الفصل 140
“لا، تـ، تعنين أنَّكِ متعاقدةُ حاكم الضَّوء؟ وتطلبين مُساعدتي لإنقاذِ العالَم؟ لقد نبشتِ خلفيَّتي لتصلي إليَّ، وظننتُ أنَّكِ ستصبِّينَ غضبكِ عليَّ لِكوني تركتُ وحشاً كهذا يتجوَّلُ في مجتمعِ البشرِ دونَ أن أعلمَ ما قد يرتكبهُ من فظائع، ولكن عوضاً عن ذلك…….”
نظرتُ إلى فان الَّذي كان يسرقُ النَّظراتِ إليَّ بحذر، وتملَّكني شعورٌ غريبٌ بالـ “ديجافو”.
تهرُّبهُ المُستميتُ من مواجهةِ السَّيف الَّذي وجَّهتُهُ إليه-معتبرةً أنَّني لن أخسرَ شيئاً لو نالَ بضعَ ضرباتٍ تملأُ جوفي راحة-واختلاقهُ للأعذارِ تلو الأعذار، بدا مألوفاً للغاية. أين رأيتُ هذا من قبل؟
أجل، فلوكس! ذلكَ الفتى كان ينظرُ إليَّ تماماً بهذهِ العينين. وبما أنَّهُ كان صغيراً نسبيّاً ولم يعثر على حلٍّ لمشكلته، كانت حالتُهُ النَّفسيَّةُ هشَّةً كالبسكويتِ المُتفتِّت. وحَسناً، تِلك الفعلةُ المجنونةُ المتمثِّلةُ في اختطافِ شخصٍ دون موافقتهِ قد تَمَّ تقويمُها بنجاحٍ بفضلِ ضربات المُقدَّسة للمَثوبة والأدب البَدنيّ…
‘اسمعي.’
-نعم، متعاقدتي؟( ´ ▽ )
‘لماذا يملكُ سُكَّانُ هذا العالَم رغبةً عارمةً في التَّكتمِ وإخفاءِ المشاكلِ بمجرَّد ظُهورها؟ يظلونَ يُخفونها ويطمسونها حتَّى تتراكمَ وتنفجرَ في النِّهاية، ألا يَعنونَ بذلكَ دمارَ هذا العالَم؟ هل يعيشون في هذا العالَم بمفردهم؟ هل هذا العالَم مِلكٌ شخصيٌّ لهم؟! لو كانوا يعيشون بمفردهم، لكان بإمكانهم الهلاكُ بمفردهم دونَ إقحامِ الآخرين!’
-(╯•﹏•╰)…….
‘لقد ظننتُ حقّاً أنَّ عائلة كاستراين تُشبهُ قائدَ مَشروعٍ جَماعيٍّ تَعيس، يَتحمَّلُ عبءَ إمبراطوريَّةٍ هالكةٍ على كتفيهِ ويحاولُ المضيَّ بها قُدُماً بشتَّى الطُّرق، ولكن يبدو أنَّني أصبحتُ قائدةً لمجموعةٍ أخرى أساساً……. بدأتُ أشكُّ بجدِّيَّةٍ في أنَّ كوني صيداً سهلاً أو “مُغفَّلة” يعني بالضَّرورةِ أنَّني الشَّخصُ الَّذي يجبُ عليهِ جَمعُ النَّاسِ وتشكيلُ فريقِ الأحلامِ لحلِّ المعضلة.’
-أوه، اِ، اِستجمعي قُوَّتكِ……؟ فأنا…. هُنا بجانبكِ، أليسَ كذلك؟(´·_·)
بينما كنتُ أتبادلُ أطرافَ الحديثِ داخليّاً مع سيفي، وجَّهتُ نظري نَحو سَيِّدِ البُرج السِّحريِّ السَّابق الَّذي كان يراقبني، وشعرتُ برغبةٍ عارمةٍ تحكُّ يدي للإمساكِ بتلابيبِ عُنقه، فشددتُ قبضتي بقوَّة.
