الفصل 108
108
الفصل 108
سارة، التي كانت راكعةً على الأرض ومنحنيةً، أخرجت كلامًا بدا وكأنّها أعدّته مسبقًا دون أيّ توقّف.
“أنا، أنا فعلًا تلقّيتُ مالًا من الإمبراطورة الاولى كليو لأضايق الأميرة تيتانيا سرًّا! أخذتُ الكثير، الكثير من المال، والأقمشة، والحليّ! وصحيحٌ أنّني أبلغتُ عن تحرّكات الأميرة تيتانيا بالتفصيل، وتحدّثتُ بكلّ أنواع الشّائعات عن علاقتها بالدّوق الشاب رايموند! إنّها أفعالٌ تستحقّ الموت!”
“………….”
لم أعد أشعر بالظّلم كثيرًا من أنّ خدم قصر الورد كانوا يتجاهلون الأميرة، سيّدتهم، ويضايقونها ويفعلون كلّ أنواع الأعمال الدّنيئة.
حتّى لو كانوا يعملون في القصر الإمبراطوريّ، فإنّ تصرّفهم بغباء دون التفكير في العواقب كان سيؤدّي إلى كارثة لا محالة. خاصّةً أنّ سارة وماري كانتا بوضوح تحت تأثير الإمبراطورة الاولى كليو، وكنتُ أعتقد أنّهما لن تنجيا أبدًا. لكن أن تعودا إليّ سالمةً، هل هذا يعني أنّ الإمبراطورة الاولى كليو أرسلتهما إليّ هذه المرّة لأمرٍ ما؟ ما هذا الآن؟
بينما كنتُ في حيرةٍ، واصلت سارة حديثها كأنّها اتّخذت قرارًا ما، وعيناها ترتجفان.
“تحدّثتُ مع ميريام قبل أن تموت.”
ميريام؟ من تكون؟ بينما كنتُ أميل رأسي متسائلةً، همست لي ديبي في أذني.
“تلك الخادمة في قصر الورد… التي حاولت سرقة سيف الأميرة تيتانيا ونشرت إشاعة أنّها ممسوسة.”
“آه…”
– “جرؤت، جرؤت، جرؤت، على لمسي دون إذن ونشر إشاعة أنّني سيفٌ شيطانيّ؟! تلك المجرمة التي حاولت سرقتي من يد المتعاقدة النبيلة! へ[ ᴼ ▃ ᴼ ]_/¯!! لا يمكنني أن أسامحها!!”
‘لا، لا، هدّئي من روعكِ، لقد خسرت بالفعل أغلى ما تملك، ألا وهو حياتها.’
في الحقيقة، تلك الخادمة… لم تكن مذنبةً تمامًا. بالطبع، اقتحامها غرفة الأميرة لسرقة ممتلكات العائلة الإمبراطوريّة جريمةٌ تستحقّ الموت. لكنّها عندما لمست السيف ذا الرموز التعبيريّة، صرخت مذعورةً وهربت، وهذا ليس جريمةً تستحقّ الموت. من كان سيتصرّف بطريقةٍ مختلفة في تلك اللحظة؟
حاولت إهانة الأميرة والإمبراطورة وفشلت، فغضبت الإمبراطورة الاولى كليو وألقت عليها كلّ أنواع التّهم، فتعرّضت لمصيرٍ بشعٍ حقًا… أتذكّر ذلك.
نعم، لقد ماتت على الأرجح. لم يكن هناك مبرّر لإنقاذها. حتّى لو استيقظتُ بفضل قوّة السيف المقدّس، فإنّ إنقاذ خادمةٍ أهانت سيفي بوصفه سيفًا شيطانيًّا لم يكن منطقيًّا.
رفعت سارة، التي كانت ترتجف، رأسها.
