الفصل 221
لم أستطع رفضَ اليد التي مدها الرجل.
وبعض النظر عن اندهاشي، كان ذلك لأن أنامله كانت ترتجفُ برعدةٍ دون قوة. لم تكن هناك أدنى قوةٍ فيها. وشعرتُ أنه لو قمتُ بصفعه بقوةٍ قليلاً، فسينهيارُ متدحرجاً إلى الخلف فوراً.
وجنتاه الخاويتان، وشفتاه المنكمشتان بشدة، وعيناه الذهبيتان المروعتان اللتان لا تستطيعان إبعادَ نظرهما عني…. كان كحيوانٍ جريح.
كحيوانٍ متخلي عنه ظل يتجولُ في الغابة لسنواتٍ بحثاً عن صاحبه الذي تركه ورائه.
وبدلاً من البحث عن صاحبٍ جديد، كحيوانٍ يبحثُ عن ظل صاحبه الراحل، يحفرُ ويحفرُ في الأرض الخاوية دون توقف كأنه سينامُ بعد انقطاع أنفاسه، أطبق الرجلُ على يدي بإحكامٍ أشد بعينين عمياوين بلا حدود.
دارت كلماتٌ كثيرة في فمي.
كيف علمتَ أنني هنا في الأصل، وإلى أي مدى تعرف…….
هناك الكثيرُ من الكلمات التي يتوجبُ علي قولُها والأسئلةُ التي يتوجبُ علي طرحُها، لكن لم تخرج كلمةٌ واحدةٌ من فمي. اكتفيتُ بالنظر بعينين مرتجفتين إلى الرجل الذي كان يمسكُ بي ويتوسلُ فحسب.
في المرة السابقة والتي قبلها عندما التقينا، كان يبدو كحيوانٍ جريحٍ ومروع. لكن عينيه الذهبيتين اللتين كانت تتوسلان إلي كانت تترقرقُ فيهما الدموع.
“لقد أخطأتُ.”
“………”
“ولهذا أرجوكِ. أرجوكِ…….”
لم يكن ذلك وهماً. تساقطت قطراتُ الدموع الثقيلة تـك، تـك، وبللت يدي. كانت حارة.
لو أنه غضب، أو هددني، لربما تعاملتُ مع الأمر وكأن شيئاً لم يكن. لو أنه سألني عما أفكرُ فيه ولماذا أفعلُ هذا به، لكانت لدي الثقةُ للضحك كالمحتالة.
كنتُ معتادةً على شكل هذا الرجل ‘تلك المرة’. إنه شخصٌ سيكون بخيرٍ بدوني. رجلٌ قويٌ دائماً وأبداً. كالبطل. ولذا، لم أكن أتوقعُ منه هذا الشكل تحديداً.
“……”
أمام صمتي، بكى الرجلُ تماماً كطفلٍ أضاع طريقه. لقد كان الشخصَ ذاته الذي أظهر وجهًا جافاً دون أن يترك قطرةَ دموعٍ واحدة حتى عندما فقد عائلته بالكامل وكان عليه شقُ طريقه بصمتٍ وسط اليأس اللانهائي.
رجلٌ يفضلُ تقيؤ الدم على أن يذرفَ دموعَ الدم.
ولذا كنتُ أستطيعُ غض الطرف عنه. ولذا اعتقدتُ أن الأمر سيكون بخير.
ولكنني لم أتوقع على الإطلاق أنه سيتصرف كطفلٍ أضاع والديه، وكأنه سيموت إذا أُعرض عنه هكذا. وبفضل ذلك، لم أستطع التحرك إطلاقاً، وكأنني ملفوفةٌ بشباك عنكبوتٍ غير مرئية.
“رجاءً لا تختفي من أمامي بتلك الطريقة مجدداً…….”
الصوتُ الهمسي المتوسل، لسببٍ ما، لم يكن يبدو مجردَ رجاءٍ فحسب. وأمام قبضة يده التي كانت تعتصرُ يدي وكأنه يربطني حتى لا أذهب إلى أي مكان، فقدتُ القدرة على الكلام.
***
-ما الذي فعلته بحق الخالق؟
نقل الرجلُ نظره نحو السيف الذي كان يتحدثُ إليه في الغرفة المظلمة. كانت تيتانيا المنهكةُ نائمة.
بكى رايموند استمرارًا أمام تيتانيا. وأمام رايموند الذي كان يبكي دون وعي، أصبحت تيتانيا في حيرةٍ من أمرها. وكشخصٍ قويٍ أمام القوي وضعيفٍ أمام الضعيف، لم تستطع تيتانيا التصرف بقسوةٍ تجاه رايموند الذي يتشبثُ بها قائلاً إنه ظنها ميتةً وأنه أسفٌ وأنه اشتاق إليها.
