الفصل 133
الشّخص الذي يقود صيحات الموضة في مجتمع الإمبراطورية ‘حقًّا’.
الشّخص الذي يتمنّى الجميع الحصول منه على فستانٍ واحد، أو على الأقلّ قفّازٍ أو مروحةٍ يدويّة.
الرّوح الحرّة التي لا تفعل شيئًا لا يروق لها، رُغم أنّه يستطيع جني الأموال كالمطر.
المصمّم المجنون الذي قدّم فستانًا مريعًا للإمبراطورة الاولى كليو، وعندما غضبت الإمبراطورة الاولى كليو غضبًا شديدًا، قال لها إنّ امرأةً نبيلةً مثل سموّ الإمبراطورة لا تفهم هذا ‘الفنّ’ وتغضب بسببه، وأعلن أنّه حزينٌ لدرجة الموت ثم أغلق مشغله لنحو نصف عام…….
كان يسير نحونا بخطواتٍ تتمايل كبرًا.
شعرٌ أبيض جافٌّ سُحبت منه الألوان صناعيًّا.
عينان أرجوانيّتان فاتحتان تفيضان بالملل.
عباءةٌ جلديةٌ قصيرةٌ تتدلّى منها سلاسل ذهبيّةٌ بكثافة، ترتدي فوق قميصٍ أبيض من الحرير الرّقيق.
وحتى جزمةٌ جلديةٌ تلتصق بساقيه بحكامٍ وتصل إلى ربلة الساق رُغم أنّه في الدّاخل.
رُغم أنّ المجتمع كان يطلب من الرّجال متطلّباتٍ أقلّ نسبيًّا مقارنةً بالنّساء، إلّا أنّ هذا المظهر كان استثنائيًّا ومن الصّعب العثور على مثيلٍ له.
عادةً، كان يجب إغلاق أزرار القميص حتى نهاية الرّقبة بإحكامٍ وتثبيت ربطة عنقٍ أو ما شابه بشكلٍ لائقٍ فوقها، وعند التّفكير في المعاملة التي تلقّاها ريسيانثوس لمجرد أنّه فتح بضعة أزرارٍ علويّةٍ ووُصف بالمتهوّر (لا، عند التّفكير في المشاكل التي تسبّب فيها ريسيانثوس في المناسبات الاجتماعيّة، أظنّ أنّ تلك المعاملة لم تكن ظالمةً له على الإطلاق)…….
الإمبراطورة الاولى كليو، حتى وإن كانت تسير كاشفةً عن خطّ صدرها في كلّ الأوقات، إلّا أنّ أولئك الذين ينظرون إليها باستياءٍ بسبب أصلها ومنشئها ينظرون إليها باستياءٍ لا حدود له، وبما أنّها إمبراطورةٌ في النهاية فلا أحد يمكنه قول شيءٍ لها، بل ويتمّ قبول الأمر تحت مسمّى الموضة.
ولكن ككفّةٍ موازية، كانت موضة الرّجال بشكلٍ عامٍّ ثابتةً ولا تتغيّر إلّا قليلاً من شخصٍ لآخر.
لم يكن الأمر يخلو من وجود سيّداتٍ أو آنساتٍ يصبغن شعرهنّ سرًّا للحصول على الشّعر الأشقر الذي يتوق إليه الجميع في المجتمع، لكنّ الرّجال هنا عادةً لا يصبغون شعرهم.
وبما أنّ ألوان الشّعر متنوّعة، فمن الطّبيعيّ أن تكون هناك ثقافةٌ لا تهتمّ حتى لو ظهر الشّيب.
ومع ذلك، فإنّ مظهر الرّجل الذي يسير وهو يتثاءب تاركًا شعره الأبيض الناصع المستخلص صناعيًّا بتكرار عملية سحب اللون يتدلّى بإهمال، كان يمثّل التّمرّد بحدّ ذاته.
التمعت الجواهر المتدلّية من الأقراط التّي تتمايل في أذنيه اللتين ثُقبتا في عدّة أماكن.