“إنَّ الرَّغبةَ في…. صبِّ…. الغَضبِ…. ليستْ غائبةً عن ذهني تماماً…….”
السَّحرةُ يفتقرون إلى التَّواصلِ الاجتماعيّ.
يفتقرون إليه بشدَّة.
وفوقَ هذا، وبالتَّفكيرِ في هذا الوضعِ الفوضويِّ الَّذي تشهدهُ الإمبراطورية، فإنَّ وحشاً مُرعباً-وهو سَيِّدُ البُرج السِّحريِّ الأسبق-قد تعرَّض للتَّلوُّثِ والارتداد. إنَّهُ وحشٌ لم يَقوَ حتَّى تلميذهُ المُباشرُ على هزيمته.
وحتَّى لو قُمتُ بنشرِ هذهِ الحقيقةِ علناً وطلبتُ المُساعدة، فبدلاً من أن يُصدِّقَ النَّاسُ الأمرَ ببساطةٍ ويبذلوا جُهدهم لتطهيرِ واصطيادِ الوحشِ المَعنيّ، لربَّما اتَّخذوا من هذا الضَّعفِ ذريعةً لتكبيلِ البُرج السِّحريِّ بأكمله، أو مُطاردةِ السَّحرةِ ومُعاملتهم كُمذنبين.
ورُغْمَ أنَّ الطَّرفَ الآخر قد هربَ وعاشَ على هَواهُ، إلَّا أنَّهُ يبدو قد بذلَ جُهداً بطَريقتهِ الخاصَّةِ للبحثِ عن حلٍّ للمشكلة.
أجل! هذا هو الأمر! قُمتُ بالابتسامِ بينما كانت شفتايَ ترتجفان.
آه، ليتَني أستطيعُ لَكمهُ عشرَ لَكماتٍ فقط لتَهدئةِ رُوعي.
“……إنَّ نَقصَ المَهارةِ ليسَ جريمةً على أيِّ حال! ما العيبُ في أن يكونَ التِّلميذُ أقلَّ مَهارةً من مُعلِّمه، هذا أمرٌ طَبيعيّ، بالطَّبع! هاها!”
“………….”
تشوَّهت تعابيرُ وجهِ فان بغرابة. رُغْمَ أنَّ كلامي كان صحيحاً، إلَّا أنَّ الاستماعَ إليهِ بهذهِ الطَّريقةِ قد جعلَ مِزاجهُ سيِّئاً على ما يبدو.
“…لا، تعنين، مُعلِّمي كان عَبقريّاً بذاته، ولكن عندَ التَّورُّطِ في السِّحرِ الأسود، يُصبحُ بمقدورِ المَرء استخدامُ قوَّةٍ تتجاوزُ مَهارتهُ الأصليَّة بكثير، هل فَهِمْتِ؟ أنا لستُ بهذا الضَّعف!”
“نعم، نعم، على أيِّ حال……. السَّحرةُ المَوجودون في البُرج السِّحريِّ الحَالي لا يملكونَ أيَّ فِكرةٍ عن هذهِ الحقيقة، أليسَ كذلك؟ لقد أخفيتَ الأمرَ لأنَّ إعلامَهم لن يُقدِّمَ أيَّ عَوْنٍ بسببِ مَهاراتهم. رُغْمَ أنَّني لا أعلمُ ما الَّذي يَصنعهُ وفي أيِّ مكان، إلَّا أنَّهُ يبدو على وفاقٍ تامٍّ مع تشيرنوبوغ على أيِّ حال…….”
“……لقد قُمتُ بتتبُّع آثارِ مُعلِّمي بطَريقتي الخاصَّة، ولو تركَ أثراً كبيراً لكنتُ قد انتبهتُ إليهِ بالتَّأكيد.”
“سنتحدَّثُ عن التَّفاصيلِ لاحقاً.”
