الفصل 155
عندما لامست قطرات دم تيتانيا الفاترة الصخرة، أضاءت الصخرة. الحروف الذهبية التي كانت تتألق بضراوة لا تُقاس بما قبل قليل، خمدت في لحظة. ولكن لم يكن هناك أحد يستطيع قراءة ما تعنيه تلك الحروف كما هي تمامًا.
وفي الوقت نفسه، نفخ الوحش السحري جسده بالكامل وكأنه بالون على وشك الانفجار. تمامًا كما ينفخ الحيوان الفراء ليتظاهر بأن حجم جسده كبير، بدا الأمر عابثًا وفي الوقت نفسه مستميتًا. على الرغم من أنه قبل قليل فقط كان يتجسد بأشكال الضحايا المتنوعة ويراقب ردود أفعال البشر.
شعر رايموند بالشؤم وهو ينظر إلى ذلك. لماذا؟ لا يعلم ما هي الحيلة التي استُخدمت ولكن الوحش السحري تملكه الخوف. ويتخذ مظهرًا كأنه يحاول الهرب. ما السبب الذي يدعو للشؤم؟
“سمو الأميرة تيتانيا!”
مرة أخرى. تيتانيا مرة أخرى. …لماذا فكرتُ بـ ‘مرة أخرى’؟
وقف رايموند مذهولاً على بعد مسافة قصيرة من الصخرة، ثم صرخ بأعلى صوته نحو تيتانيا التي كانت تترنح لبرهة وكأنها تصاب بالدوار. لم يفُت الأوان بعد حتى الآن.
فقط، دون الاهتمام بالعواقب، ومهما كان الموقف الذي يتخذه الوحش السحري، ومهما كان ما يحتضنه في صدره، هل يمزقه إربًا مع إهمال ذلك؟ ويبدو أنه يتعين عليه فحص حالة تيتانيا. ارتفع ذلك الشعور بالأزمة حتى وصل إلى الحلق.
أمام الفرسان الذين يكبحون الوحش السحري بطاعة وبموقف خائف وفقًا لتعليمات رايموند فقط. تيتانيا من الظاهر……. أجل، باستثناء أنها رشّت الدم على الصخرة وحاولت فعل شيء ما، لم تبدُ في غاية الخطورة.
ترنحت تيتانيا لبرهة، ثم غرست السيف الذي في يدها في الأرض بقوة لتستعيد توازنها. وبفضل تلك الحركة غير المبالية، تساقط الدم من الساعد الذي جرحَت فيه نفسها قبل قليل.
كانت حدقتا تيتانيا الخضراوان مذهولتين وكأنها استيقظت بعد نوم طويل. بدت فاقدة للوعي، أو كشخص مجنون……. ولكن تيتانيا لمحت الناحية التي يوجد فيها الوحش السحري، ومشت نحو ذلك الاتجاه دون تردد.
“…من الخطير الاقتراب بإهمال.”
بدلاً من إعطاء المزيد من التحذيرات، قرر رايموند الشد على أسنانه ومحو الوحش السحري الذي ينتفخ كبالون فارغ من الداخل وعزمه على تمزيقه.
كانت عملية مزعجة. أخرج الوحش السحري الذي كان يتفتت إربًا وكأنه يُفكك حيًا شيئًا يشبه صراخًا لأول مرة.
تأملت تيتانيا ذلك المشهد بذهول، ثم ابتسمت بخفة.
“لا بأس.”
كانت كلمة تُسمع كثيرًا. ولكن انتابه شعور غريب.
أنا حقًا لا بأس، هاهام لا بأس.
صوت تيتانيا الذي كان يتحدث بهذه الطريقة عادةً كان أشد من هذا…….
“شيء من كهذا يمكن القضاء عليه بسهولة.”
…يبدو أنه كان يحوي القلق على الطرف الآخر.
وضعت تيتانيا ساعدها على حد السيف وحزّته. تساقط المزيد من الدم، وسال متدفقًا على حد السيف. مشت تيتانيا بخطوات ثقيلة ومباشرة نحو الوحش السحري الذي لم يتمكن من الهرب بعيدًا بفضل سيطرة رايموند والفرسان.
“سمو الأميرة!”
وفي المنتصف تمامًا، غرست السيف الملطخ بالدم.
وودردك، واددردك، كاجاك، كوانغ!
تمامًا كغرس إبرة في بالون.
تمامًا كحيوان أصيب بالخنجر المسموم في مقاتله، أُصدر صوت صراخ يمزق طبلة الأذن.
