الفصل 318
الفصل 318
حدقت ثاليا في عناقيد الضوء العائمة. بدأ العالم من حولها، المغطى بالدخان، يتلاشى تدريجيًا. وراء حدود وعيها المتلاشي استطاعت سماع صوت خافت لأغنية. كان لحنا سمعته من قبل.
بينما كانت تستمع إلى اللحن الذي يتردد صداه كتيار بطيء الحركة، حاولت ثاليا، دون وعي، أن تدندن مع كلماته. لكن كل ما خرج من حلقها كان صوتًا أجشًا معدنيا. شعرت وكأن الهواء من حولها قد تحول إلى سائل كثيف لزج يلتصق بقصبة هوائها.
وبينما كانت تكافح لالتقاط أنفاسها المتلاحقة، أنزلت ثاليا جفنيها في النهاية. وبعد لحظة ابتلعتها هاوية من الظلام بالكامل.
انجرفت في الفراغ المظلم، غارقة في عجز عميق جعلها تشعر وكأن أطرافها تتلاشى. لم تكن تعلم كم من الوقت أمضت تطفو في ذلك الظلام عندما ضربها فجأة ارتطام عنيف.
انكمشت ثاليا على نفسها لا إرادياً أرادت أن تفتح عينيها لترى ما حدث، لكن جفنيها رفضا الحركة. لوت جسدها محاولةً التخلص من الضغط الهائل الذي كان يثقل كاهلها.
ثم شعرت بضغط قوي على معدتها، وانتابها غثيان شديد كما لو أن أحشاءها انقلبت رأساً على عقب. وبشكل غريزي، أدارت رأسها إلى الجانب.
وفي اللحظة نفسها، اندفع سائل مر من أعماق حلقها.
"اوف…. "
أمسكت ثاليا ببطنها المتشنجه وانخرطت في سلسلة من السعال العنيف والمتشنج وتدفق حمض المعدة من فمها، تاركاً بقعة قبيحة على السجادة.
وبينما كانت تحدق فيه من خلال رؤيتها الضبابية، اخترقت أنة خافتة وعيها المشوش فجأة.
أدارت ثاليا رأسها ببطء. وفي لحظة ما، انتهى بها الأمر ممددة على الأرض بجانب السرير.
بدت عليها الحيرة للحظة، ثم لاحظت الظل الهائل الذي يخيم عليها. فتجمدت في مكانها على الفور.
خفض وحش عملاق رأسه فوق مؤخرة رقبتها، وجسمه الضخم يرتجف قليلاً.
رمشت ثاليا ببطء بجفنيها المرتجفين قبل أن ترفع يدها لتحتضن رأس الذئب. رفع الذئب رأسه ونظر إليها.
حدقت في حيرة إلى الوجه الرمادي المألوف والغريب في آن واحد، كما لو أنها لم تره منذ عقود. ثم انهمرت فجأة قطرات دافئة على جبينها.
استغرقت عدة ثوان لتدرك أنها دموع.
استمرت الدموع الساخنة في الانهمار من عيني الذئب الرهيب الفضيتين الزرقاوين اللتين كانتا مليئتين بالألم.
شعرت ثاليا بقشعريرة تسري في عمودها الفقري، فمررت إبهامها على خدّ الذئب . لكن مهما حاولت مسح دموعه ، لم تتوقف.
وبجهد كبير، فتحت ثاليا شفتيها المتشققتين.
".لا تبكي ……"
لسبب ما، بدت تلك الكلمات وكأنها تزيد من معاناة الذئب.
تشنجت عيناه من الألم قبل أن يدفن رأسه في مؤخرة عنقها.
بعد أن حدقت تاليا في السقف لبعض الوقت، رفعت ذراعها الثقيلة في النهاية وربتت برفق على ظهر "كان".
كانت تشعر بنبضات قلبه غير المنتظمة تحت كفها.
وفجأة، انطلقت شهقة مكتومة من شفتيها.
"… لا تبكي يا "كان". لقد كنت مخطئة."
بدأت الدموع التي ظنت أنها جفت منذ زمن طويل تملأ عينيها من جديد فاستجمعت ما تبقى لديها من قوة، وسحبت "كان" إلى حضنها.
" كنت مخطئة حقًا."
توغل الذئب أكثر في حضنها شعرت ثاليا بأنفاسه المتقطعة اللاهثة تغمر مؤخرة عنقها، فأغمضت عينيها بشدة.
"لن أتركك وحيداً مرة أخرى."
ارتجف جسد "كان" النحيل والمتوتر وهو يطلق هديرًا خافتا.
عند رؤيته وهو يعاني بكل كيانه، ظهر شرخ أخيراً في القلب الذي كان متجمداً تماماً.
وبينما بدأت رؤيتها تتضح تدريجياً، ضغطت خدها على جبهة الذئب.
انتابها حزن لا يُفسّر، كما لو أنها استيقظت للتو من حلم طويل حزين. وكتمت ثاليا شهقةً كادت ان تنفجر، فضمت وجه "كان" بین يديها ورفعته نحوها.
انعكست صورتها في عينيه الزرقاوين، المتلألئتين ببريق فضي. لم يكن فيهما شيء سواها. نظر إليها وكأنها عالمه كله، ففاضت في صدرها موجة من الدفء.
أطلقت ثاليا نفساً طويلاً مرتجفاً.
هناك كائن في هذا العالم يحبني أكثر من أي شيء آخر.
وهكذا، قررت أن تعيش لفترة أطول قليلاً.
