الفصل 112
112
الفصل 112
“وعلاوةً على ذلك، لقد قلتِ دائمًا، يا إمبراطورة الاولى كليو، إنّ حظّ المرأة في حياتها يعتمد على مدى جودة الرّجل الذي تتزوّجه. وفقًا لكلامكِ، أنا حقًا أكثر النّاس حظًّا في العالم. أليس الدّوق الشاب كاستراين خطيبي المستقبلي؟ حتّى جلالة الإمبراطور يتوقّع الكثير منه.”
“مهما كانت عائلة كاستراين عظيمة، لا تنسي أنّكِ تعيشين داخل القصر.”
“………”
“ومهما أحبّكِ جلالة الإمبراطور، فإنّ من يحظى بحبّه الحقيقيّ هي أنا، ومن يعتبره ابنه الحقيقيّ هو بريان فقط، أليس كذلك؟”
استمتعت كليو بنظرة تيتانيا الباردة، مستمتعةً بهذا الانتصار.
لو أنّكِ بقيتِ متمسّكةً بي بطاعة، ولو كان ذلك زيفًا، لما وصلتِ إلى هذه الحالة، مهجورةً حتّى من والدتكِ الحقيقيّة…
في الأصل، خطّطت كليو لجعل الإمبراطورة الثانية إلين تخرج من قصرها بنفسها، وكأنّ الأمر لا علاقة لها بها. كان ذلك سيجعل خداع تيتانيا أسهل.
لكن عزلة إلين استمرّت طويلًا جدًّا.
وعلاوةً على ذلك، كان الإمبراطور يعشق الجمال بشدّة.
لذا، قرّرت كليو أنّه من الأفضل أن تعلن أنّها هي من جعلت إلين تخرج من قصرها. مهما كانت الإمبراطورة الرسميّة رفيعة المقام، لا يمكنها منع أمٍّ مريضةٍ من الخروج بعد سنواتٍ للقاء ابنتها والذهاب للتعافي معًا.
حتّى لو رفضت تيتانيا نفسها، فالأمر سيان.
الإمبراطور مفتونٌ تمامًا بإلين، ولن ينحاز إلى تيتانيا إذا عارضت رغبة إلين. عائلة كاستراين، مجرّد خطيبها، لا يمكنها التدخّل في هذا الأمر.
إذا اختفت إلين وتيتانيا خارج القصر، يمكن إلقاء اللّوم على الإمبراطورة الرسميّة بتهمة محاولة التخلّص من منافسيها. إذا سارت الأمور جيّدًا، يمكن عزل الإمبراطورة.
مهما كانت عائلتها عظيمة، لا يمكن قتلها أو إزاحتها من منصبها، لكن حبسها كالنّباتات أمرٌ سهل. تخيّلت كليو هذا المشهد وكادت تضحك الآن. مع ظهور حليفٍ جديدٍ وكفء، لم تخف كليو من أيّ شيء.
“انظري، يا تيتانيا، أنتِ حقًا فتاةٌ محظوظة.”
“…أتساءل أيضًا إن كانت الإمبراطورة الاولى كليو ستبقى محظوظةً حتّى النّهاية.”
لذا، ضحكتُ ببساطةٍ بمرح. وأنا أسخر من نظرة خصمي الذي يحاول الوقوف شامخًا حتّى النّهاية.
***
انتهى العشاء المحرج، وبعد لقاء الإمبراطورة الاولى كليو، هربتُ من القصر الإمبراطوريّ.
على الرّغم من عزمي على عدم استخدام الممرّ السرّي إلّا في حالات الطّوارئ، لم أستطع إلّا أن أفعل ذلك. شعرتُ وكأنّني أختنق بمجرّد بقائي في قصر الورد.
كنتُ أعلم أنّ الإمبراطورة الاولى كليو ستراقب تحرّكاتي بعد هذا الحدث الكبير، وأنّ عليّ أن أكون أكثر حذرًا، لكنّني كلّفتُ سارة بإيجاد أيّ عذرٍ وخرجتُ بلا تفكير.
