الفصل 220
كان الطقسُ جميلاً كأنه كذبة. دندنتُ بصوتٍ خفيض وأنا أفرشُ قطعةَ قماشٍ واسعةً فوق الصخرة. ووضعتُ السلةَ التي جليتُها على مكانٍ مستوٍ.
في أحد الجوانب، غمستُ زجاجاتِ العصير المغلقة التي اشتريتُها بالأمس داخل وعاءٍ ممتلئٍ بالثلج، وفي الجانب الآخر، صففتُ الشطائر البسيطة التي أعددتُها، مع الفواكه والنقاط المشوية، فبدا الأمرُ وكأننا في نزهةٍ حقاً.
مرت ريحٌ هبت من بعيد، ممررًا طياتِ تنورتي البيضاء.
كانت السماءُ صافية. والألعابُ النارية التي أُطلقت عدةَ مرات، كأنها للتجربة، أخذت تشقُ السماءَ بضع مراتٍ ثم اختفت. وعلى الرغم من وجود مسافةٍ ما عن المكان المزدحم بالناس، إلا أن الضجيجَ الخافت كان يصلُ إلى هنا.
كانت جيمينا مستلقيةً شبه تدحرج، تنقرُ فكها من حينٍ لآخر في مانجو تفاحية بحجم طولها، وتنظرُ إلى تلك الألعاب النارية.
لم يكن الأمرُ يقتصرُ على خلو المكان من الناس، بل كان هناك من يتسللُ ويسترقُ النظر للتدخل، لكنهم رأوني وأنا أفرشُ مقعدي بثقةٍ تامة فتواروا عن الأنظار بذكاء. ضحكتُ بقهقهةٍ وأنا ألفُ أطرافَ شعري البني.
هذا اللهوُ سيكون الأخيرَ اليوم.
بمجرد حلول فجر الغد، تقرر أن تأتي السفينة. سأختبئُ في حجرة البضائع، وأنزلُ في مدينةٍ أخرى ثم أختفي. ومع أنني أشعرُ بالأسف تجاه فلوكس، إلا أنني لم أكن أنوي إرسالَ أي أسرارٍ له بعد النزول من السفينة.
وبينما كنتُ أنظرُ إلى السماء دون هدف، مفرغةً عقلي من الأفكار عمداً، أصبحت أشفاري ثقيلةً في لحظة.
وحين استوعبتُ الأمر، كان الهواءُ قد أصبح بارداً بالفعل. تنهدتُ متأسفةً على الأطعمة التي بردت وجفت، فأعدتُها إلى السلة، وشربتُ العصيرَ الذي كان لا يزالُ بارداً ثم نظرتُ إلى السماء.
كانت السماءُ شبه ليلةٍ تقريباً، لكن الشفقَ المتبقي في طرف الظفر كان يرسلُ ضوءاً خافتاً عند نهاية البحر. والقناديلُ التي بدأ الناسُ بإطلاقها كانت تشقُ السماءَ وتشعُ كالنجوم المتطايرة.
“…أينبغي لي إطلاقُ واحدٍ أيضاً؟”
اعتقدتُ أن مجرد مشاهدة السماء سيكون ممتعاً، لكن يبدو أن الاستمتاع بالمنظر في مكانٍ هادئٍ فحسب له حدوده.
وبما أنه لا توجد أمتعةٌ ذات أهميةٍ خاصة، فقد تركتُ السلةَ الموضبةَ تقريباً بالقرب من الصخرة لآخذها لاحقاً، ومشيتُ بحفاء على الشاطئ الرملي.
سلكتُ الطريقَ الذي سلكتُه بالأمس، واندفعتُ بين الناس المزدحمين الصاخبين واشتريتُ غزلَ البنات وقنديلاً.
كان بائعُ الكشك الذي كان يبيعُ العصيرَ بالأمس يبيعُ لي غزلَ البنات بوجهٍ محمرّ، يبدو أنه شرب شيئاً ما. ضحكتُ بسخرية، ودفعتُ الباقي له ليحتفظ به، ثم مشيتُ نحو الفيلا.
