الفصل 134
كان ‘بريان’ يشعر بالاستياء الشّديد بعد سماعه لتحذير إيدريان-الذي لم يكن تحذيرًا تمامًا-لكنّه رُغم ذلك قرّر الذّهاب إلى عائلة ماركيز لاند في النهاية.
لقد عقد العزم على توجيه طلبٍ إلى ماركيز لاند-لم يكن طلبًا تمامًا-بأن يدعمه بشكلٍ حاسم.
وبما أنّه يضع نظرات الإمبراطور في الحسبان على أيّ حال، فقد كان يشعر بغيظٍ شديدٍ من حقيقة أنّه مُجبرٌ على مراعاة نظرات الآخرين والبقاء هادئًا لفترةٍ من الوقت.
أجل، لقد كان كذلك قبل أن يلتقي بالشّخص الذي أرسلته الإمبراطورة الاولى كليو إلى ‘بريان’.
ومنذ اللحظة التي التقى فيها بذلك الشّخص، تغيّر ‘بريان’.
لو كان خصمًا يملك قوّةً إراديةً أقوى قليلاً، لربما قاوم التّغيير الذي طرأ عليه.
ولكن بريان كان صاحب روحٍ هشّةٍ وأنانيّةٍ لم تشهد أيّ مصاعب في حياتها، فـ فقد ذاته تمامًا بعد أن فُتن بالصّوت الذي يتحكّم به.
لا، بل إنّ ‘التّغيير’ كان في الأساس مشابهًا لما كان يرغب فيه بريان تمامًا.
لقد وعده بمنحه القوّة.
القوّة التي تمكّنه من سحق كلّ أولئك الذين استحقروه واستهانوا به تمامًا.
القوّة التي لا يجرؤ الآخرون حتى على توجيه أنظارهم نحوها.
همس له ذلك الصّوت اللذيذ الذي يشبه مزيجًا من المارشميلو الطّريّ مع العسل والسّكر والزهور، قائلاً بنعومةٍ لـ’بريان’.
-أميري، لذلك…….
تلك العينان اللتان تلمعان بغموض، أيّ لونٍ كانتا؟
-……الآن، الآن عليك الكبت. يكفي أن تتحمّل لفترةٍ وجيزةٍ جدًّا. تمامًا مثل الشرنقة التي تخفي جسدها داخل الغلاف قبل أن تصبح فراشةً…….
وفجأة، كان آخر ما جال في خاطر ‘بريان’ من أفكارٍ هو شعوره بأنّ عينيّ الطّرف الآخر اللتين تنظران إليه كانتا خاليتين من المشاعر تمامًا وكأنّها تنظر إلى حشرة.
***
-متعاقدتي.
ناداني السّيف بصوتٍ منخفضٍ يحمل نبرة تحذير.
-أشعر بطاقةٍ مشؤومةٍ تنبعث من ذلك الرّجل!
‘………يبدو الأمر كذلك.’
انطباع بريان……. كان مختلفًا عمّا سبق.
في السّابق، كانت تظهر عليه ملامح النّشأة المُنَعّمة بحيث يمكن رؤية ما بداخله بوضوح، أمّا الآن، فإنّ مشهد انحنائه أمام فالنتينا وكأنّه يعتذر لها بصدقٍ من أعماق قلبه لم يكن بالأمر الطّبيعيّ إطلاقًا.
‘…هل وضعت متعاقدة تشيرنوبوغ يدها عليه؟’
-الاحتمال كبيرٌ للغاية!
قطّبت فالنتينا، التي كانت تراقب رَدّة فعلي لبرهة، زاوية عينها وفتحت فمها قائلة.
“…الأمير بريان، لم أكن أعلم أنني سأراك في مثل هذا المكان.”
“كم كانت كلماتي التّي وجّهتُها لعمّتي الكبرى تفتقر إلى اللباقة والمراعاة. كلّما فكّرتُ في كلماتي الطّائشة يوميًّا، كنتُ أشعر برغبةٍ في شنق نفسي والموت فورًا.”
“……….”
بدأ الناس يتذمّرون ويهمسون.
