الفصل 132
“لقد كنتُ حاضرةً عندما ظهرت الإمبراطورة الثانية إلين لأوّل مرّةٍ في المجتمع. لقد كانت غايةً في الجمال وتصرّفاتها في منتهى الرّقيّ. حتى أنّ الجميع كان يتحدث بصوتٍ واحدٍ قائلين إنّهم لا يعلمون أيّ ابن عائلةٍ محظوظةٍ سيفوز بهذه الآنسة.”
كانت تبدو في نفس عُمر الإمبراطورة الثانية إلين تقريبًا.
تذكّرتُ الصّورة الشّخصيّة التي كانت مُرفقةً بسجلّ شخصيّات المجتمع الراقي الذي أحضرته الأميرة السابقة فالنتينا.
بما أنّ هذا هو ظهوري الرّسميّ الأوّل والفعليّ في المجتمع، لم يكن أحدٌ يطالب فتاةً مُبتدئةً بالتعرّف على شخصيّات المجتمع الرّاقي.
وبشكلٍ أدقّ، كان من المفترض أن تقوم المُرافقة الخبيرة بتقديم الطّرف الآخر ببراعةٍ وإدارة الموقف حتى لا تتعرّض الآنسة المسؤولة عنها لمثل هذا الموقف المُخزي.
ولكن في أيّ مكانٍ، كان هناك دائمًا وفرةٌ من الخبراء الذين يتمنّون رؤية المبتدئين يتعرّضون للتّوبيخ والإذلال.
فما بالكم بي أنا التي أحاول جاهدةً بناء موطئ قدمٍ لي داخل هذا القصر الإمبراطوريّ الذي تحكمه الإمبراطورة الاولى كليو بقبضةٍ من حديد، بينما تقبع الإمبراطورة الرسنية حبس أنفاسها مستسلمةً…….
“في النهاية، انتهى بكِ المطاف بجانب أنبل شخصٍ في هذه الإمبراطورية، لذا يمكنني القول إنّني كنتُ محظوظةً لأنّني شهدتُ تلك البداية. حقًّا، أنتِ تشبهين تمامًا الإمبراطورة الثانية إلين في ذلك الوقت.”
“يا إلهي، تشبهين الإمبراطورة الثانية إلين التي كانت تُعدّ واحدةً من أجمل جميلات الإمبراطورية في ذلك الوقت؟ إنّ هذا المديح مبالغٌ فيه حقًّا.”
لم تمنع الأميرة السابقة فالنتينا الطّرف الآخر من التّحدّث إليّ بودٍّ، بل تراجعت بنحو ثلاث خطواتٍ ووقفت تراقب الموقف بصمت.
كان الجميع يراقبونني أنا وفالنتينا دون تفويت أيّ حركةٍ أو سكنة.
لم يكن ذلك بنظراتٍ مكشوفة، بل كانوا يتظاهرون بالدّردشة مع الآخرين بينما يختلسون النّظر إلينا بذكاء.
“هذا صحيحٌ تمامًا. الثّوب الذي ارتدته الإمبراطورة الثانية إلين في ظهورها الأوّل كان فستان شيميز أبيض يبدو بسيطًا بعض الشيء بالنسبة لسيّدةٍ شابةٍ في مقتبل عُمرها. ولكن يا للهول، عندما يشعّ المرء كالجواهر، لا تعود بساطة الملابس مشكلةً على الإطلاق. ومنذ العام التالي، زاد عدد الآنسات اللواتي اخترن ارتداء فساتين شيميز مماثلةٍ في ظهورهنّ الأوّل، لكنّ الواحدة تلو الأخرى لم تخلّف سوى انطباعٍ رثّ.”
المرأة الجميلة التي لا تملك خلفيّةً تدعمها مقدّرٌ لها أن تعيش حياةً قاسيةً في أيّ مكان.
رغم أنّ الإمبراطور وضع عينه عليها بمجرد انتشار الشّائعات عن جمالها، إلّا أنّها حتى وهي ترتدي ثوبًا بسيطًا في ظهورها الأوّل، قد سحقت فتيات جيلها تمامًا بجمالها الآخاذ.