قرفصتُ في مكانٍ بدا مناسباً، وأشعلتُ شمعةً قصيرة لا يتجاوز طولُها عقلمةَ إصبع، وثبتُها جيداً داخل القنديل، ثم أطلقتُه نحو السماء.
“…يبدو الأمرُ محزناً على نحوٍ ما. عادةً في مثل هذه الأوقات، ألا يتمنى المرء أمنية؟ أمنية، ممم……. مممم…….”
تأملتُ وأنا أنظرُ إلى الضوء الذي يطيرُ ببطء. كان ما حولي هادئاً. حركتُ شفتي بارتباكٍ قليل، ثم أخرجتُ صوتي ببطء.
“أمي وأبي في كوريا وأصدقائي جميعاً، أتمنى أن يعيشوا جميعاً بأكلٍ جيد وحياةٍ سعيدة حتى بدوني. لا بأس بتفكيرهم لي ونسياني. لا بأس باعتبارهم أنه لم يكن هناك شخصٌ مثلي منذ البداية. ممم…… وجلالةُ الإمبراطورة في القصر الإمبراطوري، وسمو الأمير إيدريان أيضاً. وجلالةُ الإمبراطورة الثانية إيلين. وأفرادُ عائلة كاستراين. وحتى لو اندلعت حرب، أتمنى ألا يموت الناس قدر الإمكان، وأن يعيش الجميع بسلامٍ وسعادة.”
وبعد أن تمنيتُ كل ما يخطرُ ببالي، شعرتُ بغصةٍ توقفُ حلقي على نحوٍ ما.
هل أنتِ بخيرٍ مع ذلك؟ أنا بخير. لا بأس إن لم تكوني بخير، في هذه اللحظة بالذات. على أية حال لا يوجد أحد. مهما قلتِ، لن يلومكِ أحد. هذا العالم وحده، وهذا الصمتُ الهادئ وحده من يستمع إلى أمنيتكِ وينساها.
“……في الحقيقة.”
صوتُ الأمواج الخافت. صوتُ تصادم القناديل ببعضها في السماء. صوتُ الضوء، وشرارت النار وهي تتطافرُ طقطقةً وتك. صوتُ القناديل التي أُرسلت فوق البحر وهي تتماوجُ مع الأمواج وتَرقص…….
“أيًا كان، أتمنى ألا ينساني أحد.”
قرفصتُ ودفنتُ وجهي في ركبتي. لم أكن أريدُ رؤية أي شيء.
“أنا وحيدة……….”
لا يوجد ما هو أسوأُ منظرًا من الندم على شيءٍ اخترتُه بنفسي. ولم أكن أريدُ إلقاء اللوم على أحد.
“أمي، أنا، متعبة……… لا أريدُ الاستمرار في فعل هذا، مثل هذه الأمور…….”
لينقذني أحدكم.
عضضتُ شفتي حتى لا أخرجَ الكلماتِ الأخيرة. وتذوقتُ طعمَ الدم.
في كل مرةٍ أرى فيها الناسَ يضحكون ويلعبون بحماسٍ وحيويةٍ أكثر من أي شخص، كانت تتملكني مشاعر غريبة. إنه لمن الرائع رؤية ذلك. أتمنى أن تستمر مثل هذه المشاهد في المستقبل، شعورٌ بالارتياح.
حتى لو لم أكن موجودة، فإن العالم سيندفعُ هكذا…… وسيستمر، وفي النهاية شعورٌ بالفراغ بأنه لن يتذكرني أحدٌ ولن يشتاق إلي أحد.
في الأصل، فإن الوهمَ بأنني شخصٌ خاصٌ في هذا العالم ينكسرُ لدى الجميع بعد مرحلة المراهقة. ورغم أنني أشعرُ برغبةٍ في التساؤل عن معنى هذا الشكوى بينما قمتُ بتصفية علاقاتي بنظافةٍ بيدي وتجولتُ مخبئةً نفسي ومتظاهرةً بالموت.
