.”
“……….”
“هل أنتِ هكذا أَيْضًا……؟”
“……….”
“…لا تتكلمين كثيراً؟ على غير المتوقع.”
كان مظهرها الخارجي وهي تميل رأسها وتتساءل عما إذا كان الأمر غريبًا أو غير ممتعٍ لطيفًا للغاية، ولكنني ابتلعتُ ريقي الجاف بصعوبة.
لا، هل تقصدين الآن أنه سيتم تحسين نسل البشرية عن طريق تحويلهم إلى وحوشٍ ليكونوا أقوياء وأصحاب أعمارٍ أبدية بحيث تصبح سلالةً جديدةً ويُحَلُّ كل شيء؟ أعتذر، ولكن هل جُنِنتِ؟
“لقد طلبكِ رايموند كشرطٍ للعقد.”
“……ماذا؟”
“ولذلك وعدنا سيدنا العظيم بأن يحميكِ بأمانٍ وسلامة.”
“أنا المتعاقدة مع حاكم الضوء، فما هذا الكلام المجنون؟”
“صحيح، حتى أن تشورت قد غضب كثيراً عندما حاول التحدث إليكِ وتم رفضه.”
ترددت ضحكةٌ صافيةٌ في المكان. ومن يكون تشورت هذا أيضًا.
“ولكن، حسناً……. سواء استخدمت المتعاقدة مع حاكم الضوء وجودها الخاص كواسطةٍ لجعل الحاجز أبديًا، أم طمحت إلى فرصةٍ أخرى……. فهذه مجرد مسألةٍ صغار جدًا لدرجة أنها ستنتهي بمجرد أن يكتمل حاكمنا. وعندما يأتي عالم الليل الأبدي، فلا بأس بترك الفراشات تطير لِتُضيءَ ما أمام عينيكِ لبرهة، فهو يمتلك هذا القدر من السعة.”
“……حاكمنا سيكتمل؟”
“حاكم العظيم تشيرنوبوغ سيبعث في هذه الأرض.”
“………وهـ، وهل هذا، الآن.”
فجأةً، شعرتُ وكأن كل شيءٍ أمام عينيَّ قد أظلم. ورأيْتُ ليليوم تنظر إليَّ بنظرةٍ مليئةٍ بالشفقة كأنني طائرٌ محبوسٌ داخل قفص، ثم همست بنبرةٍ متصنعةِ الحنان:
“نعم. وأخيراً، السليل الوحيد لعائلة كاستراين الذي قرر التعاون مع قضيتنا العظيمة بمحض إرادته. سوف يحصل الحلول في جسد رايموند أوبيرون إل كاستراين.”
“……….”
“ليس بطريقة تشتيت قوته وسكبها مثل بيلوبوغ الأحمق، بل بشكلٍ حقيقي. عن طريق الاندماج معه ككيانٍ واحد.”
“……….”
“وحينها، سواءٌ تم دعم الحاجز في الشمال أم لا……. لن يكون لشيءٍ أي معنى حقاً، أليس كذلك؟ حسناً. لا بأس حتى لو استمر هذا الحاجز التافه بالوجود. فالبشر الذين سيدخلون إلى ذلك الحاجز ليسوا سوى حفنةٍ صغيرةٍ مقارنةً بهذه القارة الشاسعة……. ولكن، شروط العقد تبقى شروطاً.”
همست لي تلك الحسناء الممتلئة بالفرح وكأنها حصلت على لعبةٍ جديدة، قائلةً إنني لن أستطيع الخروج من هنا بعد الآن على الإطلاق.
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.