الفصل 239
فتحت شفتي اللتين كانتا ترتجفان، ورددت بصعوبة.
“…… هذا غير معقول.”
“ما هو غير المعقول؟”
“كيف لك، وأنت تحتفظ بذاكرتك، أن تفعل هذا بي…….”
ارتعش جسدي مرارًا. بدا وكأن قوة ساقي ستخور في أي لحظة لأسقط. كان رأسي يؤلمني بشدة.
وقفت متشددةً بجسدي. أمام هذا الرجل، لا يمكنني إظهار الضعف. حتى عندما دفعت إلى شفا الموت تمامًا، لم أظهر مثل هذا الضعف. وعلى العكس من إرادتي، حطت نظرات الرجل بوجه غريب على أطراف أناملي التي كانت ترتعد.
كان وجهًا يلتصق به جوعٌ شديدٌ.
“لماذا لا يجوز؟”
“……….”
“لأنك كنتِ في الأصل تحاولين إطعام ‘بيبي’ السم؟”
“……….”
“لأنني كنتُ أحتقركِ؟”
“……….”
“لأنك، لتعودي بالعالم، قمت بتلويح السيف حتى أصبح جسدك كله كالقمامة، وتحملت الجحيم، ثم اختفيتِ دون أن تتركي كلمةً واحدةً عن الحقيقة؟”
“………….”
كانت هناك أشياء كثيرةٌ أردت قولها، لكنني لم أستطع إخراج واحدة منها. بدا ‘رايموند’ وكأنه ليس ذلك الرجل الذي عرفته طوال هذا الوقت. بدا وكأنه ليس ذلك الخطيب الذي كان يبدو في عيني ‘تيتانيا’ الغبية والصغيرة رائعًا إلى أبعد الحدود…….
لم يكن يبدو كذلك الرجل الذي لم يستسلم حتى النهاية، وكان يقتل الوحوش حتى عندما كان العالم كله يتمزق إلى قطع.
لماذا؟ لماذا؟ لم نكن نتبادل الكلمات الطيبة حتى النهاية. أنا، إذا علمت كل شيء، أنا…….
“أنا.”
بدا صوتي وكأنه احتبس. جمعت ما تبقى لدي من قوة وفتحت فمي.
“قمت بـكثير من الأعمال.”
تلك البسمة التي حاولت جاهدةً رسمها على وجهي، ينظر إليها ‘رايموند’ بتعبير غريب للغاية.
وكأنه يعلم أنها ابتسامةٌ ارتديتها لغرض التمليص دون صدق. وكأن مثل هذا الفعل المخادع لا معنى له أمامه.
وكأن كل التعابير التي أظهرها حتى الآن كانت مجرد قناع لإخفاء شيء ما عني.
وكأن قناعي، لم يكن سوى شيء كان يتغاضى عنه عن علم. وكأنه إذا أراد فقط، يمكنه كسر مثل ذلك القناع في لحظة واحدة…….
رغم معرفتي بذلك، كنت أرتجف وأنا أواصل الحديث للتمليص من هذا الموقف.
“…… بما أنني قمت بأعمال كثيرة، فإن معنى أن آخذ قسطًا من الراحة الآن في مكان آمن وأضع الحمل عن كتفي هو أمرٌ يبعث على الامتنان العميق. إنه لشرفٌ أن يعاملني السيد ‘رايموند’ العظيم بهذه الطريقة…….”
“في الماضي، أعتقد أن كلامك كان أقصر من هذا بكثير.”
كانت نظرات الرجل قريبةً. استنشقت الهواء بصعوبة عندما رأيت ذلك.
كان الرجل ينظر إلي، لكن عينيه كانتا بعيدتين كأنه ينظر إلى مكان ناء. أمسك ‘رايموند’ بحركة خفيفة جبيني الذي امتلأ بالتجاعيد وملامح عيني التي كانت تجبر النفس على الابتسام، وأمال رأسه.
“……….”
“أكثر فظاظةً بكثير…….”
“……….”
رأى ‘رايموند’ عيني المذعورتين كفريسة ممسوكة في شبكة العنكبوت، وتكلم وكأنه عرف الإجابة الصحيحة.
“نعم، لم تكوني شخصًا ينظر إلى شيء ما بهذا اللطف. بل كان ليكون أقرب إلى من ينظر كأنه جائعٌ.”
“… ‘رايموند’!”
“نعم.”
بمجرد أن فهمت معنى كلامه، انفتح فمي تلقائيًا. لم يعد لدي المجال للقب مثل السيد ‘رايموند’ أو الدوق الشاب ‘كاستراين’.