هذا صحيح. على أية حال، لا يمكنني أن أكون بيبي.
لا يمكنني تجاوز الماضي التعس والتقدم نحو المستقبل بنظافةٍ ودون أي رواسب، ولا أستطيع أن أحبَّ من دون أن أترك في قلبي ولو خدشًا واحدًا.
ولذا، بعد أن اخترتُ تحمل كل الندم، أستمرُ في البكاء والنحيب قائلةً إن الأمر متعب.
مسحتُ الدموعَ التي كانت تتساقطُ .
جميعهم أناسٌ طيبون.
استحضرتُ مشهدَ العقد مع حاكم مجدداً.
في اللحظة التي ينقطع فيها دم السلالة الإمبراطورية، لن يكون بالإمكان استمرارُ الحاجز الشمالي. ولذا، توجد حاجةٌ لتجهيز الأمر بحيث ‘لا ينقطع’.
ولذا، اعتقد الحاكم أن الأمر سيكون بخير في عهد الإمبراطور الأول، ولكن بعد رؤية الحالات المتتالية، أراد تعزيزَ الحاجز الشمالي حتى لا تقع مثل هذه الأمور مستقبلاً…….
……يتوجب عليكِ حمايةُ الحاجز إلى الأبد.
داخل الحاجز، إلى الأبد. دون القدرة على الموت ولا الحياة.
لا يمكن لإنسانٍ عادي أن يعيش إلى الأبد. والقول بحمايته يعني في الواقع التماهي مع الحاجز وهو حي ليصبح نظاماً. مثل بوداغا الذي اندثر بعد أن سلمني شظية قوته ككيانٍ ذي شخصية.
ولذا، لم أكن أستطيعُ ‘الموت’ حتى الآن. لقد بذل حاكم قصارى جهده بطريقته الخاصة ليجعلني غير قابلةٍ للموت. لأنني إذا متُ قبل التماهي مع الحاجز الشمالي، فسينتهي كل شيءٍ حقاً.
وهكذا، إذا استمررتُ في العيش والعيش، وحتى عندما يتفتتُ اسم ‘تيتانيا’ وشخصيتها، اممم، سأصبح حقاً مثل ذلك النظام الجاف الخالي من المشاعر.
ولذا، فإن إعطاء حاكم السيف لي كان يعبر عن طيب نيته بطريقته الخاصة. سيفٌ تتحدث، تعرف المعارفَ المختلفة، و تعرف ماضيّ. لأنه ترك لي الرفيقَة الوحيدة التي ستحرسُ جانبي إلى الأبد داخل الحاجز.
هل أنتِ بخيرٍ حقاً مع هذا؟
كانت هناك خيارات. ولكن حتى لو عدتُ مجدداً، فستكون النتيجةُ واحدة. كل التضحيات يجب أن تكون طواعية ليكون لها معنى. والعقدُ دون موافقة الطرفين باطل.
الشخصُ الذي سيمثلني…. ممم، أيكون إيدريان مثلاً؟ لكن جلالة الإمبراطورة موجودة. يجب عليَّ أنا فعلُ ذلك بدلاً من إيدريان.
“……هيا بنا.”
-ألن تشاهدي المزيد؟
“لقد شاهدتُ حتى شبعت. لا بأس.”
مسحتُ دموعي بقوة. لا داعي للتصرف بأسى إلى الأبد. لقد أطلتُ الوقت دون فائدة بسبب الشعور بالأسف لأنني لن أرى مثل هذه المشاهد مجدداً.
قضمتُ قظمةً من غزل البنات الذي أصبح رطباً. فشعرتُ بحلاوةٍ لزجة. وكانت مالحةً قليلاً جداً. ضحكتُ بقهقهة.
ما الذي أتمناه في الأصل. حتى لو بكيتُ الآن، هل سيتغير شيء؟ دعنا نتصرف كالكبار.