قادتني ديبي دون أن تقول شيئًا. بعد عبور الباب الخلفيّ والوصول إلى زقاقٍ خالٍ من النّاس، وقفتُ هناك مذهولة. بفضل رداءٍ بغطاءٍ يغطّي جسدي بالكامل، لم يكن أحدٌ ليتعرّف عليّ، لكن…
هبّت نسمةٌ صيفيّةٌ دافئة. تألّقت النّجوم في السّماء. كانت الظّروف مشابهةً لتلك اللّيلة التي شاهدتُ فيها الألعاب النّاريّة، لكنّني لم أشعر بشيء. كنتُ أرغب في الصّراخ، أو الغضب، أو التخلّي عن كلّ شيء والغرق في نومٍ لا نهائيّ.
سمعتُ صوت خطوات. خطواتٌ حذرةٌ جدًّا، تقترب ببطء.
“…هل يمكنني البقاء إلى جانبكِ؟”
كان رايموند، ليس بزيّه الرسميّ، بل بملابسٍ خفيفة. تحدّث بنبرةٍ حذرةٍ جدًّا.
“كما تعلمين، ’الباب الخلفيّ‘ للقصر ليس بابًا حقيقيًّا. حتّى مع تنكّركِ، البقاء في مكانٍ واحدٍ خطر. إذا سمحتِ لي، أنا…”
“هل كانت تيتانيا مكروهةً لدرجة أنّها جعلت إلين تمسك بيد الإمبراطورة الاولى كليو؟”
“………”
على الرّغم من أنّ كلامي خرج فجأة وبلا ترتيب، لم يسألني رايموند عمّا أعني. كان عقلي في حالةٍ من الفوضى.
لم أكن غبيّة. كنتُ أعرف ماذا تعني نظرات الإمبراطورة وإيدريان المذهولة. كنتُ أعرف، أكثر من أيّ شخص، معنى ابتسامة كليو الفخورة وكلماتها.
لقد أمسكت الإمبراطورة الثانية إلين بيد الإمبراطورة الاولى كليو. مهما كان معنى ذلك.
“كنتُ أظنّ أنّ مراقبتها لي حتّى أصل إلى سنّ الرّشد ، على الأقل، هي نوعٌ من الرّحمة. أنّ حمايتي من السّقوط التّام في يد الإمبراطورة الاولى كليو هي مسؤوليّة الأمومة…”
شعرتُ بالاختناق.
لم تكن الكلمات التي قلتها عن إنقاذ بيبي كذبة. لقد رثيتُ لها. فهمتُ وضع الإمبراطورة الثانية إلين. لم أكن أمدّ يدي إليها أو أخدعها.
ألم تتجاهلني تمامًا دون أيّ عاطفة؟
ألم تكن قد تخلّت عن كلّ شيء بالموت؟
لكن، رحمتها، شفقتها، هل كانت فقط لأنّ تيتانيا كانت تعيش حياةً “أسوأ من الموت”؟
حتّى بدون حبّ والدتها، بدون عاطفة خطيبها، وبدون كلام الإمبراطورة الاولى كليو المعسول المزيّف، إذا بدأتُ أعيش باستقلاليّة…
“من الواضح للجميع… إذا لم أعش بغباءٍ واضح، هل كنتُ مكروهةً لدرجة أنّني أستحقّ أن أُسحق؟ لأنّني طفلةٌ غير مرغوبة؟”
هل “تيتانيا المختلفة” مكروهةٌ إلى هذا الحدّ؟
هل محاولتي العيش بشكلٍ صحيح مقزّزةٌ لهذه الدرجة؟
كلّما فكّرتُ بذلك، شعرتُ بالاختناق. كأنّني أشاهد نعشًا لشخصٍ ميتٍ يُحرق ويتحوّل إلى رماد.