رغم أنها كانت كلمات أطلقتها كما لو كنت أصرخ، إلا أن الرجل ابتسم وكأنه سعيدٌ بذلك.
لا، بل أمال رأسه نحوي وكأنه يطلب مني أن أشتمه أكثر.
لا يمكن لهذا الرجل أن يعرف الأمنية التي طلبتها ‘تيتانيا’ من حاكم. لذلك، رغم أنني ‘تيتانيا’…… لا يمكن أن يكون قد علم أن لدي ذاكرةً عن نموي في كوريا تقليقت فيها بحب والدي.
رغم كون الأمر كذلك، بدلا من أن يتجاوز الأمر قائلاً إن شيئًا ما قد تغير لأن العالم القديم قد عاد، كانت عيناه الحادتان اللتان تزنان الفروقات بشكل واضح تبدوان وكأنهما تقطعانني.
كنت أشعر وكأنني أشرح وأنا على قيد الحياة. سألني ‘رايموند’ الذي كان ينظر إلي هكذا.
“ألن تغضبي مني؟”
“……….”
“أليست لديك أي نية للسؤال عن السبب أيضًا؟”
“……….”
“هذا غريبٌ…….”
ابتسم ‘رايموند’. وكأنه متسائلٌ حقًا. كطالب متفوق قام بواجبه المنزلي جيدًا، يغلق فمه منتظرًا المدح وهو يرى المعلم الذي لا يقول شيئًا عن النتيجة.
“هل خالفت رغبتك يومًا؟”
“……….”
“آه، بلى. عندما كنت صغيرًا……. نعم، كان الأمر كذلك. لقد جرحت مشاعرك مرارًا وتكرارًا. هل تريدين التغاضي عني إلى هذا الحد لهذا السبب؟ إذن، هل يكفي أن أستمر في التمسك بك حتى تصبحي بخير؟”
“…… مـ، ماذا.”
“كما تريدين. حتى يرضى قلبك. يمكنك التغاضي عني، أو لومي……. أو حتى رفسي بقدمك. وإذا كان ذلك القدر لا يرضيك، فيمكنك استخدام السيف. بسيفك الحالي، أعتقد أنه يمكنك إصابة جسدي بجرح قاتل.”
“مثل هذا…….”
“رغم أنني أبذل كل ما في وسعي لأكون لطيفًا معك.”
نهض ‘رايموند’ بجسده. ثم أمسك بيدي التي كانت ترتجف وقربها إلى وجهه.
“إلا أنك تشعرين بالخوف.”
هناك العديد من المقاتل في رأس الإنسان، واستهداف العنق أمرٌ بسيطٌ أيضًا. ‘أنت’ الحالية، تعرفين هذا القدر من المعلومات. استمر الصوت الخافت في هز ذهني.
حقًا، شعرت بشعور داخلي أن هذا الرجل الحالي سيخضع حتى لو كسرت عنقه بهذه اليد الآن. عندما استمريت في التجمد، تكلم الرجل بنبرة هادئة وكأنه يريد الحصول على تأكيد.
“إذن، هل ستفرغين غضبك؟”
“…… كلامٌ مجنونٌ.”
“آه…. نعم، هذا صحيحٌ. إذا كنت تريدين قتلي لأن غضبك لم يهدأ، فهذا جيدٌ أيضًا. لكنني لدي عملٌ يجب أن أفعله في الوقت الحالي. أنا آسفٌ.”
“منذ قليل، ماذا تقول حقًا. باستمرار.”
“هل أنا أخيفك؟”
“……….”
وضع الرجل شفتيه على أناملي التي سحبها لتحيط بوجهه كما يشاء. في كل مرة يتكلم فيها الرجل، كان النفس الضئيل وحرارة الجسد ينتقلان إلى أناملي، مما جعلني أشعر بشعور غريب.
استمر قلبي في النبض بسرعة. هل هو مجرد خوف، أم بسبب عاطفة أخرى. كانت يدي باردةً بشكل مخيف، لكن الحرارة ارتفعت في وجهي لتصبح وجنتاي وأذناي ساخنتين. كان الدم يدور في جسدي كله بسرعة كبيرة.
“هذا محرجٌ. أنا حقًا، رغم أنني بذلت قصارى جهدي.”
كانت نظرة الرجل التي تتجه نحوي تعطي شعورًا بأنه في مأزق حقًا، لدرجة أنه لم يكن لدي ما أقوله حقًا. كان ينتظر أن أبدي أي رد فعل. بسلوك لا يهمه فيه سواءٌ غضبت أو رفعت السيف الذي ألقيته لأطعنه.