“يا إلهي، حقًّا. لقد استمعتُ واستمعتُ حتى عجزتُ عن التّحمّل لشدّة سخافة الأمر. تاريخ مجتمع الإمبراطوريّة، أو تاريخ الأزياء وما شابه……. أولئك المتعلمون الكسالى الذين لم يمسكوا مقصّ خياطةٍ مرّةً واحدةً يقومون بتدوين وتلخيص كلّ صغيرةٍ وكبيرة. لم يعجبني ذلك الأمر تحديدًا قطّ، ولكن، يبدو أنّ على الكونتيسة غورديان أن تشتري شيئًا من تلك الكتب وتقرأه؟”
“……… لا أعلم بأيّ نيّةٍ توجّه إليّ الإهانة في مثل هذا المكان، اللورد ميركوري؟ هو هو. إنّ صالون الخياطة الخاصّ بي يتبع التّقاليد، وهو مكانٌ عريقٌ وذو رقيّ.”
تطايرت ألسنة اللهب من عينيّ المرأة التي كبتت غضبها وتحدثت بهدوء.
وسواءٌ اهتمّ بذلك أم لا، فإنّ الرّجل الذي كان يحمل وجهًا مسترخيًّا وكأنّه يشاهد حريقًا عبر النّهر، أشار إلى ثوبي وضحك بصوتٍ منخفض.
“تتبعين التّقاليد حقًّا وتجهلين ما هو هذا الثّوب؟ فستان مأدبة استقبال الإمبراطورة السابقة؟”
“…عذرًا؟ لقد سمعتُ أنّ فستان مأدبة استقبال الإمبراطورة السابقة كان فستان إمباير مصنوعًا من الموسلين الأبيض! ورُغم أنّني لم أشارك في تلك المناسبة، إلّا أنّ شكله مختلفٌ عمّا ترتديه سموّ الأميرة، بالإضافة إلى…….”
“لا، إنّه معلّقٌ بوضوحٍ تامٍّ في منتصف الفستان. الزّنبقة الذهبيّة والماس.”
تأمّلت المرأة ثوبي مجددًا أخيراً، فشحب لون وجهها.
تحدثت الأميرة السابقة فالنتينا عمدًا، قائلةً إنّه لا داعي لتفصيل ثوبٍ جديدٍ لي.
‘في الحقيقة، إذا خرجتِ مرتديةً ثوبًا جديدًا صُنع ولم يُرتدَ قطّ، فكيف سيعرف الآخرون إن كان جديدًا أم قديمًا؟ ولكن في هذه الأثناء، أصبحت أحوال قصركِ الداخليّة معروفةً لكلّ من يهمّه الأمر، وحتى لو قمتِ بتفصيل ثوبٍ جديدٍ على عجل، فسيتسرّب خبر أين وماذا فصّلتِ. حسنًا، إذا استعنتِ بيد عائلة كاستراين، فسيكون بإمكانكِ صنع ثوبٍ جديدٍ دون أن يلحظ أحد. ولكن كما قلتِ، فإنّ ظهوركِ الأوّل يمثّل فرصةً عظيمةً، أليس كذلك؟ وأيضًا، أولئك القوم لن يتذكّروا حتى ماذا يعني ‘عائدٌ’ من طرفي.’
كانت الأميرة السابقة فالنتينا تملك الكثير من المال، وكانت علاقتها وثيقةً بالإمبراطور السّابق.
وكان هذا يعني أنّها تمتلك كمّيةً هائلةً من الثّياب النّبيلة التي تحمل تاريخًا لا يجرؤ الآخرون على التّشكيك فيه.
‘بالإضافة إلى ذلك، يميل الناس إلى نسيان الأشياء القديمة تمامًا وبشكلٍ غير متوقّعٍ عندما تتغيّر الموضة. على سبيل المثال، في العائلة الإمبراطورية، حتى لو قاموا بتطريز زهرة الزّنبق نفسها، فإنّهم غالبًا ما ينقشون هذا النّمط المبسّط. ماذا كانوا يقولون، لقد كان هذا الشّعار يخصّ إحدى العائلات العريقة التي اندمجت في العائلة الإمبراطورية قديمًا، ولذا بقي أثره. إنّها مجرد عاداتٍ لا تحمل معنًى كبيرًا، ولذا يسهل على الناس نسيانها. أما الإمبراطورة الاولى كليو، فقد اعتبرت الثّياب التي تتبع تقاليد العائلة الإمبراطورية القديمة تافهةً ولم تلتفت إليها حتى. وعلى الأقلّ، فإنّ سموّ الإمبراطورة الرسمية التي كان يجدر بها الاهتمام بهذه الأمور، قد ابتعدت عن الظّهور في المناسبات الرّسمية بزينةٍ زاهيةٍ وملائمةٍ منذ فترةٍ طويلةٍ بسبب تسلّط الإمبراطورة الاولى.’
