الفصل 182
احتجاجًا على ذلكَ، حتى أنا لم أكنْ أريدُ المجيءَ إلى إقليمِ كاستراينَ لافتعالِ الحوادثِ.
فأنا ضيفةٌ في النهايةِ. وفي بيتِ الآخرينَ، يجبُ اتبَّاعُ كلامِ صاحبِ البيتِ.
ناهيكَ عن أنها أرضٌ تعجُ بالوحوشِ الشيطانيةِ، لذا فالأسوارُ والجدرانُ والحدودُ يحرُسُها الجنودُ في كلِّ مكانٍ. فماذا لو أسيءَ فهمي من قِبلِ الجنودِ؟ أو ماذا لو تعرضنا لهجومِ الوحوشِ الشيطانيةِ؟
-لكن متعاقدتي، يبدو أن هذهِ الحادثةَ بسبكِ أنتِ أيضًا على أيِّ حالٍ… (๑•﹏•)
‘أجل. ظهورُ أثرِ كائنٍ مقدسٍ فجأةً في إقليمِ كاستراينَ بعدَ أن لم يكنْ لهُ أثرٌ، لا بد أنه بسببي بصفتي متعاقدةَ النورِ…’
يا لتعاسةِ حظي! الحوادثُ تقعُ أينما ذهبتُ! يجبُ أن أعتبرَ هذا قدري، لا مفرَ.
في البدايةِ، فكرتُ في الذهابِ بعدَ أخذِ إذنِ أحدِهم. لكنَّ رايموندَ وريسيانثوس كانا قد غادرا بالفعلِ. ريسيانثوس ذهبَ بنفسِهِ إلى الشمالِ الغربيِّ، ورايموندُ غادرَ لتفقدِ الأوضاعِ تحسبًا لأيِّ طارئٍ.
ولوقمتُ بشرحِ الظروفِ في مثلِ هذا الوقتِ، لفهمَ الجميعُ أنه لا مفرَّ من ذلكَ. لكنَّ بيبي كانتْ ستستيقظُ حتمًا وسطَ هذهِ الفوضى، ولأصرتْ على مرافقتي.
وبالتفكيرِ في كلِّ تلكَ الإجراءاتِ، كانَ الأمرُ سيستغرقُ وقتًا طويلاً جداً.
وبحسبِ كلامِ السيفِ الايموجي، فإن أثرَ القوةِ كانَ ضئيلاً جداً لدرجةِ أنه كادَ يختفي في أيِّ لحظةٍ وكانَ علينا الذهابُ فوراً، ولم أجدْ أيَّ خيارٍ آخرَ…
لذا لم أستطعْ منعَ الاثنينِ الآخرينِ اللذينِ أصرّا على مرافقتي. وكانتِ النتيجةُ ما نحنُ عليهِ الآنَ.
رغمَ أنني أردتُ إبعادَ لاسفر مهما حدثَ، تباً.
فيييييييييع!
شووووووووو!
كانَ صوتُ الريحِ القارسةِ التي تلفحُ الآذانَ واضحاً. كانَ الساحرانِ على متنِ مزلقةِ الثلجِ العشوائيةِ يمسكانِ بصاري الشراعِ المتأرجحِ بشدةٍ وكأنهُ حبلُ نجاةٍ وهما يرتجفانِ من الخوفِ.
كانا يرتجفانِ كحملانِ صغيرةٍ جاعتْ لثلاثةِ أيامٍ. أطلقَ فانُ أنينًا وكأنهُ زحفَ خارجًا من الجحيمِ.
“حقاً، هذا جُنُو… أُووووووووع!”
“أهاها، لأنني لستُ ماهرةً في استخدامِ قوةِ الريحِ…”
وكأنما يتماشى مع الإيقاعِ، خفضَ لاسفر رأسَهُ بجوارِهِ واستفرغَ.
“أُووووووك.”
“يا إلهي، الجميعُ يعاني من دوارِ الحركةِ الشديدِ.”
بمساعدةِ لاسفر وفانَ، أخرجتُ المزلقةَ المؤقتةَ التي وضعَها ريسيانثوس مهملةً هناكَ. وبمساعدةِ الساحرينِ العبقريينِ، أضفنا شيئًا يشبهُ الشراعَ المؤقتَ على الفورِ.
وبفضلِ حفظِ لاسفر للتضاريسِ العامةِ لإقليمِ كاستراينَ، رسمَ لنا مساراً تقريبياً على خريطةٍ مبسطةٍ.