وجَّهتُ نظري نَحو جُموع النَّحلِ الَّتي كانت تتناثرُ في الفضاءِ وتتحوَّلُ إلى حِفنةٍ من الرَّمادِ على الأرضِ قبلَ أن تُشتِّتها الرِّياحُ وتَختفي، وقُمتُ بتجعيدِ ما بينَ عينيَّ.
تناهى إليَّ صَوتُ رايموند وهو يُناديني بنبرةٍ خَافتة.
أجل، لقد أمضيتُ فترةً طَويلةً جدّاً وأنا مُختبئةٌ في الشُّرفة. وحانَ الوقتُ لكي يبدأَ النَّاسُ بالبحثِ عنِّي. قُمتُ بتثبيتِ السَّيفِ ببَراعةٍ داخِلَ أطرافِ ثوبي، ثم سألتُ بصَوتٍ سريعٍ كطَلقاتِ الرَّصاص.
“آه، هل ستُقدِّمُ المُساعدة أم لا؟ بَدئيّاً، سأُساعِدُكَ في تتبُّع أثرِ مُعلِّمك. ولكن يبدو أنَّهُ يتعيَّنُ عليكَ تقديمُ بعضِ التَّعاونِ لي أيضاً. فبمجرَّد النَّظرِ إلى الأمر، يتَّضحُ أنَّهُ خَصمٌ لا يُمكِنُكَ مواجهتهُ بمُفردك.”
“………. هُناك الكثيرُ من الأمورِ الَّتي أرغبُ في سُؤالكِ عنها، ولكن، حمم. بَدئيّاً، سأتعاملُ على أساسِ التَّعاونِ بافتراضِ أنَّ كلامَ سُموِّ الأميرةِ هو الحَقيقة…….”
“نعم. هذا أمرٌ جَيِّد.”
بينما كنتُ أستمعُ إلى صَوتِ فان، قُمتُ بتقديرِ المَسافةِ بينَ الشُّرفةِ والأرضِ بالخارج.
الحُرَّاس…. لا يبدو هُناك وُجودٌ لأحد. وحَسناً، بما أنَّ الهُجومَ كان بواسطةِ جُموع النَّحل، فمِن الطَّبيعيِّ ألَّا يتركوا أيَّ شُهودٍ عِيان. استمعتُ إلى صَوتِ خُطواتِ النَّاسِ الخَافتة وصَوتِ رايموند وهو يتنحنحُ عمدًا.
ألقيتُ نظرةً خاطفةً على البابِ الَّذي كان أوشك على الانفتاحِ حتماً، ثم وجَّهتُ حديثي نَحو فان قائلةً:
“إذن، لنلتقيَ لاحقاً!”
“…عُذراً؟”
ابتسمتُ بإشراقٍ ودَفعتُ فان نَحو خارج الشُّرفة. تعرَّضَ فان للدَّفعِ نَحو الفَراغ مباشرةً، وراحت أصابعهُ تُشيرُ إليَّ بذُهولٍ شَديدٍ وهو يَهوي إلى الأسفل.
“واو، إيـ، إيهههه! أنتِ أيَّتُها المَجنونة………!”
استمعتُ إلى صَوتِ لَعناتِ فان الَّتي بدأت تبتعدُ وهو يُلوِّحُ ذِراعيهِ في الهواء.
“تصرَّفْ واخرجْ بطَريقتكَ الخاصَّة! على أيِّ حالٍ سُمعتُكَ مُحطَّمةٌ أساساً، ولن يتسبَّبَ اختفاؤك دونَ إلقاءِ التَّحيَّةِ على صاحبِ المَنزلِ في إفسادِ شَيءٍ إضافيّ!”
“أيُّ أميرةٍ مَجنونةٍ هذهِ الَّتي توجدُ في هذا العَالَم………!”
أن أستمعَ إلى كَلمةِ “مَجنونة” من شَخصٍ يَعِيشُ حَياتهُ بطَريقةٍ طَّائشةٍ لَأمرٌ يدعو للخَجلِ حقّاً.
ولكنَّني قُمتُ بإحاطتهِ بقوَّةِ الرِّياحِ بشكلٍ جَيِّد، لِذا لن يتعرَّضَ لأيِّ أذى!