*******
لقد انقضى الصيف الطويل والمضطرب أخيراً، وأصبح موسم الرياح على الأبواب.
أخذت ثاليا نفساً عميقاً، ولفت شالاً سميكاً حول كتفيها بعناية.
اختفت حرارة منتصف الصيف الرطبة تماماً، وحل محلها عبير المراعي الجاف والمنعش الذي يملأ القلعة الآن.
جلست ثاليا على حافة النافذة، تحدق في التلال والحقول التي تتلاشى تدريجياً إلى اللون البني الباهت. ثم خفضت عينيها.
رفع الذئب الرهيب الملقى على الأرض رأسه على الفور وأصغى باهتمام.
مدت ثاليا يدها لتمسح على رأس "كان" قبل أن تنهض. وأخذته معها وغادرت الغرفة.
بعد انتهاء فترة الحجر الصحي التي استمرت لأسابيع، بدأت ثاليا باصطحاب "كان" معها في نزهات ممتعة حول القلعة كل صباح ومساء.
كثيراً ما كان النبلاء المقيمون في قلعة رايدجو، وكذلك الخدم، يرمقونها هي و"كان" بنظرات استياء. ومع ذلك، لم تعرهم ثاليا اهتماماً يذكر.
وكأنها تحاول تعويض الوقت الذي أهملته فيه، كرست كل اهتمامها لرعاية "كان" .
خلال فترة حبسه، لا بد أنه أحدث ضجة كبيرة. كانت مخالبه مكسورة، ووسادات كفوفه متشققة. قامت بوضع مرهم بعناية على جروحه، ومشطت فرائه الرمادي الباهت والمتلاشي بجد بل وطلبت من الخدم إحضار قطع لحم دهنية له، وأطعمته إياها بيديها.
لكن "كان" كان مترددا في تناول الطعام.
على ما يبدو، فإن مشاهدته لها وهي تنهار فاقدة للوعي تحت تأثير المخدرات قد هزته بشدة.
ولطمأنة الذئب، الذي كرس كل اهتمامه الآن لمراقبة كل تحركاتها، حاولت ثاليا جاهدة أن تتصرف بشكل طبيعي قدر الإمكان.
عندما يحين وقت الطعام، كانت تجلس على مائدة الطعام وتجبر نفسها على الأكل. وفي الأيام الجميلة، كانت تخرج إلى الحديقة للتنزه. وفي بعض الأحيان، كانت تصطحب "كان" لزيارة قبر الطفل المتوفى، حيث كانا يقضيان لحظات هادئة معا.
ربما كانت جهودها تؤتي ثمارها، لأن "كان" بدأ تدريجياً بالعودة إلى طبيعته السابقة.
بدا أنه قد قرر أخيراً أنه لم يعد بحاجة لمراقبتها في كل لحظة من اليوم. بل كان يختفي أحياناً بهدوء بينما هي غارقة في النوم.
في المرة الأولى التي اكتشفت فيها اختفاء "كان" ، كاد قلبها ان يتوقف. لكن عندما عاد وكأن شيئاً لم يكن، والتصق بها على الفور، شعرت بالراحة أخيراً.
لن يتركها "كان" أبداً.
حتى عندما حاولت التخلي عنه بأبشع الطرق الممكنة، ظل يحبها دون أن يتزعزع بقى بجانبها، شاهداً على ألمها وحزنها
ومعاناتها عن كثب أكثر من أي شخص آخر، مشاركاً إياها كل لحظة منها.
الآن، أصبح "كان" يعني لها أكثر بكثير من مجرد كونه تجسيداً لطفلها المتوفى.
عندما استندت إليه وغفت في النوم، استطاعت أن تنسى كل أحزانها وآلامها.
دفعت الواقع المحيط بها إلى أقصى زوايا وعيها، وانغمست كلياً في الوقت الذي قضته مع "كان".
طالما بقيت داخل أعماق عينيه الزرقاوين، شعرت وكأن لا شيء في العالم يمكن أن يؤذيها.
كلما انغمست في ذلك الشعور السلمي، كانت الكلمات التي نطقت بها تيوران ذات مرة تعود فجأة إلى ذهنها.
حتى أشد الآلام التي لا تطاق تتلاشى تدريجياً مع مرور الوقت، حتى تصبح في يوم من الأيام صغيرة بما يكفي لتحملها .
' هل سيتلاشى الألم الذي تعانيه الآن في نهاية المطاف أيضاً؟ '
طالما بقي "كان" بجانبها، شعرت أنها تستطيع تحمل أي عدد من السنوات التي تستغرقها حتى يخف ألمها.
قامت ثاليا بمداعبة "كان" بحنان والذي كان يتبعها كظلها، قبل أن تخرج من القلعة.
خيم جو كئيب على الفناء الفسيح.
قامت بمسح الحديقة والفناء الخلفي ببطء، واللذان بدا أنهما أصبحا مهجورين في غضون أيام قليلة فقط.
منذ أن غادر فاركاس في حملة عسكرية أخرى، أصبحت قلعة رايدجو أكثر هدوءًا بشكل ملحوظ.
ربما بسبب مغادرة العديد من الجنود للقلعة، حتى ساحات التدريب الصاخبة عادةً ، خيم عليها الصمت.
رفعت ثاليا رأسها لتنظر إلى أسوار القلعة، ثم استدارت وبدأت بالسير على طول الممر.
في تلك اللحظة بالذات اندلعت ضجة بالقرب من بوابات القلعة.
بدت ثاليا في حيرة من أمرها وهي تراقب مجموعة من الخدم يهرعون مسرعين عبر الحديقة.
******
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.