“قالت إنّ السيف تحدّث إليها حقًا. وعندما فكّرت في الأمر، قالت إنّه أشار إليها بـ’اللصّة’. وقالت إنّ القوّة التي أظهرتها الأميرة تيتانيا في القصر ربّما لم تكن كذبًا…”
“حقًا؟ لكن من غير المعقول أن تكون الإمبراطورة الاولى كليو قد سمحت لمجرمةٍ كهذه بمقابلة أحد. كيف تمكّنتما من التحدّث؟”
هل كانتا صديقتي طفولةٍ أو تربطهما صلةٌ ما؟ لم يكن وضع سارة جيّدًا أبدًا، فهل كانتا قلقتين على بعضهما لدرجة أنّ إحداهما بذلت جهدًا خاصًّا لزيارة الأخرى؟ ربّما كان ذلك يستحقّ الشّفقة…
“أنا، أنا دفعتُ رشوةً سرًّا لحارسٍ لزيارة ميريام… عندما كنتُ أسرق قطع الدانتيل من قصر الورد، كانت ميريام تبيعها خارج القصر نيابةً عنّي…”
يا لها من قصّة. لم تكن سوى شريكةٍ في السرقة والتهريب… بدا من تجنّبها للنّظرات أنّها شعرت بالخجل، لكن ليس بدافع الشّفقة، بل خوفًا من أن يطالها الاتّهام بسبب تورّطها مع ميريام في بيع الأغراض المسروقة. نعم، صدقها جعلني أثق بها أكثر.
“أعلم أنّ ميريام ارتكبت جريمةً تستحقّ الموت! وأنا أيضًا ارتكبتُ جرائم تستحقّ الموت بحقّ الأميرة تيتانيا. لكن، لكن عائلة ميريام، وقرويّي قريتها… إنّ اتهامهم بجلب الشرّ إلى القصر والتآمر لاغتيال الإمبراطور، وهو ما يعادل الخيانة العظمى، وقتلهم بوحشيّة، أليس هذا مبالغًا فيه؟!”
“حدث شيءٌ كهذا؟”
اختفى التّعبير من وجهي. سالت الدّموع من عيني سارة.
“عندما ذهبتُ لزيارة ميريام، ظهرت الإمبراطورة الاولى كليو فجأة… اختبأتُ، لكن الإمبراطورة الاولى كليو بدأت تجلد ميريام بالسّوط بعنف. قالت إنّها لم تكن لتخطّط لمثل هذا الأمر لولا ميريام، وأنّ تصرّفاتها في تلك اللحظة أفسدت خططها… وقالت إنّها لن تترك أمّ ميريام المريضة في قريتها، التي كانت ترسل إليها كلّ الأموال التي سرقتها، ولا أخاها الأصغر الذي يدرس، بل ستجعل الجميع يموتون بالرّجم أمام النّاس بتهمة الخيانة…”
“………”
عمّ الصّمت الغرفة، ولم يبقَ سوى صوت بكاء سارة الخافت.
“بعد أن غادرت الإمبراطورة الاولى كليو، نادتني ميريام بوجهٍ مغطّى بالدّماء. توسّلت إليّ أن أنقذ أخاها الأصغر على الأقل. قالت إنّها ستمنحني كلّ الأموال التي جمعتهما سرًّا، فقط لإنقاذ أخيها الصّغير البالغ من العمر عشر سنوات، والذي يحلم بأن يصبح ذكيًّا ويدرس في العاصمة… لكن، ماذا كنتُ لأفعل؟”
صحيح.
محاولة إنقاذ أشخاصٍ متهمين بالخيانة العظمى كفيلةٌ بأن تودي بحياة المرء. خاصّةً إذا كان هناك بالفعل حدثٌ كبيرٌ في القصر، والإمبراطورة الاولى كليو تشتعل غضبًا…
كان من الطّبيعيّ ألّا تستطيع سارة، وهي مجرّد مواطنةٍ عاديّة، فعل أيّ شيء. لم تكن ميريام إلّا مضطرّةً للتوسّل رغم علمها بذلك، وكانت سارة تعاني من الشّعور بالذّنب رغم معرفتها بالواقع.
“كنتُ أعيش مرتجفةً خوفًا من أن يُكتشف أمر زيارتي السريّة لميريام. لكن الإمبراطورة الاولى كليو استدعتني فجأة، وقالت إنّها ستعيدني إلى قصر الورد، وأمرتني أن أتقرّب من الأميرة تيتانيا وأبقى بجانبها مهما حدث، وأن أبلّغها بكلّ شيء… عندها، جمعتُ شجاعتي وسألتها عن مصير ميريام، فقالت وهي تضحك إنّني لن أواجه مصيرًا مثل ميريام إذا أطعتُ أوامرها. في اليوم التّالي، اختفت ميريام.”
كان جسد سارة يرتجف بعنف، وكأنّها على وشك الانهيار.
“استخدمتُ الأموال سرًّا لمعرفة الأخبار، وعلمتُ أنّ قرية ميريام الأصليّة… تمّ إعدامها بتهمة الخيانة العظمى. عائلة ميريام تحديدًا عانت من مصيرٍ بشعٍ للغاية. أنا، أنا… لا أريد أن أموت هكذا! حتّى لو متّ، أريد أن أموت وحدي، لا أن أتسبّب في جعل عائلتي تواجه ذلك المصير!”
