الفصل 109
109
الفصل 109
“أتذكّر أنّ ماري كانت دائمًا تتآمر معكِ، لكنّكِ تتوسّلين لإنقاذكِ ولا تطلبين شيئًا لماري؟ ألا تملكين حتّى أدنى شعور بالولاء لرفيقتكِ؟”
قالت سارة وهي تنتحب، كأنّها تبرّر:
“ماري، ماري… تقول إنّ ميريام وقعت في ذلك المصير بسبب غبائها، وأنّها لن تفعل مثلها، لذا فهي بخير. لا تشعر بأيّ قلق، بل هي متلهّفةٌ لكسب رضا الإمبراطورة الاولى كليو بأيّ وسيلة… لا تصدّق كلامي أبدًا…”
“حتّى لو لم أنقذكِ، لن يضرّني ذلك بشيء. بل على العكس، سأشعر بالرّاحة.”
من فتح ذلك الباب؟
لا أتذكّر الآن.
ربّما خرجتُ من قصر الورد دون أن أدرك. نظرتُ بنظرةٍ سريعةٍ نحو الشّرفة في الطابق الثّاني.
كان قصر الورد المُعاد تصميمه رائعًا للغاية، بحيث لم يعد هناك احتمالٌ للسقوط من الشّرفة، سواء من الطابق الثّاني أو الثّالث، مهما حدث.
كانت الستائر البيضاء المعلّقة عند كلّ نافذةٍ مفتوحةٍ على الشّرفة ترفرف مع نسيم الصّيف. منظرٌ جميل. تيتانيا، عندما سقطت، لا بدّ أنّه كان بنفس هذا الجمال.
“حتّى عندما كانت الأميرة تيتانيا تحتضر، لم تشفقي عليها. فهل يجب أن أشفق عليكِ فقط لأنّ عائلتكِ أو أهل قريتكِ قد يموتون في المستقبل؟”
“…………”
همست تيتانيا الصّغيرة، الأنانيّة، السّاذجة، التي استيقظت داخلي:
“اقتليهم جميعًا! لا تسامحي! دعيهم يصرخون وهم يرون عائلاتهم تموت أمام أعينهم!”
كلماتٌ طفوليّةٌ للغاية، تعبّر عن شعورٍ بالنّقص.
حتّى هؤلاء… لديهم عائلات. لديهم من يحبّونهم. لمَ أنا وحدي…
لمَ أنا وحدي؟
في ظلال الستائر البيضاء، رقصت أشعّة شمس منتصف النّهار مع كلّ هبّة ريح، كصرخات من مات في غير أوانه.
“لا أشفق عليكِ ولا أرثي لحالكِ. ولن أنقذكِ دون سبب. لكن أن تُدمّر عائلتكِ البريئة أو قريتكِ بأكملها بسبب تورّطكِ، فهذا ظلمٌ. لذا، أرى أنّ إعطاءكِ فرصةً واحدةً ليس سيّئًا.”
أومأت سارة برأسها على عجل.
“من الأفضل أن تكوني ذات نفعٍ كبيرٍ لي. أنا لا أثق بكِ، وثمن الأرواح التي تريدين إنقاذها باهظ.”
“سأفعل أيّ شيء، أيّ شيءٍ أستطيعه!”
نظرتُ إلى الستائر المتراقصة وتمتمتُ في داخلي:
“لكن، يا تيتانيا، أن تُقرّري التغيّر من أجل عائلتكِ المحبوبة ليس ذنبًا…
أنا أيضًا، بفضل أمّي وأبي اللذين لم يبقَ منهما سوى الذّكريات، أفكّر في أن أعيش حياةً مختلفة…
لكنّ الإمبراطورة الاولى كليو، العدوّ الحقيقيّ، لن أسامحها أبدًا.”
لكن حتّى هذا سيبدو كخداعٍ في أذني تيتانيا الصّغيرة.
من يملك الكثير يجد التّسامح سهلًا. من لم يجوع يومًا يجد إعطاء وجبةٍ لمتسوّلٍ أمرًا يسيرًا. لكن أن يعطي متسوّلٌ جاع لأسبوعٍ وجبته لآخر، فهذا أصعب من أيّ شيء.
طفلةٌ لم تتلقَ حبّ العائلة يومًا، هل ستسامح عدوّةً تبكي طالبةً الرّحمة من أجل عائلتها؟ احتمالٌ ضئيلٌ جدًّا.
…لكنّني لا أستطيع أن أعيش هكذا.