“هُـ، هنا نحو اليسارِ، أُوووب!”
ابتسمتُ لـ لاسفر الذي كانَ يوجهُ الاتجاهاتِ بصعوبةٍ بوجِهِهِ الشاحبِ للغايةِ.
“أجل! نحو اليسارِ من هنا!”
في النهايةِ، وضعتُ المزلقةَ على الثلجِ… وثبتُّ الشراعَ وأصبحتُ أتحركُ بسرعةٍ بفضلِ قوةِ الريحِ الخاصةِ بي.
تساءلتُ هل ينجحُ هذا…؟ لكنه نجحَ بالفعلِ… ولأننا كنا نتحركُ فوقَ الثلجِ باستخدامِ قوةِ الريحِ اصطناعياً، لم تكنْ حالةُ لاسفر وفانَ بخيرٍ إطلاقاً. أما أنا فقد وجدتُ الأمرَ ممتعاً.
على أيِّ حالٍ، وبفضلِ مساعدةِ الشخصينِ الأكثرِ خبرةً في التسللِ بعيداً عن أعينِ الآخرينَ في عائلةِ كاستراينَ، وصلتُ إلى الهدفِ بركوبِ المزلقةِ المعدلةِ دونَ أن يكتشفنا أحدٌ. وما إن توقفتِ المزلقةُ المعدلةُ… حتى سقطَ فانُ أرضاً، وسندَهُ لاسفر بذراعينِ ترتجفانِ بجوارِهِ.
“عملٌ رائعٌ لكُما.”
ربتُ على ظهريهما، ثم قفزتُ هابطةً من المزلقةِ لأتفقدَ الوضعَ. كانَ الهدوءُ يخيمُ على المكانِ. للوهلةِ الأولى، لم يكنْ يبدو أن هناكَ مجموعةَ وحوشٍ شيطانيةٍ…
نظرتُ إلى القنديلِ المعلقِ بالمزلقةِ، ثم لوحتُ بالسيفِ الذي بأصبعي في الهواءِ.
الآنَ، حتى لو لم تكنْ وحوشاً شيطانيةً بل مجردُ أيلٍ مجنونٍ يهاجمُ، لكانَ بإمكانِهِ القضاءُ على الساحرينِ اللذينِ فقدَا وعيَهُما جزئياً بسببِ الدوارِ دفعةً واحدةً.
‘هيّا! أشرقْ، ببريقٍ!’
أضاءَ المكانُ من حولِنا. كانتِ المناظرُ المجاورةُ شبيبةً بتلكَ التي رأيناها قبلَ العودةِ من اللعبِ بنشاطٍ في النهارِ.
-…مـ، مع ذلكَ، لا تستخدمي قوةَ النورِ الثمينةَ مجردَ بديلٍ للقنديلِ متعاقدتي!
( ̄□ ̄;)
‘يجبُ أن تبقى اليدانِ فارغتينِ لنكونَ في أمانٍ إن حدثَ شيءٌ.’
-إن قلتِ ذلكَ فلا أملكُ ما أردُ بهِ… .( ³⌓³)
‘واصلِ البحثَ فحسب. إن وصلنا إلى هنا ولم نجدْ شيئًا، فاعلمْ أن الأمرَ لن يكونَ ممتعًا أبداً، أبداً، أبداً. عباراتٌ مثل: أوه، كانَ وهمًا~! لن أقبلَها إطلاقاً!’
حتى لو لم يكنْ الأمرُ بشاعةِ جحيمِ غسيلِ الملابسِ في أيامِ الصيفِ بالقصرِ الإمبراطوريِّ، فإن التدحرجَ في إسطبلِ أو حظيرةِ منتصفِ الشتاءِ سيكونُ تجربةً لائقةً جداً بالنسبةِ للسيفِ.
لا، بل يمكنُ وضعهُا في وعاءِ غسيلِ الأطباقِ فحسب. وكأنها شعرَت بنوايايَ الشريرةِ وهي تصرُّ على أسنانِهِا، أجابَت السيفُ بصوتٍ نشيطٍ وفوريٍ.
-أولاً! يبدو أن عليكِ الدخولَ إلى ذلكَ الكهفِ…
سألتُ بصوتٍ لطيفٍ وناعمٍ محملٍ بقليلٍ من الضميرِ الحيِّ.
“………… يبدو أن علينا الدخولَ إلى هناكَ، فهل يمكنُ للساحرِ العظيمِ ذي الشعرِ الأبيضِ الوسيمِ… مرافقتي؟”
“لا تنطقينَ بهذهِ الكلماتِ لطيفة إلا في مثلِ هذهِ الأوقاتِ… كَاه، كَاه.”