“………”
“لماذا؟”
“………”
“لأنّها لم ترغب بإنجابي؟ لأنّني ابنة الإمبراطور المكروه؟ لأنّ شخصًا أحبّته مات بسبب ولادتي؟”
“تيتانيا.”
“لم أكن حتّى ولدتُ برغبتي!”
انفجر صراخي كنوبةٍ من الهستيريا. تنفّستُ بصعوبة، كأنّني سأنهار من نقص الأكسجين. شعرتُ برايموند يقترب ويعانقني، ولم يكن لديّ القوّة لرفضه. كانت هناك عاصفةٌ في قلبي.
إنّه أمرٌ غير عادل.
إنّ مطالبة شخصٍ بالحبّ دون دعمٍ من البيئة هو أمرٌ غير عادلٍ حقًّا.
أعلم ذلك.
حبّ الوالدين، لا حاجة له. حتّى لو لم أرهما مجدّدًا، كان لديّ والدان أحبّاني. لذا، كلّ شيءٍ على ما يرام، يمكنني العيش بجدّ، وسأسير في طريقي…
لكن، لكن.
“لو كنتُ مكروهةً لهذه الدرجة، لمَ لم تقتلني وأنا رضيعة بيديها؟ لو قالت إنّها تكرهني وأنّ عليّ أن أموت…”
لو فعلت ذلك؟
هل كانت “تيتانيا” ستموت؟
هل كان ذلك نوعًا من الرّحمة أنّها لم تفعل؟
ضحكتُ بصوتٍ خافتٍ لأنّني حاولتُ فهمها حتّى بهذه الطّريقة.
تظاهرتُ بالعظمة، والآن انظري إلى حالكِ.
بفضل ذكريات والديّ الذين لم يبقَ منهما سوى الذّكرى، قلتِ إنّكِ ستعيشين بشكلٍ مختلف، والآن انظري إلى حالكِ. تتزعزعين بمجرّد مواجهة موقفٍ حيث أمّكِ، التي أهملتكِ، تمسك بيد الإمبراطورة الاولى كليو وتعاديكِ.
ألم تكُنِ في الحقيقة تتظاهرين بأنّكِ “بخير” فقط لتحمي نفسكِ من الجرح؟
“لمَ، لمَ أصبحتُ مكروهةً الآن؟ لأنّني تمنّيتُ رؤيتها، وتردّدتُ حول قصر ليكوريس؟ لأنّني طلبتُ اهتمامها؟ لأنّ الإمبراطورة الاولى كليو… تصرّفت بشكلٍ مختلفٍ بسببي؟”
لدرجة أنّها تخلّت عن موتها الهادئ لتتصرّف، لأنّ تيتانيا الحيّة كانت مكروهةً إلى هذا الحدّ؟
منذ أن استيقظتُ بذكريات حياتي السّابقة، كنتُ أظنّ أنّني فعلتُ كلّ شيءٍ بشكلٍ صحيح.
على الأقل، لم أفعل شيئًا ندمتُ عليه لاحقًا.
كنتُ صريحةً في كلّ شيء. أعطيتُ الأشرار ما يستحقّونه، انتقمتُ، وكفّرتُ عن حياتي المزعجة، وتخلّصتُ من المشاعر المتبقّية…
لكن، تغيّر الإمبراطورة الثانية إلين، هذا وحده كان شيئًا أسوأ ناتجًا عن “تغيّري”.
ربّما، ربّما كان من الأفضل أن تموت تيتانيا دون أن تعلم أنّ والدتها الحقيقيّة كرهتها إلى هذا الحدّ؟
كلّما فكّرتُ بذلك، شعرتُ بالاختناق. كأنّني سمكةٌ أُلقيت خارج الماء.
“ليس خطأكِ. أرجوكِ، يا تيتانيا، أرجوكِ… لا تتحدّثي عن نفسكِ هكذا.”