لقد شاهدَ وحوشاً سِحريَّةً تُهاجمُ أمامهُ مباشرةً واكتفى بحَرق تَبغهِ والنَّظرِ إليَّ بتصرُّفِ ‘آه، اِفعلي ما شِئتِ’، لِذا كان عليَّ القيامُ بمِثل هذا الانتقامِ البسيطِ لتَهدئةِ نَفسي.
بينما كنتُ أتصرَّفُ بهُدوءٍ وكأنَّ شيئاً لم يكن، انفتحَ البابُ بصَوتِ صَريرٍ خَفيف. ودَخلَ الكونت أورلاند والأميرةُ السَّابقة فالنتينا. وخلفهما كان رايموند يَتبعُهما وكأنَّ كلَّ شيءٍ طَبيعيّ.
“ألم تقضي فترةً طَويلةً في تنشُّق الرِّياح بالخارج يا تيتانيا؟ أنا قلقةٌ من أن تُصابي بنزلةِ بَرْد.”
“لأنَّ مَشهدَ الحَديقةِ الَّذي يُمكِنُ رُؤيتهُ من هُنا خَياليٌّ للغاية.”
اقتربتُ من فالنتينا بابتسامةٍ مُشرقة، وألقيتُ نظرةً على مَشهدِ قاعةِ الحَفلات من خِلالِ البابِ المَفتوح. وبخلافِ ما كان عليهِ الوضعُ قبلَ قَليل، كان المَكانُ هَادئاً بعضَ الشَّيء، ويبدو أنَّ النَّاسَ قد غَادروا أو أنَّ الأوضاعَ قد تَمَّت تسويتها.
أحاطت فالنتينا كتفي بذِراعها وتَحدَّثت بنبرةٍ وِدِّيَّة.
“أخوكِ غيرُ الشَّقيق، يبدو أنَّهُ قد أُعجِبَ بآنسةِ عائلة الكونت أورلاند.”
“……….”
شعرتُ وكأنَّ شخصاً ما قد غَرسَ قِطعةَ جَليدٍ في عَمودي الفِقريّ. وعندما ألقيتُ نظرةً جانبيَّةً خاطفة، وجدتُ أنَّ وجهَ كونتيسة أورلاند كان شَاحباً للغاية. ورُغْمَ مُحاولتها الابتسام، إلَّا أنَّ عينيها كانتا مَليئتينِ بالقلقِ والهَمّ.
“أخي لم يَحضر مِثل هذهِ الفعاليَّاتِ الاجتماعيَّةِ منذُ فترةٍ طَويلة……. لِذا، لستُ أدري، أليسَ هذا مُجرَّد تصرُّفٍ نَبيلٍ لإظهارِ الاحْترامِ لعائلة الكونت أورلاند الَّتي استضافتِ الحَفْل؟”
“لقد طَلبَ مِنها الرَّقصَ لمرَّتينِ مُتتاليتين. ورُغْمَ أنَّ الآنسةَ جون لم تكن في حَالةٍ صِحِّيَّةٍ جَيِّدةٍ وتَوجَّهت إلى غُرفةِ الاستراحةِ لترتاح، لِذا رقصت مَعهُ لمرَّة واحدةٍ فقط.”
“هكذا إذن. ألم تكن هُناك أيُّ آنسةٍ أخرى لفتتِ انتباهَ أخي؟”
“يبدو الأمرُ كذلك. لقد ألقى التَّحيَّةَ عليَّ، وغَادرَ المَكانَ قائلاً إنَّ بَقاءهُ لفترةٍ أطولَ قد يتسبَّبُ في إزعاجِ الآخرين.”