“حتّى لو أمرتكِ بفعلٍ من المؤكّد أنّه سيودي بحياتكِ؟”
نظرت سارة إليّ بعيونٍ مرتجفةٍ وقالت:
“حتّى لو حدث لي شيء، إذا أكملتُ ما تأمرينني به… هل يمكنكِ أن تتعهدي بإنقاذ أختي الصّغيرة على الأقل؟”
“ماذا لو خسرتُ أمام الإمبراطورة الاولى ولم أستطع إنقاذ أختكِ؟”
“إذا حدث ذلك، فسأموت عاجلًا أو آجلًا، والنّتيجة واحدة.”
أومأت سارة برأسها إليّ.
“أيّ شيء تأمرينني به… سأنفّذه. بصدق. سأقدّم ولائي الكامل. أرجوكِ، سامحي ماضيّ، وارحمي أختي الصّغيرة.”
“سأفكّر في الأمر.”
“شكرًا لكِ.”
صرّت النّافذة وأغلقت بفعل نسيمٍ متأخّر، بصوتٍ كالطّرق. كصوت سقوط شبح.
***
كانت ماري في مزاجٍ سيّء.
‘كنتُ أظنّ أنّني نجحتُ في استمالة الأميرة مرّةً أخرى.’
في البداية، ظنّت أنّها ستموت لا محالة. لم تتمكّن من العودة إلى قصر الورد، بل ولم تُعيّن في أيّ قصرٍ معيّن، واضطرّت للقيام بكلّ أنواع الأعمال الدّنيئة التي لم تتخيّلها يومًا. حتّى أثناء عملها، كانت قلقة. هل ستقضي الإمبراطورة الاولى عليها؟ آخر مرّة رأتها فيها، بدت غاضبةً للغاية…
لكن الإمبراطورة الاولى استدعتها بعد فترةٍ وجيزةٍ وأعطتها أوامر سريّة. كانت تنوي استخدام ماري مرّةً أخرى بشكلٍ مهمّ. قالت إنّ الأميرة ستنهي مراسم التّكريس قريبًا وستعود إلى القصر، فعليها أن تصبح جزءًا من خدم قصر الورد مجدّدًا وتبقى إلى جانب تيتانيا، وستُعطى مهامًا كثيرةً عندما يحين الوقت.
لو كانت بمفردها، لكانت أكثر قلقًا. لكن سارة كانت معها. أليست سارة ماكرةً مثلها، ولم يعملتا معًا لفترةٍ طويلة؟
حتّى لو تغيّرت الأميرة وبدأت تثير المشاكل، فلا بدّ أنّ هناك مبالغةً في الأمر. نعم، حصلت على سيفٍ غريب، وتحسّنت علاقتها بخطيبها… لكن، “تيتانيا” التي كانت تفقد أعصابها وتكسّر الأغراض على الطّاولة عندما غادر خطيبها؟
ستكون بخير.
ومهما يكن، هل فعلت هي أو سارة شيئًا كبيرًا؟ لم يكن إلّا ما يفعله الجميع. إذا كان ذلك جريمة، أليس كلّ خدم قصر الورد مجرمين؟ والسّخرية من شخصٍ غبيّ بأنّه غبيّ، هل هي جريمة؟
بل على العكس، أليست ماري وسارة من أفضل من يزيّن الأميرة تيتانيا؟ مهاراتهما جيّدةٌ جدًّا. بسبب أوامر الإمبراطورة الاولى كليو، لم يكن بإمكانهما بناء علاقاتٍ أو التطلّع للترقّي، فكانتا محصورتين في قصر الورد، يجنيان بعض المال وهذا كلّ شيء. ألم تكن تيتانيا، قبل إصابتها في رأسها، تحبّ ماري وسارة كثيرًا؟
لكن موقف سارة تغيّر قليلًا.
‘فكّري جيّدًا. ألم تلاحظي تغيّر سلوك الإمبراطورة الاولى؟’
‘سلوك؟ يا فتاة، اندلع حريقٌ في قصر الورد وكلّ تلك الفوضى عن اللعنات وما إلى ذلك، فمن الطّبيعيّ أن تكون منزعجة. لكنّها منحتنا فرصةً أخرى، أليس كذلك؟ إذا أخطأنا هذه المرّة، سنكون في ورطةٍ حقًا. علينا أن نركّز ونطيع أوامرها.’