وفي اللحظة التالية، تجمّد الظل الذي كان رخوًا كغاز. تصلّب تمامًا كقشرة البيض، وفي اللحظة التالية أصدر صوت تكسُر وتفتت إلى أجزاء وسال نحو الأرض ليتحول إلى رماد. وتساقطت الحجارة وأغصان الأشجار وما شابه ذلك نحو الأرض كما هي.
تيتانيا التي كانت تنظر إلى الوحش السحري وهو يتفتت إربًا، ذهبت كما هي إلى جانب الصخرة، ومسحت الساعد الذي يسيل منه الدم بالصخرة. أضاءت الصخرة بسطوع، ثم انطفأ الضوء. وبعد ذلك مع صوت دوي عظيم، انشقت إلى نصفين.
” الدوق الشاب! تحت الصخرة، يوجد درج.”
“أشعر بحركة أناس. يبدو أنهم الأشخاص المفقودون…….”
“هـ، هل حلّت سمو الأميرة كل هذا؟”
أصدر الفرسان أصواتًا متعددة. والدليل الذي كان سليمًا بشكل مثير للعجب وسط هذه الفوضى، نهض فجأة من مكانه وصرخ.
“أيها الأطفال! أيها الأطفال، هل تسمعون! إنه أنا!”
رايموند الذي لم يستطع إهمال ردود أفعال الناس أعطى تعليماته لرجاله.
“……لعل الأمر يتطلب ذلك، شكلوا مجموعات وكونوا على حذر، واستكشفوا الدرج. وإذا كان هناك ناجون فأنقذوهم وإذا ظهر وحش سحري فاقضوا عليه.”
“نعم!”
بعد ترتيب الوضع بشكل عام فقط، تمكن رايموند من الاقتراب من تيتانيا. كانت تيتانيا تجلس بعشوائية بعد اختيار مكان مناسب بين قطع الصخر المتناثرة. وكان موقفها غير مبالٍ بقطرات الدم التي تتساقط من ساعدها.
“سمو الأميرة. أستسمحكِ عذرًا، ولكن ما الذي جرى قبل قليل…….”
“آه. يبدو أن دمي سمّ بالنسبة للوحوش السحرية. ذاك ممم…. يبدو أنه حاجز قديم من الماضي، أو شيء من هذا القبيل. ويبدو أنه فُعّل طبيعيًا لحماية الأطفال من الوحش السحري. ومسحتُ دمي تحسبًا لأي شيء، فإذا كان قد تفاعل بتلك الطريقة. هل يا ترى هو جهاز وضعه شخص مثل الإمبراطور الأول في الماضي؟”
كان صوت تيتانيا غير مبالٍ. وطريقة كلامها نفسها كانت بالتأكيد كالعادة. فقط، لو كان الوضع كالمعتاد لكانت قد نظرت إلى رايموند وابتسمت بخفة.
‘لدي أفكاري الخاصة التي جعلتني أفعل هذا، ولكن، ممم، سيقلق مجددًا. كيف يجب أن أتحجج….’ كان ذلك نوع الأفكار التي تظهر في عينَيها.
كانت تيتانيا كثيرة العاطفة. وبالتأكيد لهذا السبب، كانت تظهر أحيانًا مظهرًا غير ناضج كطفل مجروح مع وضع حدود واضحة. ولكن المظهر الذي كان أكبر بكثير من ذلك المظهر.
كان مجرد الابتسام وقول ‘لا بأس’. لم يكن الأمر شيئًا يذكر! انتهى الأمر بسلام! دائمًا ما تبتسم هكذا فقط. وتقول ‘أنا آسفة’ للذين يقلقون عليها.
ولكن حدقتاها قبل قليل كانتا غير حاسّتين بشكل فظيع. ماذا ينبغي أن يطلق على تلك العينَين.
آه، توجد ‘أداة’ مفيدة هنا.
والمظهر الذي تستخدم فيه دمها وكأنها تتعامل مع سلاح فعال……. …أجل. قبل أن تأتي بيبي. بدا الأمر وكأنه رايموند نفسه الذي كان يستخدم كل شيء بناءً على الحاجة وبلا مبالاة.
“لم نكن نصل إلى درجة عدم القدرة على القضاء على الوحش السحري إطلاقًا. لو انسحبنا وعدنا بعد التحضير السليم.”
“علينا إنهاء الأمر بسرعة والعودة.”
“لم تكن هناك حاجة لإحداث جرح بنفسكِ…….”
“أنا لا أحتاج لاستخدام ذراعي لذا لا بأس. الجرح لن يلتهب.”
“…….”
“انظر، سير رايموند.”
كانت ضحكة تيتانيا خفيفة بلا حدود.
“لم يمت أحد. والمفقودون يخرجون من ذلك الممر أيضًا. والأطفال، رغم أن وجوههم تبدو متعبة بعض الشيء إلا أنهم يبدون بخير.”