وبعد الانتقال إلى مكانٍ آخر بدعوةٍ من تيتانيا التي كانت تحثه وتسنده لتهدئته، والدخول إلى الفيلا، تظاهر رايموند بأنه سقط نائماً وهو يعانقُ تيتانيا في لحظةٍ جراء شلال المشاعر والإرهاق، فاكتفت تيتانيا بضرب قدميها قائلةً
‘ماذا أفعل’
ثم أضجعته ليحظى ببعض الراحة، وجلست هي على الكرسي محاولةً أن تنام.
تصرفٌ في غاية الغباء. دون أن تعلم أن رايموند كان يختبرُ تيتانيا عمداً.
بمسح رايموند الدموعَ التي كانت تتوالى من جانب إحدى عينيه بوجهٍ خالي من التعابير تماماً.
كان منظرُ الوجه الخالي من التعابير كالمجسم وهو يمسحُ الدموع غريباً جداً.
طالما أنه لا ينوي إظهار هذا الوجه لتيتانيا، فلا بأس بذلك؟
وقفت وحش مقدس بجانب تيتانيا ناشرةً ريشها ونظرت بشزرٍ إلى الرجل.
نظر الرجلُ تلك وحش مقدس وتحقق من الوقت. كانت السماءُ المطلة من النافذة ذات لونٍ رمادي.
كان الفجر. كان الوقتُ الذي ينبغي أن تصل فيه السفينة.
نظر رايموند إلى تيتانيا النائمة بتنفسٍ منتظم كالأطفال. ولمس شعرها المصبوغ بمهارةٍ واهية.
لقد قيّمت تيتانيا نفسها ذات يومٍ بأن ما تبقى لها هو مظهرها فحسب، لكن اممم. حتى لو استيقظت في جسدٍ مختلف تماماً، لم يكن ليخفى عليه.
النظرةُ المشرقة التي تحملُ الإرادة، والنبرةُ الواضحة، كان يمكنه تقديرُ وجودها حتى من نبرةٍ واحدة.
كان رايموند يتساءلُ عما إذا كانت تيتانيا ستتخلى عنه وتهرب.
كان جسدُه مجهداً بالفعل. وكانت حالةُ جسده عند الحد الذي قد يجعله يفقدُ عقله لو غفل للحظة. لكن انهياره وإغماءه أمام تيتانيا كان تمثيلاً بالفعل.
ورغم أنه كان يصحُ لها الشك، إلا أن تيتانيا اعتقدت أن رايموند مستحيل أن يظهر ضعفاً كاذباً لها، فظلت تقلقُ بقلة حيلة.
“…حمقاء حقاً.”
أكانت تعتقدُ أن رايموند سيظل دائماً وأبداً ذلك الحارسَ الصلب الموهوب والمحمل بالمسؤولية، تجسيد الضبط؟
لا…. لقد عاش بهذه الطريقة بالفعل.
وكان يظن أنه سيموتُ دون أن يدرك حتى الفجوةَ المفتوحة في أحد أركان قلبه طوال حياته.
كشخصٍ لا يقول الكذب، حتى لو لم يستطع قول الحقيقة. الابن الأكبر الفخور، ووريث العائلة…….
“……ومحبوبةٌ حقاً…….”
لمس رايموند محيطَ عين تيتانيا ببطء. وفرك أثر الدموع الذي لم يعد له وجود.
لقد كانت دموعاً مختلفةً جذرياً عن خداعه الشبيه بدموع التماسيح.
لونٌ ثمين وكأنه أُعيد إذابةُ شظايا سيفٍ محطمٍ وصقلها بصفاءٍ واستقامة.
وفكر أنه يريدُ ابتلاع كل تلك الدموع دون ترك أي أثر. وحتى لو جمع آلاف القطرات من دموعه، فلن تعادل قطرةَ دموعٍ واحدة صادقة من تيتانيا.
كانت مشاهدةُ تيتانيا وهي تبكي تشبه العذاب وتارةً تشبه الحلم.
وكان يريد التقدم فوراً ليعانق كتفيها ويواسيها، وكان يريد أيضاً عزل تيتانيا حتى لا يراها أحدٌ وهي تبكي في هذا العالم.
ولأنه يعلم أنه لن يحظى بالشفقة ولا العطف ما لم يتقدم بشخصيةٍ ضعيفةٍ ومحطمة للغاية، فقد قمع نفسه بجهد.
وعلى أية حال، كانت الأولويةُ هي الإمساك بـ تيتانيا.
