الفصل 211
ولا أدري كيفَ فسَرَ الطرفُ الآخرُ كتفي اللتينِ كانتا ترتجفانِ شدةً، فقالَ بصوت يتظاهرُ بالتهدئةِ:
“لا داعي للخجلِ إلى هذا الحدِ، يا طائري الصغيرَ.”
وهل رأيتَ طائراً صغيرًا يتجاوزُ طولهُ 160 سنتيمتراً؟
وهل أنتَ طائرٌ كبيرٌ إذاً؟ أنتَ الذي لن تختلفَ عني كثيراً في الطولِ لو خلعتَ ذلكَ الحذاءَ الذي حشوتَ نعلَهُ لتتظاهرَ بأنكَ طويلُ القامةِ.
وكان عليَّ التحملُ بشدة.
لنتحمل، لنتحمل. فهذا الحقيرُ هو عشيقي لليلةِ هذهِ الليلةِ……. ولا يوجدُ وقتٌ كاف.
ونظرتُ بخفة إلى القاعةِ المكتظةِ بالناسِ. كان عددُ الحاضرينَ أقلَ مما توقعتُ.
فالإمبراطورةُ الاولى كليو أقامت حفلات ليليةً في القصرِ الإمبراطوري لمرات عديدة، لكنَّ الإمبراطورةَ لم تفعل ذلكَ قط.
لأنَّ الحفلةَ الليليةَ التي يتأكدُ فيها السهرُ طوالَ الليلِ تتطلبُ تخصيصَ غرف للضيوفِ حتماً، ومِن الطبيعي أن يؤدي ذلكَ إلى أجواء صاخبة ومبتهجة في القصرِ الإمبراطوري بأكملهِ، فضلاً عن وقوعِ الكثيرِ من الحوادثِ والمشاكلِ.
وبما أنَّ الإمبراطورةَ قررت فجأةً إقامةَ حدث بسرعة كمن يحمصُ الفولَ على ألسنةِ البرقِ، فقد اضطرَ النبلاءُ للاندفاعِ إلى هناكَ ولو لمجردِ مراعاةِ مشاعرِ الإمبراطورةِ.
ومعنى ذلكَ أنَّ الموجودينَ هنا هم إما من أتباعِ الإمبراطورةِ الاولى كليو المخلصين الذينَ لا يفكرونَ حتى في مراعاةِ مشاعرِ الإمبراطورةِ، أو من أولئكَ الذينَ يعيشونَ حياةً طائشةً لا يهتمونَ فيها بسمعتهم بينَ الناسِ إطلاقاً.
والرجلُ الذي سيكونُ عشيقي لهذهِ الليلةِ فقط كان يجمعُ بينَ الأمرينِ. كان مقرباً من الإمبراطورةِ الاولى كليو، وفي الوقتِ نفسه يعيشُ حياةً طائشةً. ورغمَ ذلكَ، كانت لديهِ عقدةُ نقص كونهُ ابناً غيرَ شرعي، ولذا كان يرغبُ في اتخاذِ ابنةِ عائلة نبيلة ومرموقة كزوجة لهُ.
“حتى مع إخفاءِ وجهكِ بالقناعِ، لا يمكنُ إخفاءُ هذا الجمالِ بأكملهِ. إنهُ مجردُ معجزة.”
اسمُهُ……. ماذا كان؟ كنتُ أعتبرهُ مجردَ ‘قمامة 1’. أبعدتُ يدَ الرجلِ التي كانت تقتربُ بخلسة من خصري ببراعة خفيفة. وأجبتُه متعمّدةً استخدامَ صوت ناعم:
“إنكَ مازحٌ يا سيدي النبيلُ.”
ثم تحركتُ ببطء نحو زاوية لا تصلها أعينُ الناسِ وكأنني أهربُ. وتبعتني نظراتُ الرجلِ.
وبشكل أدقَ، نحو القماشِ والجواهرِ التي تبدو أغلى من أن تُرتدى لليلة واحدة، ونحو شعري المستعارِ (الذي كان رديئاً نسبياً) المزينِ بالزهورِ والحلي.
وحتى نحو عينَيَّ الخضراوينِ الواضحتينِ اللتينِ لا يمكنُ رؤيتهما إلا عندَ التدقيقِ عن قرب.
ورغمَ أنهُ كان يتساءلُ في نفسهِ ‘هل يعقلُ؟’، إلا أنني رأيتُ الطمعَ يستقرُ في عينيهِ.