واختفت تمامًا الأحاديث عن الفستان الذي كان محطّ الاهتمام قبل قليل، وعن الكونتيسة غورديان التي كانت تابعةً لكليو.
“ولكن بما أنّ سموّ الإمبراطور قد منعني من البقاء في القصر الإمبراطوريّ، لم أجد طريقةً لطلب المغفرة حتى وإن كنتُ أرغب في ذلك. لقد أخبرني ماركيز لاند، الذي استقبلني أنا العاق، بالأنباء التّي تفيد بأنّ العمّة الكبرى فالنتينا ستخرج في رحلةٍ خارج القصر الإمبراطوريّ. رُغم أنني لم أتلقّ دعوةً……. ورُغم أنّ هذا قد يكون غير لائقٍ بحقّ الحاضرين هنا. إلّا أنني اعتقدتُ أنّ هذه المرّة هي فرصتي الحتميّة للاعتذار…….”
عندما ذكر ماركيز لاند، تحرّك حاجبا فالنتينا بضيقٍ طفيف.
حتى الكونتيسة غورديان، تابعة الإمبراطورة الاولى كليو، لم تكن تعلم بحقيقة ظهوري الأوّل هنا اليوم.
لقد فرضت فالنتينا والكونتيسة أورلاند سريّةً تامّةً على الأمر.
بالطّبع، بما أنّ فالنتينا لا تخرج خارج القصر الإمبراطوريّ كثيرًا، فقد كان بإمكانهم استنتاج احتمال حضور فالنتينا لمأدبة الكونتيسة أورلاند…….
‘ولكن بهذه السهولة؟’
“…قم الآن، لا يجدر بسليل العائلة الإمبراطورية أن يركع في أيّ مكان.”
“إذا لم تغفري لي العمّة الكبرى، فلن أقوم من هذا المكان.”
“………. الأمير بريان، إنّ توبيخي لك في ذلك اليوم كان بسبب. في ذلك اليوم الذي كادت فيه الإمبراطورة الثانية إلين والإمبراطورة الرسمية بيبليا أن تموتا في موقفٍ غايةٍ في الخطورة. كانت الإمبراطورة الاولى كليو هي من أشرفت على تلك المأدبة، لكنّ الأمير الذي هو ابنها أهانني متذرّعًا بمجرد الحفاظ على كرامة الإمبراطورة الاولى كليو. لم يكن الأمر غضبًا بسبب جرحٍ شخصيٍّ في مشاعري.”
“أجل، لقد كنتُ فظًّا وغير ناضج.”
“يجب على فرد العائلة الإمبراطورية بالطّبع أن يتحمّل المسؤولية مهما حدث، والإمبراطورة الاولى كليو تعرّضت للّوم لأنّها لم تؤدّ مسؤوليتها في العمل المُوكل إليها.”
“سأنقش نصيحة الكبيرة في أعماق قلبي.”
“…كفى، قم الآن.”
“حاضر.”
نهض بريان ببطءٍ أمام فالنتينا كحفيدٍ مهذّب.
ثم نظر إليّ وابتسم باعتذار.
“لم أكن أعلم أنني سأراكِ في مثل هذا المكان، تيتانيا. كنتُ أعلم أنّ العمّة الكبرى فالنتينا قالت إنّها ستتحمّل مسؤولية ظهوركِ الأوّل في المجتمع، لكنني لم أتخيّل أبدًا أن يكون ذلك اليوم، وفي مثل هذا المكان. إنّه اليوم الذي يجب أن تتّجه فيه الأنظار إليكِ وحدكِ، لقد كنتُ طائشًا.”
“لا عليكَ، يا أخي.”
ابتسمتُ ابتسامةً رقيقة.
ثم مددتُ يدي وتعلّقتُ بمرفق بريان.
انتفض بريان لبرهةٍ وجيزةٍ جدًّا، لكنّه لم يُبعدني.
وشعرتُ بنظرات رايموند القريب منّا، حيث كان يراقب الموقف بتوتّرٍ شديدٍ وكأنّه يوشك على التّدخل في أيّ لحظة.
منعتُ رايموند بمجرد إشارةٍ من عيني، ثم ابتسمتُ لبريان.