ومن وجهة نظر الآنسات اللواتي ظهرن في نفس الفترة، كان من الطّبيعيّ جدًّا أن يكرهنها لدرجة البكاء.
عندما بدأت الشّائعات تدور حول أنّها، منذ أن أنجبت ابنةً واحدة، انزلقت إلى قصرها وأصبحت ضعيفة الصّحة وتئنّ من المرض دائمًا……. كان الجميع قد نسوها تمامًا وعاشوا حياتهم، لكنّ ‘الأميرة تيتانيا’ التي كانت دائمًا محاطةً بشتى الشّائعات السيّئة، بدأت فجأةً تتصرّف بشكلٍ مختلفٍ تمامًا وكأنّها شخصٌ آخر، وتتسبّب في الحوادث والمشاكل، ثم قرّرت فجأةً وبدون مقدماتٍ المضيّ قدمًا في ظهورها المجتمعيّ الأوّل.
لقد كان الأمر أشبه بإلقاء حجرٍ في مياهٍ راكدة، فتحوّل المكان إلى ساحة معركة.
تيتانيا، التي تم تحديد زواجها بالفعل، لم تكن بحاجةٍ إلى الظّهور في المجتمع من الأساس، وحتى لو فعلت، فلم تكن في عُمرٍ يستدعي العجلة.
عادةً، كان من القواعد غير المكتوبة أن يتم التّلميح مسبقًا بحضور سيّدةٍ شابةٍ لظهورها الأوّل في الحفلات الراقصة.
كان هذا لمنع حدوث مواقف مُحرجة للجميع في حال قدوم ضيفةٍ ترتدي ملابس أكثر ترفًا من الفتاة التي لا تعرف شيئًا وتظهر لأوّل مرّة، ولكن اليوم، لم تضع الأميرة السابقة فالنتينا والكونتيسة أورلاند كلمةً واحدةً أو وصفًا يوحي بوجود ‘ظهورٍ أوّل لسيّدةٍ شابة’ في بطاقات الدّعوة.
لقد اكتفتا بالإشارة إلى أنّها مأدبةٌ مهمّة، وأنّ على الحاضرين الاهتمام بوقارهم، لكنّ هذا النوع من العبارات كان معتادًا وتقليديًّا يضعه الجميع في أيّ مأدبةٍ ذات رقيٍّ مناسب.
بفضل ذلك، لم يكن الحاضرون اليوم يعلمون شيئًا عن الخبايا المهمّة، ولم يكن أمامهم سوى مهاجمة ما يظهر أمام أعينهم فحسب.
“والثوب الذي ترتدينه اليوم أيضًا، تمامًا مثل الإمبراطورة في ذلك الوقت……. لا ينقصه شيءٌ لدعم جمال سموّ الأميرة!”
‘لماذا تلتفّ في كلامها هكذا؟ لو أنّها هاجمتني علنًا قائلةً: أجل، أعترف أنّ وجهكِ جميل، ولكن ملابسكِ سيّئةٌ للغاية……. لكان ذلك أكثر إراحةً لقلبي.’
ابتسمتُ ابتسامةً مشرقةً خاليةً من أيّ تكدّر.
“أنا أيضًا أرى أنّ ثوبي جميلٌ حقًّا!”
تصلّب وجه الطّرف الآخر بشكلٍ غريبٍ للغاية.
وشعرتُ بوميض الحيرة يمرّ بين عينيها المندهشتين وكأنّها تفكّر: ‘ما خطب هذه الفتاة؟’.
السّيف الذي كان مُثبّتًا بمهارةٍ على جانب ساقي مُستغلًّا القماش الوفير للغاية في تنّورتي-كم تدربت تيتانيا الصغيرة على الرّقص بصرامة، حتى أصبح من الممكن إخفاء سيفٍ داخل ذيل الفستان والرّقص دون أيّ مشكلة، حتى أنا أجد الأمر مذهلاً رغم أنّني من فعلها-أصدر صوتًا مرتبكًا.
-أليست هناك كمّيةٌ هائلةٌ من الماس مُعلّقةٌ على ثوب المتعاقدة؟! (๑⊙ロ⊙๑) لقد سمعتُ أنّ الماس هو أحد أكثر المعادن ندرةً وقيمةً في عالم البشر، فهل معلوماتي العامّة خاطئة؟!