“أ، أنا بخيرٍ الآنَ أيضاً! سأذهبُ معكما!”
“يفضلُ أن يبقي السيدُ لاسفر هنا لحراسةِ المزلقةِ. أيمكنُكَ وضعُ حاجزٍ مؤقتٍ؟”
“لكنَّ مرافقتي لكِ ستكونُ نافعةً أكثرَ…”
“إن فقدنا المزلقةَ فسنكونُ في خطرٍ حقيقيٍ وقتَها، لذا فهذهِ مهمةٌ قائمةٌ بذاتِها أيضاً. إن حدثَ أيُّ شيءٍ فأخبرني على الفورِ.”
مسحتُ على رأسِ لاسفر بخفةٍ. أومأَ لاسفر برأسِهِ بهدوءٍ بعينينِ احمرتا من دوارِ الحركةِ.
***
كانَ الكهفُ كبيراً إلى حدٍ ما. لم يكنْ يبدو بهذا الحجمِ للوهلةِ الأولى، لكن عندَ الدخولِ إليهِ مباشرةً تبينَ أنه نفقٌ أرضيٌ كبيرٌ وواسعٌ.
لفحتنا برودةٌ قاسيةٌ. بالطبعِ، ورغمَ ذلكَ، لم يكنْ مريحاً لدرجةِ المشيِ فيهِ بظهرٍ مستقيمٍ وبكلِ ثقةٍ.
وفي منتصفِ الطريقِ وأنا أزحفُ بنصفِ جسدي، توقفتُ وسألَ فانُ من الخلفِ:
“ماذا، لماذا توقفتِ؟”
“…المسارُ مسدودٌ.”
“ماذا؟!”
ثم حدقتُ بالسيفِ المضيءِ. اشرحْي يا هذه.
-آ، لا، متعاقدتي، هنا… شعرتُ بشيءٍ ما؟ لماذا هو مسدودٌ…؟ هذا غريبٌ…؟
‘همم.’
إن كانَ الأمرُ كذلكَ، فالطريقةُ سهلةٌ. نكزتُ فانَ بكوعي. نكزات خفيفةٌ، لكن التعبيرَ عن الرغبةِ في الكهفِ المظلمِ والضيّقِ جعلَ الحركةَ أكبرَ دونَ قصدٍ، فصرخَ فانُ بألمٍ وهو يمسكُ أضلاعَهُ كأنثى ثعلبٍ طُرِدَتْ من جحرِها بسببِ زلزالٍ أثناءَ البياتِ الشتويِّ.
يا هذا، ساحرٌ في هذا العمرِ ويتصرفُ بتمارضٍ!
“ضعْ حاجزَ حمايةٍ مؤقتًا.”
“هل تحسبينني آلةً تخرجُ السحرَ عند الضغطِ عليها! آخ، يؤلمني جداً. احذري بحقِ السماءِ!”
“عند العودةِ سأعطيكَ كيسًا إضافيًا من قطع الذهبيةِ.”
“لقد وضعتُ الحاجزَ فوراً.”
بعدَ أن تأكدتُ من وضعِ حاجزِ حمايةٍ مؤقتٍ يحمينا من الأعلى والأسفلِ، ضربتُ الجدارَ المسدودَ بسيفي بقوةٍ.
دَبّْ! طَقْ، طَقْ، طَقْ.
“ما هذا الفعلُ المجنونُ؟! إن انهارَ هذا الكهفُ فسنُدفَنُ أحياءً…!”
“العبقريُّ السيدُ لاسفر سيحفرُ و يخرجُنا!”
“إن أخطأنا في حسابٍ واحدٍ فسينتهي بنا المطافُ بأطرافٍ ممزقةٍ!”
“بما أننا وضعنا حاجزًا مؤقتًا فلا بأسَ…”
طَقْ، طَقْ، طَقْ!
ظهرتْ تشققاتٌ خفيفةٌ على الجدارِ. ضيقتُ عينيَّ ولمستُ الجدارَ الترابيَّ الصلبَ.
بالتأكيدِ، كانتْ هناكَ آثارٌ لصنعِ هذا الجدارِ اصطناعيًا. أمسكتُ بالسيفِ بقوةٍ وغرستُهُ في الجدارِ.
النورُ… لن يكونَ ذا فائدةٍ كبيرةٍ. ضغطتُ قوةَ الريحِ ودسستُها بينَ التشققاتِ.