فهذا الحقيرُ انحازَ إلى جانبِ الإمبراطورةِ الاولى كليو بسببِ وجودِ الأميرةِ السابقةِ فالينتينا.
فما الفائدة من كونه الوريثَ الوحيدَ، طالما أن عشيقةً ذاتَ أصلٍ وضيعٍ ستكون بمثابة حماتها؟ لذلك، لم تكن العائلات النبيلة المرموقة ترغب في تزويج بناتها له.
ولهذا السببِ، اختلفت المصالحُ بينَهُ وبينَ الإمبراطورةِ الاولى كليو هنا قليلاً.
فالإمبراطورةُ الاولى كليو كانت ترغبُ في قتلي بأكثر الطرقِ مهانةً وتأكيداً، لكنَّ هذا الرجلَ كان يرغبُ في اتخاذي زوجةً لهُ حتى لو كان ذلكَ يعني عصيانَ أمرِ الإمبراطورةِ الاولى كليو قليلاً.
“هل أحضرُ لكِ مشروباً؟”
“لستُ أدري …….”
وتعمدتُ توسيعَ المسافةِ بيني وبينه وأجبتُ بوضوح غيرِ محدد. وفي تلكَ اللحظةِ، اقتربَ خادمٌ وهمسَ بشيء في أذنِ الرجلِ. فتصنعَ الرجلُ صوتاً حزيناً موهجاً إيايَ.
“آه، كم هو مؤسفٌ حقاً أنني مضطرٌ للمغادرةِ لفترة قصيرة. إن كنتِ ترحمينني، وإن كنتِ تشفقينَ ولو قليلاً على هذا الرجلِ البائسِ الذي فُتنَ بنوركِ. أفلا تمنحينني فرصةً للقاءِ القادمِ؟ قبلَ أن يغيبَ ضوءُ القمرِ الليلةَ؟”
“…إن كان الأمرُ كذلكَ، فسوفَ أمتعُ ناظري بزهرةِ أمسيةِ الربيعِ قبلَ أن ينزلَ الندى الليلةَ، فلا تنسَ ذلكَ.”
“لن أنسى أبداً، أبداً.”
وتأكدتُ سريعاً من اختفاءِ الرجلِ، ومن نظرِ امرأة كانت ترمقني أنا وذاكَ الرجلَ بنظرات خاطفة. كانت الكونتيسةَ شيرينغهام.
أجل، فلتضعا خطتكما بسرعة. رغمَ أنني أعلمُ تفاصيلها تقريباً على أيِ حال.
وتجنبتُ أنظارَ الآخرينَ وانتقلتُ إلى الغرفةِ المخصصةِ لي كما هو مدونٌ في بطاقةِ الدعوةِ. وفتحتُ القفلَ بالمفتاحِ المرفقِ مع البطاقةِ، وعندما دخلتُ الغرفةَ رأيتُ الشخصَ الذي كان ينتظرني. كانت سارا.
“أنا، أنا كدتُ أموتُ من شدةِ التوترِ.”
“هل تأكدتِ من ذهابِ ميري بشكل جيد؟”
“أجل…….”
وعللتُ بـ ‘أنني سأبقى بجانبِ الإمبراطورةِ للاستعدادِ للحدثِ’، وغادرتُ قصرَ الورودِ قبلَ حلولِ هذا اليومِ. وتركتُ ميري هناكَ.
ونقلت سارا، عبرَ ميري، خبرَ مشاركتي في الحفلةِ التنكريةِ بصحبةِ سارا في الوقتِ المناسبِ تماماً. ومِن ثم، علمت كليو بالخبرِ عن طريقِ ميري وتواصلت مع ذلكَ الحقيرِ والكونتيسةِ شيرينغهام قبلَ قليل.
وكانت الغرفُ القريبةُ من الغرفةِ المخصصةِ لي فارغةً تماماً. ورغمَ أنها كانت مغلقةً بالمفاتيحِ، إلا أنني صاحبةُ هذا البيتِ.
وفتحتُ الغرفةَ المجاورةَ بالمفتاحِ الذي كان بحوزتي أصلاً. وسحبتُ الأشياءَ المخبأةَ خلفَ الخزانةِ أو بجوارِ خزانةِ الملابسِ واحدةً تلو الأخرى.
جيدٌ، كلُ شيء موجودٌ كما ينبغي.
“الطابقُ الثالثُ فارغٌ تماماً باستثنائنا. لكنَّ الطابقينِ الرابعَ والثاني ممتلئانِ بالناسِ. وستكونُ بضعُ غرف من تلكَ الغرفِ ممتلئةً بالأعداءِ الذينَ أُعدوا لقتلي.”