“إذا كانت العمّة الكبرى وأخي بريان سيتصالحان في يوم ظهوري الأوّل، فهل هناك ما هو أكثر بهجةً من ذلك! إنّه حقًّا يومٌ مبارك، رُغم أنني لم أكن أعلم أنني سأراك في مثل هذا المكان. بما أنّه يومٌ طيّب، هلّا رقصتَ معي؟”
‘سيف؟ أيّها السّيف. سأحاول إجراء اتصالٍ جسديٍّ بأيّ طريقة. ألا يمكنكَ القيام بفحصٍ أكثر دقّة؟’
-أووه، لا يمكنني الضّمان، لكنني سأبذل قصارى جهدي! ૮( ´⁰▱⁰` )ა ولـ، ولكنّكِ لا ترتدين ‘شارة غلوريانا’ اليوم حتى……. ولم نلمسه بجسدي الأصليّ أيضًا، لذا ما لم ينزف دمًا، فإنّ الحدود…….
‘ابذل جهدك أولاً.’
تأمّلني بريان لبرهةٍ قصيرةٍ وكأنّه يفحصني.
ثم ابتسم بوضوحٍ ومدّ يده إليّ.
“كيف لي أن أرفض طلب أختي الصّغيرة التي ترتدي هذه الملابس الجميلة؟ أنتِ حقًّا جميلةٌ اليوم، تيتانيا.”
“يا إلهي، يا أخي.”
عزفت الفرقة الموسيقية بذكاء.
وفي وسط الأجواء التي أصبحت أكثر صخبًا من ذي قبل، رقصتُ مع بريان رقصةً لم أكن لأرقصها أبدًا في الظّروف العادية.
وبما أنّه يوم ظهوري الأوّل، كنتُ أرتدي العديد من الثّياب بالإضافة إلى القفّازات، وكان بريان يرتدي القفّازات أيضًا.
ولم يكن هناك تلامسٌ للبشرة، أو وضعٌ للسّيف مباشرةً، ولذا كان من الصّعب اختبار ما إذا كان الطرف الآخر يستجيب لقوّة الضّوء بهذا فحسب…….
ولكن أثناء الرّقص، كان بإمكاننا التّحدث دون مضايقةٍ من أحد.
نظرتُ دون تردّدٍ إلى الطرف الآخر الذي كان يقود الرّقصة معي ببراعةٍ، وأدركتُ حينها.
‘هذا’ ليس بريان الذي أعرفه.
كانت عيناه اللتان تشبهان الحبيبات الزجاجية تبدوان تمامًا كأعين الزواحف.
حركات الرّقص بحدّ ذاتها كانت بارعة، لكنّها كانت صلبةً وكأنّ آلةً تمّ تدريبها على الحركات.
وحتى مع نفس حركات الرّقص، كانت تختلف عن الحركات التي تدرّبت عليها تيتانيا أمام المرآة وهي تتحمّل دموع الدم.
كيف أقول ذلك……. كانت أشبه برقصة السّيوف.
أو كرقصةٍ عسكرية.
كانت هناك مشاعر تشير إلى أنّها حركاتٌ تمّ تعلّمها لأنّها ضروريةٌ فحسب.
هذا غير منطقيّ.
لقد كان بريان يحبّ النّساء.
رُغم وجود رقابة كليو ومراعاته لنظرات الآخرين، ورُغم أنّه يكبح نفسه بشكلٍ مناسبٍ الآن لعدم وجود خطيبةٍ رسميّةٍ له.
إلّا أنّها كان يستمتع بإغواء الآنسات الصّغيرات والبريئات في المجتمع.
وبشكلٍ أكثر دقّة، كان يرغب في سماع المديح بأنّه أفضل من إيدريان.
ولذلك، كان قد تعلّم الرّقص بشكلٍ مناسب.
ولم يكن يفتقر إلى الإحساس بالجسد إطلاقًا، وبما أنّه نشأ في العائلة الإمبراطورية على أيّ حال، فقد كان معروفًا بأنّ رقصته ليست سيّئة.
ومع ذلك، لو كان بريان الذي أعرفه، فلن يرقص أبدًا مع تيتانيا بهذه الطّريقة في مثل هذا المكان.