“…عليكِ علاج ذراعكِ.”
“لقد خرج القليل من الدم فقط وليس جرحًا عميقًا. والشريان سليم. لابد أنك رأيت الكثير من هذا في ساحة المعركة.”
تملك رايموند شعور غريب. لماذا تقول الأميرة كلامًا بنبرة ‘لم ألمس الشريان أيضًا لذا لا بأس’ وهي تحز ذراعها بنفسها؟ كشخص سال منه الدم بعد لمس الوريد أو الشريان لمرات لا تُحصى؟
“…أنا لدي مهمة حماية سمو الأميرة. لقد قلتِ إنني صديق لسمو الأميرة، فهل تنوين عدم الاستماع حتى لكلمة واحدة بالذهاب للعلاج؟”
كبح رايموند شيئًا ما يرتفع باستمرار من أعماق مشاعره. وسحب الذراع البيضاء وأخرج قماشًا أبيض من صدره وربطه بقوة بحيث يرتدئ الدم.
“عندما نعود إلى العربة، سأتلقى العلاج السليم على أي حال كما قلتُ.”
“……ستقلق بيبي.”
“آه، صحيح. بيبي…….”
رمشت رموش تيتانيا ببطء. وبدت وكأنها تفكر في شيء ما، ثم عادت إلى وجه يبتسم بخفة. ليس لأنها سعيدة فتبتسم، بل لأن جعل أي تعبير آخر غير ذلك كان مبهمًا. وكأنها تفعل ذلك عندما تريد التملص من كل شيء فقط.
“مع ذلك لا بأس.”
” …….”
“يكفي أن تكون بيبي آمنة…….”
“إذا سمعت بيبي هذا فستحزن. …سمو الأميرة. أستسمحكِ عذرًا.”
فكر رايموند لبرهة. هل طرح مثل هذا السؤال يعد تجاوزًا لـ ‘الخط’ الذي تضعه تيتانيا؟ ليس هناك قانون ينص على أن يتشارك الجميع كل شيء، ولكن تيتانيا الذكية كانت تعلم أيضًا أن عائلة كاستراين تخمن معلوماتها إلى حد ما.
ومع ذلك كانت هناك أشياء لم تسأل عنها عمدًا. من أين حصلت تيتانيا المعزولة داخل القصر الإمبراطوري على معلومات حول <شارة غلوريانا>، وما هي حقيقة ذلك السيف. وبالملاحظة لنوع القوة التي تستخدمها تيتانيا، فإنها بوضوح مستخدمة حقيقية لقوة الضوء…….
“…ما الذي حدث لكِ قبل قليل؟”
لم تكن تفسيرات تيتانيا بلا معنى. تمامًا كما توجد مرافق أو آثار من عهد الإمبراطور الأول داخل القصر الإمبراطوري لم تتمكن عائلة كاستراين من إدراكها جيدًا، فقد توجد أشياء مشابهة في أرجاء الإمبراطورية. وكان ظهور وحش سحري أو حاجز فجأة في مكان ليس بعيدًا جدًا عن العاصمة أمرًا غريبًا ليكون مصادفة. ولكن في الأصل فإن الطرف الذي خطط لرحلة الذهاب نحو عائلة كاستراين كان جانب عائلة كاستراين. أجل، إنها قصة يمكن التغاضي عنها هكذا.
“يكون من الجيد لو كان الأمر مجرد وهم مني، ولكن يبدو بطريقة ما…….”
…محفوفًا بالمخاطر. في الأصل، لو كانت تيتانيا التي يعرفها، لما كانت لترد بتلك اللا مبالاة على جملة ‘ستقلق بيبي’. بل كان ينبغي لها أن تحدث جلبة مثل
‘هه! بيبي، مع ذلك لو قلتُ إنني لم اكن اقصد ذلك فهل ستقفون في جانبي؟’
وكأنها تحاول الطمأنة بحق بأن هذا الأمر ليس بالشيء الجلل.
تيتانيا لم تعتمد على أحد، ولم تترك أمرًا واحدًا يسبب الإزعاج. وتصرفت كطفل لا يحتاج لرعاية ولا يترك سوى كلمة ‘كل شيء على ما يرام’. ولكن موقفها قبل قليل، بدلاً من أن يكون كطفل يتوق لمودة الكبار ويتم عمله ليكون بالغًا………. ممم. كان كطفل يجلس على حافة مبنى مرتفع ويهز رجليه في الهواء متسليًا وهو يرى أن كل شيء لا حاجة له.
لاقت العينان بعضهما. وحبس رايموند أنفاسه دون أن يدري.
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.