الفصل 238
تلاطمت الـذكريات في عقلي كالـعاصفة.
‘أنا سعيد فقط لأنكِ أدركتِ الآن أيضًا لماذا كنتُ أنظر إليك كالـحشرة طوال تلك الفترة.’
رايموند الذي كان يزدريني.
‘إذا فعلت شيئًا أحمق، سأقطعكِ.’
رايموند الذي لم يكن يثق بي.
‘……أنت مصابة، فلماذا بحق السماء، لا، ليست الـمسألة مسألة كفاءة….’
رايموند الذي كان يوبخني على أخطائي.
‘وأنت تعرفين جيدًا أنها مصيدة، فلماذا؟ هاها……. هل أنا في عقلك وحش يجري في عروقه الـحديد بدلاً من الدم؟ هل كنت سأجعلك وأنت بهذا الـمظهر البائس في الـمقدمة؟’
رايموند الذي كان يكبت غضبه بوجه متجهم.
‘هل تريدين الموت؟ آه، هل نسيت أنك توسلت لي لأبقيك حيةً؟ لأن لديك هدفًا……. آه، نعم، كان الأمر كذلك. من أجل ذلك الـهدف، كنت مستعدةً لاستخدام حياتك أو قلبك أو أي شيء، أليس كذلك.’
رايموند الذي كان يطحن على أسنانه بغل.
‘…أنت تعرفين أيضًا أن مصدر الوحوش يقع في العالم الـسفلي. أنا لا أسألك عن الـهدف، بل أسألك عن السبب! هل تريدين الموت؟ هل أنت بحاجة إلى قلب وحش معين مثلاً؟ اشرحي لي. هكذا فقط سأستطيع فعل أي شيء أقدر عليه! لماذا تستغلين أي فرصة لتفعلي أشياء مجنونةً بعيدًا عن عيني!’
رايموند الذي كان يمسك بذراعي.
‘ليس هذا خطأكِ.’
رايموند الذي يعتذر إلي للمرة الأولى في كل حياتي وذكرياتي.
‘هل يمكنكِ أن تأتي معي؟’
رايموند الذي كان يبكي ويتوسل أمامي…….
منذ متى أدركت الأمر الغريب؟
رايموند في الماضي لم يظهر أي ضعف أمامي أبدًا. كان يتصرف وكأن جسده وعقله مصنوعان من الفلاذ. حتى لو كان يغلي من الغضب، فلم يكن يذوب أبدًا كالـحديد الـمنصهر.
شاهدت الحجيم مع هذا الرجل.
في عالم خسر كل شيء، صاحبته حتى أعتاب العالم الـسفلي. في ذلك الوقت، كان رايموند يبدو مجنونًا جدًا.
لا بأس. لم يكن هناك مكان يمكن المرء أن يصمد فيه بعقل سليم. كان من الطبيعي أن يغضب. وكان من الطبيعي أن يزدري.
وكوني لم أكن مفيدةً وقمت بأشياء كثيرة غير فعالة، حسنًا، لم يكن بيدي شيء.
إذا فكرنا من منظور ‘الماضي’، فإن ‘تيتانيا’ كانت تقتل آثار مشاعر الحب خطوةً بخطوة كلما اقتربت من مركز العالم.
هذا أمر طبيعي.
من أجل البقاء، أصيبت ونزفت وقتلت الوحوش مرات ومرات. رغم أن رايموند كان في مظهر مشابه، إلا أن أطرافه كانت نحيلةً كالـهيكل العظمي. وجسده مليء بالندوب. حتى وجهه الذي كان يقال عنه يومًا إنه أجمل وجه في الإمبراطورية أصبح مشوهًا لدرجة لا تصدق.
لم تكن هناك حالة تتيح معرفة الحب أو العلاقة بيني وبينه.
رغم غضبه، ورغم قوله إنه لا يستطيع الفهم، فقد وصل معي إلى مشارف العالم الـسفلي.
مهما كان كراهية الطرف الآخر، بعد القتال مع الوحوش طوال الليل، كان علينا حماية ظهور بعضنا، وعندما يقل الطعام، كنا نشوي لحم الوحوش ونتشاركه.
في الأوقات التي كانت فيها حالتي في أدنى مستواياتها، حيث لم أتمكن من إزالة سمية اللحم الـمسموم كليًا وأصبت بالـمغص واستلقيت، كان هو الرجل الذي يبحث عن أنقى الـمياه ويضعها بجانبي دون أن يقول كلمةً.