“يا أخي، لقد تغيّرتَ كثيرًا، أليس كذلك؟”
“هل أبدو لكِ كذلك؟”
“أجل، لدرجة أنّك تبدو كشخصٍ آخر تمامًا.”
ابتسمتُ ابتسامةً مشرقة.
“بعد أن ارتكبتُ إساءةً بحقّ العمّة الكبرى وطُردتُ خارج القصر الإمبراطوريّ، قمتُ بمراجعة نفسي كثيرًا بطريقتي الخاصة. وقد قدّم لي ماركيز لاند أيضًا العديد من النّصائح المتنوّعة.”
“آه……. حقًّا؟”
“أخبرني أن أستعيد الهيبة اللائقة بالابن الأكبر للإمبراطور.”
“……….”
لم تكن هناك فرصةٌ كبيرةٌ للفوز ببريان السّابق.
فحتى الإمبراطور لم يكن بإمكانه تجاهل نوايا العائلات النبيلة تمامًا.
وبما أنّ اسم عائلة كاستراين أصبح أعلى قيمةً من سلطة العائلة الإمبراطورية، فما لم يكن هناك اتفاقٌ يقضي بـ ‘لنضع أحمقًا مثل بريان على العرش ونستمتع بالمزايا فيما بيننا’، فلم يكن هناك سوى القليل من الأشخاص الذين يدعمون بريان الذي يرتكب الفظائع علنًا ليكون وليًّا للعهد.
ولكن، إذا أظهر مثل هذا المظهر اليوم؟
“أخي، ألا تشعر بالقلق على سموّ الإمبراطورة الاولى كليو؟ لقد سمعتُ أنّها لا تخرج من قصر ديزي أبدًا.”
“يبدو أنّكِ تقلقين كثيرًا بشأن والدتي.”
دوران، دوران.
نتقدّم بالخطوات.
ومع تلامس الأيدي وابتعادها……. تظاهرتُ بالصّدفة وقمتُ بلمس طرف زينة الماس التي كانت معلّقةً كالحزام أسفل الخصر.
“تيتانيا، لقد كان تصرّفكِ رائعًا حقًّا عندما أنقذتِ سموّ الإمبراطورة الثانية إلين وسموّ الإمبراطورة الرسمية من خلال اتخاذ قرارٍ سريعٍ في القصر الإمبراطوريّ. لقد كان تصرّفًا جسورًا للغاية. ويحمل الحسم……. أن تسقط الإمبراطورة الثانية إلين التي كنتِ تحبّينها وتقدّرينها كثيرًا أمام عينيكِ. لو كان الوضع الطبيعيّ، لما تمكّنتِ من التّفكير في أيّ شيء.”
“ها ها، لم أكن أعلم أنّ أخي مهتمٌّ بي إلى هذا الحدّ!”
“في النهاية، نحن من دمٍ واحد.”
حان وقت انتهاء الرّقصة.
وأثناء الدّوران الأخير، تظاهرتُ بالصّدفة وضغطتُ بقوّةٍ على أطراف أصابع بريان.
الطرف الحادّ لزينة الماس التي كنتُ أقبض عليها في يدي يخترق القماش ويخدش الجلد.
“يا إلهي، يبدو أنّ القفّاز قد تمزّق. ماذا نفعل؟”
“يمكن حدوث ذلك.”
خلع بريان القفّاز الممزّق دون اهتمامٍ وألقاه على الأرض.
بنبرةٍ تشير إلى أنّه لا يهتمّ بمثل هذه الأشياء التي تضرّرت بالفعل.
“الأشياء الجميلة والثّمينة، تميل أحيانًا إلى العطب بسهولةٍ شديدة.”
“……….”
“لذا كوني حذرة، يا أختي الجميلة والنّبيلة.”
ولبرهةٍ وجيزةٍ جدًّا، ظهر وهمٌ وكأنّ عيني بريان قد صُبغتا باللون الأسود الداكن.
“إذا تعرّضتِ أنتِ أيضًا للعطب مثل هذا القفّاز، فكم سيكون ذلك مؤسفًا؟”
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.