أمسك بي رايموند بوجهٍ شاحبٍ كالموت. كنتُ كدميةٍ قطعت خيوطها، متدلّيةً بين ذراعيه بلا مقاومة.
“أنتِ لستِ مذنبة. لا ذنب عليكِ على الإطلاق. حتّى لو كان هناك خطأ… الذّنب يقع على الجميع الذين أهملوكِ. أنا من أخطأ.”
سمعتُ كلامه بوجهٍ مذهول. كان وجه رايموند يبدو كما لو كان أحدهم يخنقه.
“أنا أكبر مذنب لأنّني تجاهلتكِ وأنتِ مهملةٌ في القصر. عندما كنتِ تعانين ويتقرّح قلبكِ… كنتُ أفكّر أنّ مسؤوليّتي هي حماية أشخاص عائلة الدّوق فقط. لم يكن لديّ القدرة على تحمّل مسؤوليّتكِ أيضًا. لذا، ظننتُ أنّ تجاهلكِ تمامًا هو الخيار الصّحيح. لا، كلّها أعذار. لقد أدركتُ ذلك متأخرًا جدًّا.”
ارتجفت شفتا رايموند. كنتُ أرى نفسي في عينيه الذّهبيّتين المشوّهتين بالألم.
أنا، التي أبدو كدميةٍ ورقيّةٍ ذابت في الماء، بمظهرٍ بائس. لم أكن أهتمّ إن تفرّقت أجزائي الورقيّة أم لا، لكن رايموند بدا كمن يحاول يائسًا جمع تلك القطع المتناثرة وإصلاحها.
كان يحتفظ بمشاعره مدفونةً بعنايةٍ في قلبه، لكنّها تسربّت من الشّقوق المحطّمة، متدفّقةً كعاصفةٍ لا يمكنه كبحها، كما لو أنّه لا يستطيع تحمّل ذلك. كأنّ رؤيتي وأنا متآكلةٌ من الدّاخل هي عقوبةٌ بالنّسبة له.
“………”
“مهما فعلت الإمبراطورة الثانية إلين، ليس ذنبكِ. لا أحد… لا أحد يولد بإرادته. إن كان هناك ذنب، فهو ذنب جلالة الإمبراطور، وليس ذنبكِ. إنّ استخدام الزّواج كوسيلةٍ لتقييد عائلتنا هو مسؤوليّتنا. مهما كان الجهل ذنبًا، فلا يمكن أن يكون من العدل محاسبة طفلةٍ لم يعلّمها أحد أنّ ذلك ذنب.”
“………”
“بل على العكس، كنتُ أشعر براحةٍ عندما كنتِ تثورين وتغضبين منّي بلا سبب. كنتُ أعلم أنّني لن أكون أبدًا ’الخطيب المثاليّ‘ الذي تريدينه. ظننتُ أنّكِ ستدركين ذلك يومًا ما، وأنّ ذلك سيجعل الأمور أسهل للجميع. أنا… أنا لستُ الشّخص الذي يستطيع إنقاذ أحد. أنا مرهقٌ بحماية من هم ضمن نطاقي فقط… لذا…”
فجأة، في تلك اللحظة، بدا رايموند كطفلٍ خائف. أغمض عينيه بقوّة.
“………”
“أنا آسف. أعلم أنّني، بعد أن تخلّيتُ عن يدكِ منذ زمن، أكون مخادعًا عندما أطلب منكِ الآن، تحت ستار الخطيب، ألّا تتخلّي عن نفسكِ. لكن…”
“………”
“أرجوكِ، لا تلومي نفسكِ… هذا طلبي.”
شعرتُ كأنّني دميةٌ ملحيّةٌ جرفتها مياه البحر، أستمع إلى كلامه بذهول. ليس عليكَ أن تعتذر لي. لم يكن لديّ القوّة حتّى لقول هذا. شعرتُ وكأنّ رائحة الملح تنبعث من جسدي بدلًا من الدّموع.
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.