بما أنّ أصل ومنشأ الإمبراطورة الاولى كليو كان ناقصًا، فقد تجاهلت عمدًا الأشياء التي يجب اتباعها وفقًا لتقاليد العائلة الإمبراطورية أو العادات.
وفوق ذلك، لم تكن الكونتيسة غورديان مدعوّةً إلى مأدبة استقبال الإمبراطورة السابقة والإمبراطور السّابق، فاكتفت بسماع كلمات الآخرين وظنّت أنّه فستانٌ من ذلك النّوع وانتهى الأمر.
ولذلك، لم يخطر ببالها إطلاقًا أن يكون ثوبي، الذي تغيّر شكله الكبير وأُضيفت إليه المزيد من الزّينة، هو ذلك الثّوب بعينه.
لقد كانت تظنّ في نفسها أنّها ملمّةٌ بمعظم الثّياب والموضة.
ولم تتخيّل أبدًا أن يكون هناك ثوبٌ لا تعرفه.
وتماشيًا مع ما يحدث في الدّراسة عادةً، حيث يشعر المرء في مرحلة العلم المتوسّط بأنّه الأكثر ثقافةً ومعرفةً على الإطلاق.
وبسبب تزيينه بالماس هنا وهناك، كان من الصّعب نسبيًّا ملاحظة زهرة الزّنبق المنقوشة على الجزء العلويّ من الفستان.
وخاصّةً أنّ صيحة الموضة الأخيرة في المجتمع كانت تتمثّل في تطريز الزّهور بشكلٍ واقعيٍّ ومبهرجٍ بأيّ طريقة.
‘لذلك، دعونا نراقب من سيهاجم أوّلاً، ومن سينبري للدّفاع……. وكيف يتصرّف الناس.’
امرأةٌ غريبة الأطوار رُغم أنّ خلفيّتها هائلة، إلّا أنّها لم تتحمّل وجود طفلٍ غير شرعيٍّ لزوجها واختارت العيش محبوسةً في فيلا خاصةٍ بها بيدها.
لم يكن هناك أحدٌ يجرؤ على استحقار الأميرة السابقة فالنتينا أمام عينيها، لكنّ تلك الصّورة بقيت راسخةً في الأذهان.
لذا، لو كانوا يعرفون كيف يحذرون من الخصم أكثر بقليل.
لكانوا فكّروا: ‘هل يمكن للأميرة السابقة فالنتينا أن تجعل الأميرة تيتانيا تظهر لأوّل مرّةٍ دون تفكير، وتلبسها بثوبٍ غبيٍّ لا أصل له لتجلب المشاكل؟’.
ولكن إذا كان التّابع المخلص للإمبراطورة الاولى كليو قد سمع أنّ الأميرة السابقة فالنتينا لم يتبقّ لديها الكثير من المال، ولم تتلقّ حتى دعمًا من العائلة الإمبراطورية.
فقد يفكر بمثل هذه البساطة.
بأنّها مجرد عجوزٍ جاهلةٍ لا تعرف الآداب المجتمعية بسبب بقائها محبوسةً في فيلتها لفترةٍ طويلة، وقد أنفقت المال فقط لتعديل ثوبٍ قديم.
وأنّها ستظنّ أنّه ثوبٌ جديدٌ طالما لم يره الآخرون.
وإذا قالت إنّه ثوبٌ جديد، فيكفي السخرية منها بالتّساؤل في أيّ صالون خياطةٍ شهيرٍ تمّ صنعه…….
دافعت الطّرف الآخر التي شحب وجهها قائلةً.