“………….”
زحفت سارة على ركبتيها وأمسكت بطرف ثوبي.
“أنا، أنا أخطأتُ بحقّكِ طوال هذا الوقت، يا أميرة تيتانيا! حقًا! أرجوكِ، سامحيني مرّةً واحدةً وساعديني!”
أمسكت سارة بطرف ثوبي بقوّة، كأنّه خطّ حياتها.
“لديّ أختٌ صغيرة، يا أميرة تيتانيا. بسبب فقر عائلتنا، بيعت كخادمةٍ لابنٍ غير شرعيّ لعائلةٍ نبيلة… لكنّ سيّدها سيّئ الطّباع، وهي تُضرب دائمًا ظلمًا! أردتُ إنقاذها، لذا كنتُ أجمع المال لفتح صالون تجميلٍ لائقٍ أو شيءٍ من هذا القبيل!”
أجبتُ بصوتٍ هادئ:
“لكنّكِ أدركتِ الآن، أليس كذلك؟ الإمبراطورة الاولى كليو ليست من النوع الذي سيترككِ تخرجين من القصر بأموالٍ طائلةٍ وتعيشين بسلام.”
“………”
ابتلعت سارة أنفاسها بصوتٍ خافت.
“لمَ لم تختري من تخدمينه بعناية؟ حتّى لو لم يكن هناك مكانٌ في القصر يفلت من عيني الإمبراطورة الاولى كليو، لو لم تتباهي بمهاراتكِ في التجميل وتحاولي كسب المال بأيّ وسيلة، لما أُرسلتِ إلى هنا.”
“في الحقيقة، أردتُ خدمة الإمبراطورة الاولى كليو، لكنّ مهاراتي لم تكن كافية…”
“صدقكِ يعجبني.”
لم أكن أهتمّ إن عاشت سارة وماري أو ماتتا، أو إن دمّرت معركتي مع الإمبراطورة الاولى ظهريهما. سارة وماري بالغتان، وهما ليستا جاهلتين تمامًا بطباع القصر. لقد انضمّتا إلى اضطهاد أميرةٍ صغيرةٍ بدافع طمع أموال الإمبراطورة الاولى كليو، لذا مهما كان مصيرهما، فهو نتيجة أفعالهما.
كنتُ أظنّ أنّهما ستحاولان خداعي هذه المرّة أيضًا بسبب تهديدات الإمبراطورة الاولى ومالها. لكن يبدو أنّ المأساة التي حلّت بقريبةٍ منهما فتحت أعينهما.
سارة وماري دليلٌ حيّ على محاولات الإمبراطورة الاولى كليو للسّيطرة على الأميرة تيتانيا. لو كانت علاقتي مع الإمبراطورة الاولى كليو سليمة، لكان الأمر مختلفًا، لكن طالما أنّها متوترة، فلن يخرجا من القصر حيّتين. الإمبراطورة الاولى لن تترك نقاط ضعفها خارج القصر.
“لقد رأيتُ كيف تغيّرتِ كثيرًا، يا أميرة تيتانيا. لذا، أرجوكِ، ألا يمكنكِ أن ترحميني؟”
توسّلت سارة بحرارة. عكست عيناها الخضراوان عينيّ الخضراوين الخاليتين من أيّ تعبير.
“ماذا كنتِ وماري تهمسان به عندما كنتُ منهارةً؟”
“………”
“ألم تتضاحكا قائلتين إنّ هذه الدّمية الجميلة تبدو أغلى ما تكون عندما تُغلق فمها وتُغمض عينيها؟ وإنّها لو ماتت، فمن أين ستأتيان بالمال؟ وعندما ذهبتُ بملابسٍ رثّة لرؤية خطيبي، ألم تضحكا قائلتين إنّ هذه الجميلة الغبيّة كادت تموت، ويبدو أنّ عقلها قد فسد فعلًا؟ لقد كنتما تهمسان لبعضكما وتضحكان، ظنًّا منكما أنّني لن أسمع. لكنّني سمعتُ وتجاهلتُ الأمر. ففي القصر، من لا يصحّح عاداته وسلوكه لن يعيش طويلًا.”
“يا أميرة تيتانيا…”
ارتجف جسد سارة بعنف.
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.