تلك الـمياه الثمينة، كان من الأفضل بكثير أن يشربها رايموند بدلاً من شخص غير مقاتل مستلق. لم أكن أفكر هكذا بسبب كلام ريسيانثوس الذي كان يوبخني بجانبي لأنني لا أستطيع السيطرة على جسدي، بل كان هذا حقيقةً.
لذلك، عندما كنت أبل شفتي فقط وأحتاط للبحث عن أعشاب برية تساعد في إزالة الـسموم بمساعدة السيف، وأنهض بجسدي الـمترنح، كان رايموند يشوه جبهته عندما يرى أن الـماء لم ينقص حتى النصف.
ومع ذلك، طالما كنت في حالة تسمح لي بالـمشي على قدمي والإتباع، لم يكن يقول أي شيء.
كنت أعتقد أن ذلك أمر عظيم حقًا.
لو كنت أنا، لما كنت أستطيع الثقة في الطرف الآخر في البداية……. ولما كنت أقدر على قطع نصف القارة مع شخص مشبوه في رحلة طويلة لدعم بعضنا.
على أي حال، هذه رغبة شريرة لامرأة مجنونة بالـحسد والحب غير الـمتبادل، تطعم الـسم لأخت خطيبها الذي سيلغى عقد خطبته، وتتوسل فجأةً وهي في حالة جنون. كيف يمكن لأي شخص أن يصدق هذا الكلام؟
ولكن على أي حال، هو أبقى تيتانيا حيةً وأخذها إلى ذلك الـمكان. في جحيم كان من الصعب فيها حتى الحفاظ على الجسد. ومع هذه الـحمل الثقيل.
كن هذا حقًا أمرًا يشبه الـمعجزة.
بهذا الـمعنى، كان من الـحسن الحظ أن الرفيق الأخير كان هو.
وقد كوفئت تلك الـجهود.
الآن لم يعد هناك تيتانيا ورايموند اللذان كانا يمشيان في ذلك جحيم. لم يعد هناك ذلك الرجل البائس حقًا الذي خسر كل شيء وكان يحترق غضبًا، ومع ذلك لم يستطع قتل تيتانيا، واستمع إلى رغبتها وصاحبها إلى مكان بعيد.
كنت رغبة ‘تيتانيا’ التي ألقت بجسدها، قائلةً إنه كان من الأفضل لو لم يلتقيا منذ البداية، حقيقيةً.
حتى لو أحرقت الـحب بيدها وأعادت كل الطرق لتستخدمه كفتيل لإضاءة الـمستقبل، إلا أن رايموند الذي أحبته ‘تيتانيا’ كان رجلاً يلمع لدرجة لا يمكن إغلاق العينين عنه حتى في اللحظات التي كان يزدري فيها نفسه.
وأن يقوم مثل هذا الرجل يوميًا، في كل مرة، وفي كل نفس، بإخراج غضبه وهو يضغط على أسنانه وكأنه شرب الـسم، ويهزز تيتانيا…….
نعم، كان ذلك بسبب وقوعه في مثل هذا الوضع.
لأنه كان رجلاً يعرف كيف يزدري المخلوقات التي لا تملأ عينيه بأناقة وبرود. لقد انكسر لأن الوضع وصل إلى الحد الأقصى ولم يعد قادرًا على السيطرة على نفسه.
لذلك، كنت أظن أنه من الـحسن الحظ أنني الوحيدة التي تستطيع تذكر كل شيء.
يكفي أن أحمل كل شيء بمفردي. سيكون الأمر موحشًا وحزينًا قليلاً، لكن هذه المرة لن ينكسر العالم إلى هذا الحد. كنت أعتقد أنه لا بأس حتى لو كان رايموند الذي يعرف أفعالي الـحالية فقط يشعر بالأسف تجاهي……….
العالم الذي أعيد بالقوة للوراء كان لديه آثار جانبية كثيرة. ربما كان هذا هو السبب في أن ريسيانثوس كان يظهر نظرات غريبةً أحيانًا. وربما كان رايموند يتصرف هكذا أيضًا بسبب تلك الآثار. ربما كان يتفاعل بشدة لأنه رأى حلمًا غريبًا فقط.
لذلك كنت أريده أن ينفي.
كنت أريده أن يرمش بوجه متسائل، ويجيب بإجابة مثل: ‘نعم؟ أنا، بالطبع أتذكر كل شيء يتعلق بتيا…. لماذا تسألين؟’.
كأن الزمن قد توقف.
نظرت إلى رايموند بوجه تتشابك فيه كل أنواع الـمشاعر. لم يكن هناك أي تغيير في تعابير رايموند في البداية.