“حـ، حتى وإن كان فستان مأدبة استقبال الإمبراطورة السابقة حقًّا. ما هي العلاقة التي تربط الإمبراطورة السابقة بسموّ الأميرة تيتانيا حتى ترتدي هذا الثّوب في يوم ظهورها الأوّل؟ لقد وُلدت سموّ الأميرة تيتانيا بعد وفاة الإمبراطورة السابقة……!”
“هذا الجواب يجب أن أصدره أنا.”
ابتسمت الأميرة السابقة فالنتينا.
“لقد كانت سموّ الإمبراطورة السابقة تتمنّى الحصول على ابنة. وكانت تمسك بيدي أنا، أخت زوجها، وتتنهّد قائلةً إنّها تتمنّى لو كانت تملك ابنةً واحدةً فقط لتصنع لها ثيابًا جميلةً وتلبسها إيّاها. رُغم أنّ فستان الزّفاف يجب الاحتفاظ به كقطعةٍ تاريخيةٍ في العائلة الإمبراطورية. إلّا أنّها كانت تتمنّى بقاء فستان المأدبة محفوظًا لتوريثه لابنةٍ أو حفيدةٍ واحدةٍ فقط، وبقي ذلك في قلبي فاحتفظتُ به ظنًّا منّي أنّني سأعطيه لابنتي إن أنجبتُ واحدة.”
لو تمّ الإعلان عن الظّهور الأوّل على نطاقٍ واسع، لكانت السيّدات العجائز من جيل الأميرة السابقة فالنتينا اللواتي يعشن في عزلةٍ قد حرّكن خطواتهنّ الثّقيلة للحضور.
وأمام مثل أولئك الأشخاص، لم يكن أحدٌ يجرؤ على القيام بمثل هذه الحيل الصّغيرة.
“لقد كانت الكونتيسة غورديان متهوّرة. ولكن، بما أنّ سموّ الأميرة تيتانيا لم تكن معتادةً على المجتمع الراقي. فربما زادت في كلامها فقط بدافع القلق من احتمال ارتكابها لخطأٍ ما. لأنّها من الآن فصاعدًا ستضطر لتفصيل العديد من الثّياب الجديدة وبدء أنشطتها المجتمعية بشكلٍ جديّ.”
“هذا صحيح.”
ظهر زوجان تدخّلا في الموقف بكلماتٍ ناعمة.
كانا رجلاً وامرأةً يحمل كلٌّ منهما ملامح تبدو طيّبة.
ومن خلف هذين الشّخصين، اقترب شخصٌ جديدٌ غير غريبٍ علينا.
“أنا مرتاحٌ حقًّا لرؤيتكِ بصحّةٍ جيّدة، عمّة والدي.”
“………….”
“هذا ابن أخيكِ العاق، لم ينم ليلته وهو يفكّر في كيفية الاعتذار عن الإساءة التي ارتكبها بحقّ عمّة والده طوال هذه الفترة.”
لقد كان بريان الذي لم أره منذ فترةٍ طويلةٍ جدًّا.
كان وجه الكونتيسة أورلاند بلون التّراب.
قيل إنّهم رُغم كون الطّرف الآخر من عائلةٍ نبيلةٍ رفيعة، إلّا أنّهم لم يرسلوا بطاقة دعوةٍ إلى عائلة ماركيز لاند تحسّبًا لمثل هذا الموقف.
بالطّبع، رُغم ذلك، لم يكن بإمكانهم طرد أو إساءة معاملة نبيلٍ رفيعٍ حضر علنًا دون بطاقة دعوةٍ دون مقدمات……. وعادةً، كان هذا يُعدّ تصرّفًا يقلّل من قدر المرء، ولذا لم يكن أحدٌ يأتي دون دعوةٍ ما لم يكن يرغب في التعرّض للازدراء.
أجل، ما لم يكن يملك دافعًا بقوّة الأمير بريان.
ركع الأمير بريان أمام الأميرة السابقة فالنتينا التي تجمّدت باردةً كتمثال.
تفاكأ الجميع.
وانتشرت أصوات الهمسات بعيدًا مثل صدى يتردّد.
“هلّا غفرتِ لي، أنا العاق؟”
في العينين اللتين تطلبان المغفرة، لمح شيءٌ باردٌ وقاسٍ لا حدّ له، ثم اختفى كأنّه وهم.
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.