وحتى لو كانت تيتانيا قد تركته ومضت، لكان قد وجدها في النهاية. ولكان قد أمسك بها في النهاية. لكن رايموند كان يريدُ رؤية تيتانيا وهي عاجزةٌ عن الإعراض عن رايموند بإرادتها الخاصة.
وكان يطيرُ فرحاً حتى البكاء لرؤية الشخص الذي كان يعرضُ عنه ويهربُ بقدميه يترددُ ولو قليلاً، وللتأكد من أنها لا تزال مقيدةً به ولو قليلاً.
ورغم أن تيتانيا تثني على تضحيات رايموند وعائلة كاستراين حتى تتآكل شفتاها، إلا إنها لا تعتقدُ إطلاقاً أن كيانها هو شخصٌ نبيلٌ إلى هذا الحد، ولذا فهي لا تلاحظ ما يفكرُ فيه الآخرون عندما ينظرون إليها.
أنا بخير، أنا بخيرٌ حقاً…….
ولكن، رغم قولها إنها بخير، إلا أنها كانت ستختفي. ورغم أنها قطعت كل الطرق حتى لا يتبعها أحد وكانت ستغادر وهي تضحك راضيةً بمفردها.
وكلما أصبحت تيتانيا حكيمةً ونبيلة، كان رايموند يشعرُ أنه يصبحُ أشد قبحاً .
لا، ربما لم يكن ذلك مجرد شعور. لقد خُدعت تيتانيا.
إن خطيبها الذي وقعت في حبه من النظرة الأولى، وهي الأميرةُ التي نشأت وحيدةً بعد أن أعرض عنها الجميع، لم يكن في الحقيقة ذلك الكائن النبيل والرائع.
بل كان محطماً لدرجة أن باطنه قد تقيح وتفسخ بشكلٍ مروع وأصدر رائحة كريهة. بل إنه متصنعٌ لدرجة ارتداء قناع وإسقاط دموع التماسيح حتى لا تُلاحظ ذلك.
انغرس صوتُ السيف البارد في أذن رايموند.
-تفوحُ رائحةُ تشيرنوبوغ الكريهة.
رفع رايموند طرف شفتيه وابتسم.
“ولكنكِ لن تتحدثِ عن هذا لـ تيا.”
-……….
“أليس كذلك؟”
ابتسم رايموند وهو يتحملُ الشعور بانهيار باطن جسده.
كانت تيتانيا تلقي بجسدها دون توقف من أجل الآخرين، ولكنها بالتأكيد لم تكن تتخيل أن يلقي شخصٌ آخر بجسده من أجلها.
بل إنه لو لاحظت شيئاً ما، فمن المؤكد أنها ستفزعُ وتهرب فوراً وتغلق الباب وتقفله. وإن تحميلَ مشاعر أو وزن الشعور بالذنب فوق ذلك، لم يكن مفيداً كثيراً.
“في المرة القادمة.”
قَبل رايموند محيطَ عين تيتانيا ببطء. وابتلع الطعم المر والمالح الذي يحوم حول طرف شفتيه كحبيبات الملح. ورغم علمه أن باطنه سيتحول إلى مستنقع بمجرد إبقائه كالسم، إلا أنه لم يهتم.
……في الوقت الحالي، لقد أمسكَ بها. وكان يستطيع الاكتفاء بذلك.
تنهد الوحشُ في قلب رايموند.
يا للمسكينة، يا للمسكينة. لقد أُمسكتُ بكِ عند أطراف أصابعي دون القدرة على الهرب.
“……لا تظهري ثغرةً لشخصٍ مثلي.”
لأنكِ ستُؤسرين.
لم يكن يتوهم أن تيتانيا ستحبه. ولم يكن يفكر أيضاً أنها ستتخلى عن كل شيء لمجرد أنه يتوسل. إنه أمرٌ مضحكٌ حقاً.
في الماضي، كانت تيتانيا الصغيرة تتمنى بحرارة أن يحبها خطيبها الصغير وحده معرِضاً عن عائلته وعشيرته وكل شيء.
ولكن الآن، حطمت تيتانيا حب ذلك الزمان وخطت بجرأة، محملةً بمسؤوليةٍ أشد من الخطيب الذي كانت تطمح إليه ذات يوم، ولتطير بعيداً.
لا يمكن تسمية هذه المشاعر حباً. ولا يمكن تسمية هذا التصرف تضحية.
لكن في هذه اللحظة، كان حلوًا بشكل مؤلم. جنة تشبه الجحيم بلا حدود.
اكتفى رايموند بالابتسام كأنه يبكي.
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.