‘إنّها تهاجمني متسائلةً من أين أتيتُ بهذا الثّوب البالي، مدّعيةً أنّها لم تسمع قطّ بصنع فستانٍ كهذا في الصّالونات الشّهيرة…….’
-إذن، هل يرتدي البشر في هذا العصر الثّياب مرّةً واحدةً فقط ثم يرمونها؟! (о゚д゚о)
‘إنّها تعني أيضًا أنّني لم أظهر حتى حدًّا أدنى من الإخلاص لخياطة ثوبٍ جديدٍ في مكانٍ يُعدّ الظّهور الأوّل لي في المجتمع، وتسخر متسائلةً إن كنتُ أستهين بهذا المكان……. ولأنّ الثّياب القديمة غير مسموحٍ بها إلا إذا كان هناك سببٌ مقنعٌ وذو معنى. في الحقيقة، ارتداء ثوبٍ قديمٍ في مكانٍ يُفترض أن يمثّل الظّهور الأوّل بجسدٍ طاهرٍ يجلب هجماتٍ دنيئةً تطعن في أخلاق المرء، لكنّها تماكت نفسها نوعًا ما لأنّني أميرةٌ في نهاية المطاف.’
— (;◔д◔)
واو…….
“يبدو أنّ سموّ الأميرة قد أحبّت الثّوب الذي ترتديه اليوم حقًّا. أليس كذلك؟”
ارتجفت زاوية فم الطّرف الآخر بشكلٍ خفيف.
فتحتُ عينيّ على وسعهما وقلت.
“وهل هناك من يأتي في يوم ظهوره الأوّل بثوبٍ لا يعجبه؟”
حاولت الطّرف الآخر كبت تعبير وجهها الذي بدا وكأنّ صدرها ينفجر من الإحباط، وصنعت ابتسامةً أنيقةً وقالت.
“…هو هو هو! حسنًا، لأنّ هناك مسألة المكان والبروتوكول، فغالبًا لا يمكن للمرء الخروج بثوبٍ يعجبه حقًّا إن لم يكن مناسبًا. لقد ظننتُ أنّ سموّ الأميرة تيتانيا، الابنة الغالية على قلب الإمبراطور وخطيبة عائلة كاستراين، ستظهر بالتّأكيد في مأدبةٍ ضخمةٍ تُفتح فيها قاعات القصر الإمبراطوريّ…….”
“أجل، بما أنّني الأميرة الوحيدة في العائلة الإمبراطورية والسيّدة المستقبلية لعائلة كاستراين. ألا يمكنني ارتداء أيّ شيءٍ أريده؟”
“لا، ليس الأمر كذلك تمامًا……”
يبدو أنّ الطّرف الآخر شعر بأنّه لن يحصل على أيّ نتيجةٍ جيّدةٍ منّي، فحوّل عينيه فجأة.
ثم التمعت عيناه وكأنّه وجد هدفًا مناسبًا.
“الآنسة جـون! يا إلهي، ما هي طبيعة العلاقة بيننا؟ لو كنتِ ستشهدين الظّهور الأوّل لمثل هذه الشّخصية الموقّرة، لكان عليكِ أن تهمسي في أذني على الأقل. حتى لا أرتكب أيّ إساءةٍ بحقّ سموّ الأميرة بشتى الطرق.”
“……….”
وجّهت جـون، الابنة الكبرى لعائلة الكونت أورلاند، والتي كانت تستمتع بالمأدبة بهدوءٍ نسبيٍّ ودون أن ترقص، نظراتها نحو هذا الاتجاه بوجهٍ يظهر عدم رغبتها المطلقة في ذلك.
‘همم…. إنّها ضعيفةٌ في المواجهة المباشرة، لكنّها مشهورةٌ بمهاجمة الناس بأساليب ملتويةٍ متعدّدة.’
لقد تظاهرت بالاعتراف بأنّها ارتكبت ‘إساءةً’ بحقّي لمجرد أنّها ترتدي ملابس مبهرجةً ورائعةً للغاية، وإذا قلتُ لها ‘أيّ إساءةٍ تقصدين؟’، فستتذرّع قائلةً ‘إساءة عدم إحضار هديةٍ مسبقًا لأنّني لم أكن مستعدّة’.