هو يَرغبُ في خَوْضِ مَعركةٍ شَرِسةٍ إذن؟
هو يُريدُ إيصالَ رِسالةٍ مَفادها: ‘إذا اقتضى الأمر، لا يُمثِّلُ لي أيَّ مُشكلةٍ أن أقومَ بالخُطوبةِ من آنسةٍ تَنتمي لعائلةٍ تُعدُّ تابعاً لعائلة كاستراين’، أليسَ كذلك؟
أدريان وبريان، كِلاهما لا يملكُ خَطيبةً بعد. وبناءً على عائلةِ الآنسةِ الَّتي سيتمُّ الخُطوبةُ مِنها، ستظهرُ بوضوحٍ النِّيَّةُ والمَكانةُ الَّتي يرغبُ كلٌّ منهما في اتِّخاذِها تِجاه وِراثةِ العَرش الإمبراطوريّ……. بالإضافةِ إلى أنَّ هذا سيُشكِّلُ البِدايةَ الفِعليَّةَ للمَعركةِ الشَّرِسة.
ومع ذلك، في قاعةِ الحَفلات اليوم، قامَ باختيارِ الآنسةِ جون بالذَّات-الَّتي ارتبطتْ قضيَّتُها بيني وبين رايموند-ليَطلبَ مِنها الرَّقصَ لمرَّتين ثم يُغادِر؟ هذا سيتسبَّبُ في فوضى عارِمة. فبينَ الأشخاصِ الذين يَدعمونَ بريان، هُناك الكثيرُ من النُّبلاءِ الذين يَقِفونَ في صَفِّهِ رغبةً في أن تُصبحَ بناتُهم زوجاتٍ للأمير، أو إمبراطوراتٍ في المُستقبل. وقِيامهُ بتصرُّفٍ قد يُثيرُ رَدَّ فِعلٍ عَنِيفاً منهم؟
همم، يَبدو أنَّ ذكاءهُ قد ازدادَ بشدَّةٍ حقّاً. وكأنَّهُ قامَ باستبدالِ عَقلهِ بالكامل. فبالتَّفكيرِ في تصرُّفاتِ كرون الَّذي هاجمَني في حَفْلِ القَرابين، بدا وكأنَّ مَحتوياتِ رأسهِ كانت مَحشُوَّةً بالقَشِّ فحسب. ابتسمتُ بإشراق.
“إذن، يتعيَّنُ علينا نحنُ أيضاً العَودةُ إلى القصرِ الإمبراطوريّ، أليسَ كذلك؟ عندما يستمعُ أخي الأكبر أدريان إلى هذهِ الأخبارِ اليوم، سيشعرُ بالسَّعادةِ بشدَّة.”
أجل، بما أنَّها البِدايةُ الفِعليَّةُ لمَعركةٍ شَرِسةٍ لم يكن يرغبُ فيها، فمِن المُؤكَّد أنَّهُ سيشعرُ بالابتهاجِ تَهكُّماً……. وجَّهتُ نظري نَحو رايموند الَّذي كان ينظرُ إليَّ بعينينِ مَليئتينِ بالمَشاعرِ المُعقَّدة، وابتسمتُ لهُ وكأنَّ شيئاً لم يكن.
واو، إنَّها حَفلةُ ظُهورٍ رسميٍّ مَليئةٌ بالأحداثِ والمَصاعبِ حقّاً.
***
تُطلقُ كَلمةُ “الوحشِ السِّحريّ” عادةً على الحَيواناتِ الَّتي تلوَّثت بالطَّاقةِ الشيطانية وفقدت مَظهرها الأصليّ، وأصبحت تَتوقُ إلى الدِّماءِ والحَياة.
ولكن، بالمعنى الجَذريِّ والعَميق، يُعدُّ “الوحشُ السِّحريّ” خَادماً يَتبعُ حاكم الظَّلام. والوحشُ السِّحريُّ الَّذي يَكتملُ تكوينهُ تماماً يكونُ خَطيراً للغاية، ومِن الصَّعبِ قتله، وفوقَ هذا…….
-كراااتش.
…يُظهرُ رغبةً عارِمةً في العَودةِ للحَياةِ بطَريقةٍ ما.
-كرااتش، كِريييتش، كِريييك…….