أمرٌ كهذا، وهو الصيرورة كنظامٍ للحاجز وأنا على قيد الحياة، لو لاحظه الناسُ من حولي، لما سمحوا لي بالهرب حتماً. وإذا عرفوا الحقيقة، فسيحزنون.
ولذا لم أخبرهم عمداً. وتظاهرتُ بالموت حتى لو تطلب الأمرُ بعض التعنت. وفور أن أختفي داخل الحاجز، فلن يتمكن أحدٌ من الدخول، فكيف سيعرفون لِماذا أنا هناك وماذا أفعل.
مشيتُ وأنا ألوكُ كتلةَ السكر غير الذائبة جيداً في فمي.
سأنامُ اليوم في الفيلا. سأحزمُ أمتعتي وأستيقظُ فور حلول الفجر. وقبل الذهاب إلى الحاجز، سأضعُ جيمينا في مكانٍ ما…….
“آه.”
سقط غزلُ البنات. فتحتُ عيني بانساع.
تحت السماء الصافية وكأنها نُسجت قماشاً من الظلام ورُصعت بفتات الذهب، توقف رجلٌ كان يبدو وكأنه صُنع بجمع ذلك المنظر ذاته، وهو ينظرُ إلي.
هذه كذبة. هذه كذبة.
كيف يمكنك أن تكون في هذا المكان الآن.
الضوءُ الذي كان يحومُ حول البحر الليلي والسماء أخذ يحومُ أمامي مباشرة. أمام وجهي المتجمد كالجثة والتي نسيت الكلام.
“……أنتِ.”
كان صوته حطاماً.
لقد كان هو السيدَ الشاب لعائلة كاستراين، الذي قيل إنه يظلُ سليماً دون مشاكل حتى لو لم يأكل ولم ينم لمدة أسبوع. الرجلُ الذي قيل إنه ظل سليماً حتى عندما عزله الوحوشُ السحريةُ بمفرده لأكثر من أسبوعين.
تقدم نحوي خطوةً واحدة ومن ثم بخطواتٍ واهية كأنه سلاحٌ صدئ ومحطمٌ تماماً.
تراجعتُ خطوةً إلى الخلف بشكلٍ لا إرادي.
وعندها توقف الرجلُ مشدوداً. وبدا في غاية الحذر.
وكأنني سأذوبُ كالوهم في ذلك المكان فوراً لو أدار عينيه أو توقف عن السير…….
كان كحيوانٍ مذعور للغاية.
أيمتلكُ الرعب؟ من؟
أغمضتُ عيني وفتحتُهما جفلاً دون أن أشعر.
هل من يقفُ أمام عيني الآن هو ‘ذلك’ رايموند؟ تجسيدُ المسؤولية والضبط؟ أهذا هو الرجلُ الذي يُدعى الآن بالكابوس الأسود لعائلة كاستراين؟
ولكن حتى لو أغمضتُ عيني وفتحتُهما، كان منظرُ الرجل كما هو.
عينا الرجل الذهبيتان اللتان كانتا صامدتين دائماً كالسيف المصقول جيداً أخذتا ترتجفان برعدة.
ووجنتاه الغائرتان، وما تحت عينيه الخاويتين، وشعره فوضوي.
وعيناه الذهبيتان اللتان تحتويانني غرقتا في مشاعر لم أستطع قراءتها وأخذتا تتلاطمان. وكان مجردُ النظر إليهما يجعلني أشعرُ وكأنني سأغرق.
“حقاً، ظننتُ أنكِ ميتة.”
انهارت إحدى ركبتي الرجل دون حيلة.
وكما ينقطعُ وترُ القوس المشدود باستمرار، ورؤيته يتخبطُ كأنه يسقطُ على الأرض لعدم قدرته على تحمُل نفسه، أسرعتُ دون أن أشعر لأسنده.
“…كنتُ أشعرُ وكأنني أعيشُ كابوساً لا ينتهي، تيا.”
وهكذا، أُمسكتُ كما أنا.
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.