‘نحن لسنا ناتالي، رئيسة الخدم. نحن مجرّد خادماتٍ في أدنى المناصب، يجب أن نموت إذا أُمرنا بذلك. ألا تشعرين بالقلق؟’
‘بما أنّكِ ذكرتِ ناتالي، أليست مجرّد رئيسة خدم؟ لو لم نكن من عامّة الشّعب، لما رضينا بوظيفة الخادمة. لو استطعنا إدراج أسمائنا في شجرة عائلةٍ نبيلة، ولو كخادماتٍ، لكنّا نخدم سيّداتٍ في عائلاتٍ نبيلةٍ كبرى، نعيش برفاهية. في القصر، هذا يعني أن نكون رئيسات الخدم!’
‘…ألا تتذكّرين ميريام؟ كانت أقرب إليكِ منّي. عندما سرقنا فستانًا كاملًا وقطّعناه إلى شرائط لبيعه، قلتِ إنّنا مدينون لميريام لأنّها ساعدتنا في جني ثروة، وأنّه لا شيء يكفي لشكرها. عندما كنّا نقطّع تلك الشّرائط، بقيت ميريام مستيقظةً طوال اللّيل تساعدنا في الخياطة…’
‘هه، حقًا. أصبحتِ غريبةً مؤخرًا. لمَ تقولين كلامًا غبيًّا كهذا؟ ميريام هي من تسبّبت في هذا الوضع! إذا كنتِ ستسرقين، افعلي ذلك بهدوء. لكنّها اكتُشفت، بل وأثارت ضجّةً عن سيفٍ شيطانيّ ولعنات، ممّا جعلنا نسقط أكثر في عيني الإمبراطورة الاولى كليو! إذا كانت ستموت، فلتمت وحدَها!’
‘لا يمكنني التّفاهم معكِ. سأذهب.’
‘مهلًا، مهلًا! إلى أين؟’
كان هذا آخر حوارٍ بينها وبين سارة، فكان من الطّبيعيّ أن تكون في مزاجٍ سيّء.
صراحةً، كانت تخشى أن تأتي الأميرة تيتانيا وتصرخ: “كيف تجرؤين على العودة لخدمتي بكلّ وقاحة؟!” أو أن يُصدر أمرٌ بضربها. عندما ذهبت لرؤية الأميرة لأوّل مرّة، كانت متوترةً لدرجة أنّها شعرت بقلبها يقفز من صدرها.
لكن، على نحوٍ غير متوقّع، لم تتغيّر الأميرة كثيرًا. رحّبت بها بحرارة، ثمّ استاءت بطفوليّة، وأخيرًا سامحتها وكلّفتها بالعمل. شعرت ماري ببعض الغرور.
حسنًا، سأصفّف شعرها بأسلوبٍ جديدٍ درسته، وأزيّنها ببعض الجواهر أو الزّهور، فتشكرني وتهدأ. مهاراتي هي الأفضل على أيّ حال.
لكن، لم تتوقّع أن يكون هناك منافسةٌ أخرى بين الخادمات الجديدات إلى جانب سارة.
بينما كانت ماري تختار الملابس، نظرت بنظرةٍ خاطفةٍ إلى الشّخص بجانبها.
“ما اسمكِ؟”
“بونيتا.”
“اسمٌ جميل. من أين أتيتِ؟ أنا… عملتُ في القصر لفترةٍ طويلة، لكن يبدو أنّني أراكِ لأوّل مرّة.”
“آه، لقد دخلتُ القصر منذ وقتٍ قصير، لذا ربّما لهذا لم تريني من قبل.”
ابتسمت بونيتا وهي تحاول فتح قفل صندوق الحليّ بحركةٍ خرقاء. اطمأنّت ماري عند رؤية ذلك.
‘هم، تدّعين أنّكِ خادمة تجميل ولا تعرفين حتّى كيفيّة التعامل مع صندوق الحليّ؟ يبدو أنّ خبرتها قليلة. ومظهرها عاديّ… الإمبراطورة الاولى لم تذكر شيئًا عنها، إذن لا داعي للقلق.’
نظرت ماري إلى بونيتا بنظرةٍ خاطفة وهي تكافح مع القفل، ثمّ قالت بلطف:
“لا تفتحيه من الأعلى، بل من الجانب، هكذا، بتدوير القفل.”
“آه…”
احمرّت خدّا بونيتا خجلًا.
“من أين أتيتِ حتّى لا تعرفين هذا؟”
“أنا… أتيتُ من مكانٍ بعيد. هناك، كانت الأقفال تُفتح من الأعلى، فقط بسحبها بسهولة…”
“حقًا؟ أيّ نمطٍ كان ذلك؟”
ماري، التي كانت تتفاخر بمعرفتها كخادمة تجميل، فكّرت مليًّا. أجابت بونيتا بلطف، كأنّها تحدّد الإجابة:
“الجنوب. الجنوب البعيد.”
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.