طَقْ، طَقْ، دَبّْ!
ومع صوتٍ صاخبٍ، تحطمَ الجدارُ وتطايرتِ الشظايا. وبفضلِ الحاجزِ، كنا في أمانٍ من الترابِ والحجارةِ. وعندما تلاشى الغبارُ والدخانُ الكثيفُ، ظهرتِ المساحةُ الخفيةُ بالداخلِ.
وفيمَا بعدُ…
“…هاه. هل كلُ تلكَ جثثُ وحوشٍ شيطانيةٍ، لا، أهي مجردُ أغطيةٍ وزوائدَ خارجيةٍ؟ ما كلُ هذا؟”
“………”
كانتْ جثثُ الوحوشِ الشيطانيةِ الجافةِ جثثًا متناثرةً تماماً كقشورِ السرطاناتِ أو اللوبسترِ بعدَ أكلِ لحمِها.
وفي المنتصفِ، ظهرَ شيءٌ يشبهُ العشَ المكونَ من فروِ وريشِ مختلفِ الحيواناتِ، وخيوطٍ مجهولةِ المصدرِ متداخلةٍ.
-…كما توقعتُ.
قالَت السيفُ بصوتٍ خائبِ الأملِ. نظرتُ إلى البيضةِ الصغيرةِ الموضوعةِ في منتصفِ العشِ.
‘ألم تكن الهالةُ قويةً لأنها لم تفقسْ من البيضةِ بعدُ؟’
-لا، بـ، بل لأن… وحش المقدسَ الأم كانَت على وشكِ التلاشي. ولم تكنْ لديهِا القوةُ الكافيةُ لتفقسَ الصغارُ بسلامٍ…
روت السيفُ تقديرَها العامَ.
كانتِ وحوش المقدسةُ على وشكِ الانقراضِ. ورغمَ أنها صمدتْ في إقليمِ كاستراينَ حيثُ يتواجدُ أكثرُ من مستخدمٍ لقوةِ حاكم، إلا أنها ضعفتْ لدرجةِ أنها أصبحتْ على وشكِ التلاشي، وقبلَ أن تنتهي حياتُها تماماً وضعتِ البيضَ بدافعِ غريزةِ التكاثرِ، لكنَّ الوضعَ كانَ حرجاً وما إذا كانتِ البيضةُ ستفقسُ بسلامٍ كانَ أمرًا مشكوكًا فيهِ. ناهيكَ عن أن اكتشافَ الوحوشِ الشيطانيةِ لها سيجعلُها طعامًا شهيًا.
-……يبدو أن الأمَ لاحظتْ وصولَ متعاقدة إلى هذهِ الأنحاءِ، فخرجتْ عمداً لاستدراجِ الوحوشِ الشيطانيةِ بعيداً. ولهذا، فإن مجموعةَ الوحوشِ الشيطانيةِ التي ظهرتْ في الشمالِ الغربيِّ كانتْ على الأرجحِ…
‘جاءتْ تستهدفُ الأمَ؟ والأمُ قدمتْ نفسَها كطُعمٍ عمداً؟’
-نعم، هذا صحيحٌ.
‘إذن، تلكَ الأمُ من وحوش المقدسةِ…’
-……لن نتمكنَ من إنقاذِها.
مددتُ يدي ببطءٍ ولمستُ البيضةَ داخلَ العشِ. شعرتُ بالدفءِ الضعيفِ جداً. وعرفتُ سببَ إلحاحِ السيفِ. عادةً ما تخرجُ الطيورُ من البيضِ بكسرِهِ، لكنْ لم يكنْ يبدو أن هذا الصغيرَ قادرٌ على كسرِ البيضةِ بقوتِهِ الخاصةِ. كانَ ضعيفًا جداً.
“يا صغيري.”
لمستُ حدَّ السيفِ بطرفِ أصبُعي ثم رفعتُهُ. ومع ألمٍ خفيفٍ، تساقطتْ قطراتُ الدمِ. وعندما لمسَ الدمُ قشرةَ البيضةِ، اهتزتِ القشرةُ بخفةٍ. وكأنها اكتسبتْ القوةَ.
“استجمعْ قوتَكَ واستيقظْ، …هل نذهبُ لرؤيةِ أمِكَ؟”
إنها أمٌ تخاطرُ بحياتِها لتتمنى أن تولدَ في هذا العالمِ، فلنذهبْ لرؤيتِها قبلَ فواتِ الأوانِ.
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.