وفي تلكَ اللحظةِ بالذاتِ، صدرَ صوتُ طنين. وأخرجتُ جهازاً يرتجفُ ووضعتهُ على أذني وضغطتُ على الزرِ. كان جهازَ التنصتِ الذي ثبتهُ مسبقاً.
وفي الغرفةِ السريةِ التي تستخدمها الكونتيسةُ شيرينغهام كثيراً، كان يُسمعُ الحوارُ بينها وبينَ ذلكَ الحقيرِ.
– طنينٌ……. طنينٌ……. أتطلبُ مني إذاً عصيانَ أمرِ الإمبراطورةِ الاولى كليو؟
– لا، في النهايةِ إن كانت هي الأميرةُ تيتانيا بحق. فهل تظنينَ أنَّ أميرةً تدمرت سمعتها علناً في مثلِ هذا المكانِ ستشكلُ عائقاً للأميرِ بريان في أيِ شيء؟
– لا، ولكن حتى وإن كان الأمرُ كذلكَ. فقد أمرت الإمبراطورةُ الاولى بقتلها مهما حدثَ…….
– ذلكَ لأنها لم تكن تعلمُ أنَّ تلكَ الفتاةَ ستُفتنُ بي!
دعنا نمنعُ إفراطَ الثقةِ بالنفسِ ونسترجعُ حياةً صحيةً……. لو كنتُ مكانها وجاءَ امير إمبراطوريٌ وسيمٌ للغايةِ يغازلني فجأةً، لكانَ أولُ ما يخطرُ ببالي هو ‘ما الذي يخططهُ هذا الأحمقُ؟’.
– فكري ملياً، ستكونُ الإمبراطورةُ الاولى أكثرَ سعادةً لرؤيةِ تلكَ الأميرةِ التي تُعتبرُ شوكةً في عينها تُزوجُ لي غصباً وبشكل مخز بحالة أتعسَ من الموتِ! وإن كانت ترغبُ في قتلها حقاً، فيمكننا أخذها إلى عائلتنا وإماتتها بطرق بطيئة.
– ……….
– حسناً، سأعطيكِ المالَ والجواهرَ والحريرَ وكلَ شيء. أيكفي هذا المبلغُ؟
– حسناً……. مم، مم. لا يمكننا عصيانُ أمرِ الإمبراطورةِ الاولى كليو، دعنا نرى…. سنقولُ إننا لم نكن نعلمُ بمكانِ الشابينِ، ولذا تأخرنا قليلاً في إصدارِ الأمرِ باقتحامِ غرفةِ الأميرةِ تيتانيا.
– شكراً جزيلاً لكِ!
أفهمُ. إذاً فمكانُ الاقتحامِ هو غرفتي بالفعلِ.
– …ولكن، لن أستطيعَ كبحَ القتلةِ الذينَ جعلتهم الإمبراطورةُ الاولى كليو في حالةِ استعداد. فهم لا يستمعونَ لكلامي أيضاً. وأنا مكلفةٌ بنقلِ الإشارةِ فقط، فإن تورطتَ بسوءِ حظ…….
-هاها، كرجل سأتحملُ مثلَ هذا الخطرِ!
وواصلتُ التأكدَ مما إذا كان المحتوى المسموعُ يتطابقُ مع توقعاتي، ونظرتُ إلى سارا.
“أتتذكرينَ محتوى خطةِ اليومِ؟”
“……أجل.”
“عليكِ الخروجُ في الوقتِ المناسبِ أيضاً. سأهتمُ بأمركِ، ولكن ابتداءً من اليومِ ستصبحينَ شخصاً ميتاً أيضاً. ألديكِ الثقةُ؟”
“أجل.”
وهزت سارا رأسها بصوت مرتجف.
ولأجلِ هذا اليومِ، لعبت سارا دورَ الجاسوسةِ المزدوجةِ التي تجعلُ القلبَ يرتعدُ. وبما أنها خاطرت بحياتها وهي ترتعدُ لخداعِ الإمبراطورةِ الاولى كليو، فقد كنتُ أنوي جعلها تتقاعدُ بعدَ أعمالِ اليومِ. ففي حالةِ بقائها حيةً، لن تتمكنَ سارا من خداعِ عينِ كليو أيضاً. ولذا كنتُ أخططُ لجعلها تتظاهرُ بالموتِ مثلي وإعطائها هويةً جديدةً.
ونظرتُ إلى الساعةِ بلمحة خاطفة.