كان المشهد واضحًا أمامي تمامًا، حيث سيضحكون عليّ فيما بينهم لاحقًا ساخرين من كيف أنّ المبتدئة الغبية لم تفهم حتى الكلمات التي تذمّها.
بما أنّها حظيت بظهورها الأوّل سابقًا، قطّبت جـون حاجبيها قليلاً، ويبدو أنّها كانت معتادةً على هذا الأسلوب الطّويل والمُلتوي الذي يشدّ شعر الناس مجازيًا.
“شؤون عائلتنا تديرها والدتي، لذا لا داعي لتدخّلي. كونتيسة غورديان.”
“ولكن، رُغم أنّ هذا الكلام قد يبدو مُحرجًا لو خرج من فمي. إلّا أنّه لا توجد صالونات خياطة كثيرة تضاهي ببراعتها الصّالون الخاص بعائلتنا، أليس كذلك؟ لو علمتُ أنّ سموّ الأميرة ستظهر لأوّل مرّة، لكنتُ قد فعلتُ المستحيل لأصنع لها ثوبًا جميلاً وأقدّمه لها.”
كانت الإمبراطورة الاولى كليو حسّاسةً للغاية بشأن الحفاظ على جمالها.
وكان هذا هو السبب في جعل الكونتيسة غورديان فردًا من أفراد قوّتها.
فالكونتيسة غورديان كانت تمتلك ليس صالونًا واحدًا، بل ثلاثة صالونات خياطة شهيرة داخل العاصمة.
بالطّبع، كانت الصّالونات المتنافسة تتوق للحصول على المعلومات، وفي الواقع، كانت الكونتيسة ملمّةً بكل المعلومات المهمّة تقريبًا.
العمالة والموادّ التي تدخل في صنع فستانٍ فاخرٍ واحدٍ كانت هائلةً للغاية، ومهمّا كان حجم صالون الخياطة كبيرًا، لم يكن بإمكانه إخفاء تفاصيل المعاملات مع العملاء أو الطّلبات الخارجية التي يتم إرسالها من وقتٍ لآخر.
لهذا السبب كانت تهاجم بثقةٍ تامّةٍ مدّعيةً أنّ الفستان ثوبٌ قديم.
على الرّغم من أنّ هذا الثّوب استخدم الكثير من القماش لدرجة أنّ ذيل الفستان ينتشر كبتلات الزّهور بمجرد الدّوران في المكان لمرّةٍ واحدة، ومُرصّعٌ بكل هذا القدر من الماس.
برؤيتها للأميرة السابقة فالنتينا تكتفي بمشاهدة هذه المشاجرة دون تدخّل، تأكّدت الكونتيسة غورديان من شكوكها، فرفعت خصرها مستقيمةً وقالت.
“حتى سموّ الإمبراطورة الاولى كليو تستخدم صالون عائلتنا بكثرة. فلا يوجد سوى القليل من الأشخاص الذين يملكون حساسيّةً تجاه صيحات الموضة في المجتمع مثلها. لو كانت حاضرةً هنا، لكانت قد أرشدت سموّ الأميرة ببراعة…….”
“يا له من أمرٍ رائعٍ حقًّا! ها ها! إنّ التّحدّث بكل هذا الفخر عن إدارة صالون خياطةٍ في العائلة، وبمثل هذه المعرفة الضّيقة، لهو أمرٌ مذهلٌ حقًّا! بما أنّها حياةٌ قصيرةٌ نعيشها مرّةً واحدة، يجدر بي أن أتعلّم مثل هذا الموقف، لكنّني لم أستطع بعد!”
تصلّب وجه الكونتيسة غورديان بشكلٍ ملحوظ.
وشعرتُ بنظرةٍ غريبةٍ تُرسلها الأميرة السابقة فالنتينا.
طقطقة، طقطقة.
ظهر شخصٌ جديدٌ في هذا المكان، بعد أن كان يستمتع بمشاهدة هذه المسرحية الهزلية حتى الآن.
لقد كان ذلك الشخص.
الشخص الذي كان علينا اليوم بالتّأكيد معرفة نواياه الحقيقية والتّواصل معه.
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.