حبستْ بيبي أنفاسَها. ورَفعت يديها بغَريزةٍ لِتُغلقَ فمَها بإحكام.
تناهى صَوتُ مَضغِ شيءٍ ما من أَعماقِ الأرض. وبدا الأمرُ وكأنَّهُ صَوتُ مَضغِ قُشورِ الخَيزرانِ أحياناً، وصَوتُ مَضغِ المَعادنِ أحياناً أخرى.
وبغضِّ النَّظرِ عن النَّوع، كان الأمرُ بعيداً كلَّ البُعدِ عن الطَّبيعيّ. شَدَّ ريسيانثوس ذِراعهُ الَّتي تحتضنُ بيبي بقوَّة. وكان ‘شيءٌ ما’ يَقومُ بخَدشِ ما يُتوقَّعُ أنَّهُ جِدارُ الفَجوة الأرضيَّة.
كراك، كِرييي، كِريييك، تاف.
صَوتُ صِراعٍ وتَخبُّط. وصَوتُ سُقوطٍ وتَهاوٍ………. وكأنَّهُ يَتَفاعلُ مع الضَّوضاءِ الَّتي أحدثتها بيبي و ريسيانثوس.
“…أخي.”
“اششش، بيبي . نحنُ لا نَعلمُ أيُّ نَوعٍ من المَخلوقاتِ يكون. لنلتزمِ الهُدوءَ في الوقتِ الحَالي ثم…….”
“أخي. أشعلِ النِّيرانَ لقليلٍ من الوقت.”
“……….”
أرادَ ريسيانثوس الاعْتراضَ على كَلامِ بيبي ، ولكنهُ استسلمَ تِجاه نظراتِ عينيها الثَّابتة. وأشعلَ النِّيرانَ في بضعِ أغصانٍ جَافَّةٍ كان قد أحضرَها معهُ من الخارجِ للاحْتياط، فارتفعت شُعلةٌ تَحملُ مَناطقَ تُضيءُ ببَياضٍ خَافت. ودونَ تردُّد، ألقت بيبي بتِلك الشُّعلةِ نَحو الفَجوةِ العَميقةِ الَّتي لا نِهايةَ لها.
“مهلاً، أنتِ ……!”
تودوك، توك….
كيااااااااااك!
حينها فقط أُضِيئت أَعماقُ الأرضِ المُظلمة. وأرادَ ريسيانثوس سَحْبَ بيبي بعيداً عن حَافَّةِ الفَجوةِ خَوفاً من تَعرُّضِها للخَطر، ولكنهُ فَقَدَ القُدرةَ على الكَلامِ بمجردِ رُؤيةِ المَشهدِ في الأسفل.
لقد كان شيئاً يَبدو صغيراً وحَقِيراً للغاية. وإذا تَمَّ تشبيههُ بالحَشرات، فماذا عساهُ أن يكون؟ فَرَسُ النَّبيّ؟ يَرقةُ البَعوض؟ كانت مَجموعةٌ من الكَائناتِ السَّوداء النَّحيلةِ الَّتي تُشبهُ الأغصانَ الصَّغيرةَ تَتَجمَّعُ وتَدْفِنُ أجسادَها في تَلَّةٍ صَغيرةٍ مَصنوعةٍ من شَظايا الأحجارِ السِّحريَّةِ المَكسورة، وراحت تَنكمشُ وتَصْرخُ ذُعراً تِجاه هُجوم الشُّعلةِ النَّاريَّة.
وعلى الأرضِ الَّتي كانت تَحترقُ فيها تِلك الكَائناتُ السَّوداء…….
“…تِلك عِظام.”
بَقايا وحشٍ سِحريٍّ لابدَّ أنَّهُ كان ضخماً للغايةِ في حَياته.
وفوقَ العِظام الَّتي لم يتبقَّ سِواها، كانت تَطفو جُموعٌ من المَخلوقاتِ المُضيئةِ الزَّرقاءِ كأنَّها لَعنةٌ تُحيطُ بالمَكان.
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.