……بعدَ ساعتينِ تقريباً، سأستدرجُ ذلكَ الحقيرَ من الحديقةِ الخلفيةِ التي أبعدت الكونتيسةُ شيرينغهام جميعَ الناسِ منها مسبقاً، وأقودهُ إلى غرفتي، وأنفذُ الأمرَ ثم أهربُ.
لم يعد يتبقَ سوى القليلِ جداً.
***
كانت القاعةُ ممتلئةً بالمصابيحِ الزاهيةِ التي تضيءُ الليلَ المظلمَ.
“لم نلتقِ منذُ فترة طويلة، يا سمو الأميرِ إيدريان.”
“لقد أصبحتِ جميلةً بشكل مبهر في هذهِ الأثناءِ، يا آنسة بيبي.”
“إييه، ليسَ هذا كلاماً يُقالُ لمن يملكُ الأميرةَ تيتانيا كأخت صغرى~.”
وابتسمَ الأميرُ إيدريان كعادتهِ وهو ينظرُ إلى بيبي التي كانت أقصرَ منهُ برأس كامل. وكانت بيبي تبتسمُ بإشراق ولطف كعادتها أيضاً، ولذا لو رآهما أحدٌ لقالَ إنهما ثنائيٌ متناسقٌ للغايةِ رغمَ وجودِ فارق في السنِ. هذا إن لم يلاحظ النبال الممتلئةَ في الحوارِ الذي يدورُ بينهما.
“وهل ترقص معي رقصةً واحدةً؟”
“…إنكِ الابنةُ الصغرى التي تعتزُ بها عائلةُ كاستراين أكثرَ من أيِ شخص آخرَ، فماذا ستفعلينَ بإخوتكِ المستقيمينَ الذينَ يتبعونكِ في كلِ مكان وزمان؟”
“أترفضُ طلباً أقدمهُ بقلب كبير……؟”
وحتى لو جعلت بيبي عينيها الزرقاوينِ الوديعتينِ تتألقانِ بحزن كأرنب، فلم ينخدع إيدريان.
فهذا ليسَ أرنباً أليفاً صغيراً يأكلُ الجزرَ بوداعة. بل هو أرنبٌ مفترسٌ يطحنُ أسنانهُ بغضب.
ولكن عندما تصرفت بيبي كفتاة خجولة تطلبُ الرقصَ من أمير وسيم كالملائكةِ، تحولت أنظارُ الجميعِ بخلسة نحو إيدريان.
وعندئذ مد إيدريان يدهُ لبيبي بوقاحة وكأنهُ كان ينوي فعلَ ذلكَ منذُ البدايةِ.
“هاها. السهرُ طوالَ الليلِ ليسَ جيداً للصحةِ من عدةِ نواح، فما الذي أتى بكِ؟”
“لأرى أختي.”
كلاكما يعلمُ طبيعةَ الآخرِ الحقيقيةَ، أليسَ كذلكَ؟ ألن تتفواحا بالكلامِ الفارغِ بعدَ الآنَ؟ وضحكَ إيدريان وهو ينظرُ إلى بيبي التي كانت ترمي بالكلماتِ المباشرةِ فوراً.
كانت تيتانيا تتعاملُ مع بيبي وكأنها صغيرة لطيفة لا تؤذي العينينِ لو وُضعت فيهما، ولكن مع مرورِ الأيامِ، لم يستطع إيدريان فهمَ تيتانيا في ذلكَ على الإطلاقِ.
أليست هذهِ تمثيليةٌ واضحةٌ؟ وهل هذهِ لطيفةٌ؟ حقاً؟ هذهِ التي تتصرفُ وسياسيةٌ عاشت حياةً ثانيةً بعدَ أن طبخت عشراتِ الأفاعي في سن مبكرة؟
…وبشكل مثير للسخريةِ، كان هذا التقييمُ هو نفسه الذي تطلقهُ تيتانيا عندما تنظرُ إلى إيدريان، ولكن من الصعبِ دائماً رؤيةُ النفسِ بوضوعية. ولم يكن إيدريان استثناءً من ذلكَ.
“بما أنَّ جلالةَ الإمبراطورةِ هنا وسمو الأميرِ إيدريان هنا أيضاً، فمن الطبيعي أن أظنَ أنَّ أختي تيتانيا موجودةٌ هنا أيضاً.”
“تيتانيا ترتاحُ بسببِ إصابتها بنزلةِ برد خفيفة.”
“أحقاً؟”
وأصبحت عينا بيبي حادتينِ وكأنها تستكشفُ إيدريان.
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.