“……عن أي ذكريات تتكلمين؟”
ولكن، بعد لحظة متأخرة، ارتجفت شفتا رايموند الـملساوان.
بمجرد أن سمعت ذلك الصوت الذي كان فيه قليل من التصنع وقليل من رائحة الـخطر، أظلمت عيناي.
تالألأت عينا الرجل.
تلك التعابير التي كانت تشبه حمل الـقربان الذي يصعد إلى المذبح ليقدم عنقه وكأنه سيموت في الـمكان إذا طلبت منه الـموت، تحولت إلى نور ملتو. المؤمن الذي كان يتوسل الرحمة من حاكم، تحول في لحظة إلى ملاك ساقط يغلي بالرغبة في إسقاط حاكم إلى الأرض وحبسه في قفص.
لم يكن هو ملاكًا ولا شيطانًا، ولم أكن أنا حاكمًا ولا حتى معاقبًا له، ولكن.
دون أن أشعر، تراجعت إلى الخلف أمامه.
مست يد كالـخطاف كاحلي وكأنها تحاول منعي. كان ذلك تصرفًا حذرًا وكأنه يلمس برعمًا جديدًا نبت في الربيع…….
لكن طرف الإصبع الذي كان يمسح طرف الكاحل النحيف كان قاسيًا. عندما مست يده كعبي، شهقت دون إرادتي.
ابتسم رايموند وكأنه يهدئني.
كانت ابتسامةً لم أكن أتخيلها أبدًا في الـماضي.
لم يكن هذا الرجل شخصًا يستطيع الابتسام هكذا.
لم يكن رجلاً يبتسم وكأنه قد ضغط وأحرق كل أنواع الـمشاعر من اليأس والندم والكراهية والاستسلام والشفقة والحسرة، ثم خلط ذلك الرماد بالـماء الـطيني وشربه.
“تيا.”
كانت نبرة صوته تبدو غريبةً حقًا. رغم أنني أعرف أنه ناداني هكذا مرات عدةً من قبل. إلا أنني فتحت عيني بشكل لا إرادي.
“تيا الخاصة بي.”
لم أكن أبدًا ‘تيا الخاصة به’ لهذا الرجل.
لم أفعل شيئًا يجعلني هكذا. لو كان قد استعاد كل الذكريات، لكان ينبغي أن يكون الأمر كذلك أكثر.
كان ينبغي عليه أن يقول إنه يعرف أي مخلوق كنت في الأصل. وحتى لو كنت تتصرفين كشخص طيب وكأنك سرقت ذكريات ومشاعر شخص آخر، فهل يتم غسل كل الذنوب فقط لأنك أنقذت بيدك الطفل الذي حاولت قتله يومًا؟
كان ينبغي عليه أن يلومني بعينين كالـحريق، قائلاً إنه لن ينخدع.
اليد التي كانت تقبض على الكاحل لمست خدي ببطء، ببطء شديد.
الآن لم تعد هناك ندوب، ولم أعد غائرة الـوجه كالـمريضة قبل الـموت حيث لا يمكن لمس سوى العظام.
وكأنه يستمتع بذلك، كانت لمسته ناعمةً على غير عادته وكأنه يعد عدد الشعيرات الدقيقة الـمتبقية على خدي. أصبح نفسي خشنًا.
وضع طرف إبهامه فوق أنفي، ليتأكد من نفسي الذي أصبح سريعًا. وكأنه يريد التأكد من أنني حية وأتنفس أمام عينيه في هذا الـمكان. وكأن هذا هو أكبر نقطة ضعف لديه…….
“أنا فقط أتمنى أن تكوني في مكان آمن وسعيدةً ومرتاحةً.”
“…………”
“أنا أقول فقط إنني مستعد لفعل كل شيء من أجل ذلك.”
“…………”
“هاها…….”
ابتسم رايموند وهو ينظر إلي وأنا لا أتحرك مثقال ذرة.
كانت ابتسامةً واضحةً كطائر خرج بنفسه من قشرة البيضة.
وجه شخص يعرف بنفسه أنه خداع.
“……بالـتأكيد.”
علقت قطرات المطر بطرف رموش الرجل وتالألأت. وجه الرجل الذي سحق التصنع وقتله، انطبع عليه شيء يشبه شبح العالم الـميت.
صوته فقط كان يتظاهر باللطف لدرجة جعلته أكثر إخافةً.
“أليس لديك أي نية للإنخداع لي؟”
توقف، نفسي.
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.