“……….”
“هل ستستمرين في الصمت هكذا؟”
في نهاية صوت الضحكة الخافتة التي بدت وكأنها تقول إن هذا يتسبب في مشكلة، لمست الشفتان أناملي. لمسها شيءٌ صلبٌ وكأنه يضغط، ثم شيءٌ رطبٌ ودافئٌ…….
هيك، عندما ارتعدت من الاشمئزاز، حك ‘رايموند’ أناملي بشفتيه مرةً أخرى. شعرت وكأن ظهري قد اقشعر.
شعرت بخطر غريزي.
إذا استمر الأمر هكذا، سأؤكل.
هذا الرجل كائنٌ يمكنه أن يأكلني كاملةً ويزيد.
“أو، لا أدري…….”
وضع الرجل أسنانه ببطء على المفصل الأكثر داخليةً للإصبع الرابع من يدي اليسرى.
شعرت بألم خفيف، كالوخز، ثم اختفى. العاطفة التي كانت تحملها عينا الرجل الذهبيتان هي…….
لا أدري، هل يمكن أن نسمي ذلك عاطفةً؟
كانت داكنةً وشديدةً لدرجة أنه كان من الصعب القول إنها كهرمانيةٌ. بل لو كانت سوداء تمامًا، لما لاحظت عمق المشاعر المكتومة فيها. كانت شبيهةً بكهرمان يغلف ويجمد الذاكرة والروح والمشاعر القديمة كلها وأنت على قيد الحياة.
“هل ستهربين مرةً أخرى؟”
“………….”
“دون أن تكشفي لي عن كلمة واحدة مما في صدرك، تحكمين على كل شيء بمفردك……. وتفكرين. هل ستختفين من أمام عيني مرةً أخرى؟”
“…… السيد ‘رايموند’.”
“هذه المرة أيضًا…….”
بعد أن تحقق ‘رايموند’ من الإصبع الذي حفرت عليه آثار الأسنان كالخاتم، دفن وجهه ببطء في كتفي. يلف جسدي العلوي الذي يرتجف بذراعيه، ويضع جبينه وأنفه وشفتيه على بشرتي العارية.
سواءٌ احترت من تصرفه الذي لا تردد فيه وحاولت دفعه أو لا، فقد وضع وجنته فوق المكان الذي ينبض فيه قلبي تمامًا.
تاب، تا-تاب، تاين….
بخفوت، وكأنه يتحقق من صوت نبضات القلب.
“بشكل عشوائي.”
“………….”
“كنتِ ستموتين.”
“………….”
تلك الكلمات بذاتها كانت خاليةً من المشاعر وكأنه تم إخصاء كل العواطف فيها. كان صوتًا صلبًا وكأن من ينطق به آلةٌ وليس إنسانًا.
وكأن الذي يتكلم ليس ‘رايموند’ بل شبحٌ سرق جسد ‘رايموند’……. وكأنه يحمي جسده خوفًا من أنه لو تسربت حتى أقل كمية من المشاعر، فسيرى القلب الذي ينبض أمام عينيه يتوقف.
عندما اختفيت إلى أعماق الأرض أمام عيني هذا الرجل.
عندما دفعت هذا الرجل، وسقط بطيب خاطر.
… مثل هذا المستقبل، لم يكن بمقدوري تخيله.
كيف كان بمقدوري تخيله؟ كان هذا الرجل في توقعاتي ينجح دائمًا. ظننت أن ‘تيتانيا’ ستعيش في أقصى القصر الإمبراطوري الحقير الذي أعطي لها في الأصل، كخطيبة لعائلة ‘كاستراين’ التي تتعرض للإهانة، ثم سيتم التخلص منها هكذا.
لأنني ظننت أنني لن أملك سوى ذاكرة محدودة حتى أستعيد السيف، وما لم أكن غبيةً، فلن أتورط معه أكثر من اللازم.
لا بأس، لا بأس.
هذه هي النهاية التي تليق بي.
أن أرى أولئك الناس المباركين يتلقون المكافأة التي تستحقها تضحيتهم ويختفون في النور. كان علي أن أنظر إليهم من الظلال. لذلك.
لذلك…….
“‘رايموند أوبيرون إل كاستراين’.”
ارتعش جسد الرجل بخفوت. بدا وكأنه يخاف من الكلمات التي ستأتي بعد ذلك، وبدا أيضًا وكأنه يتوقعها.
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.