مساحة للحكاية، ووقت لك← الحقول المنسية
الفصل 316نحو 7 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 316

مر الوقت ببطء مؤلم.

كانت ثاليا مستلقية على السرير تحدق في السقف بشرود، ثم أدارت رأسها عندما سمعت صوت فتح الباب.

يبدو أن وقت الطعام قد حان، إذ كانت الخادمات تدخلن الغرفة. وبينما كن يضعن الطعام على المائدة، نهضت ثاليا ونظرت من النافذة. وعلى عكس سكون غرفتها، حيث بدا كل شيء وكأنه متوقف في الزمن، استمرت الحياة في الخارج بنشاط محموم.

كان العشرات من الخدم يهرعون جيئة وذهاباً عبر الفناء الداخلي، بينما كان الجنود المسلحون يتحركون في صفوف قرب الأسوار الخارجية لتبديل نوبات عملهم. كما كان بالإمكان رؤية عمال يقومون بأعمال ترميم هنا وهناك. كانت قد سمعت أن متسللين هاجموا القلعة، ويبدو أن الأضرار كانت أكبر مما توقعت.

' كم من الوقت كانت تحدق بشرود في المشهد الفوضوي عندما سمعت صوتاً حذراً من خلفها ؟ '

صاحبة السمو، وجبتكم جاهزة.

"… ساكل عندما أشعر بالرغبة في ذلك، لذا يمكنكم المغادرة الآن."

لوحت بيدها عرضاً وكأنها لا تبالي. وبعد تردد للحظة، غادرت الخادمات الغرفة.

حرکت ثاليا الطعام بشوكتها على مضض، ثم اكتفت بكأس من النبيذ الدافئ قبل أن تستلقي على السرير مجدداً. ومع بدء مفعول الكحول، بدأت أعصابها، التي كانت متوترة للغاية، تسترخي تدريجياً.

أطلقت تنهيدة ارتياح ودفنت وجهها في الوسادة. وما هي إلا لحظات حتى بدأ وعيها يتلاشى. فقدت الأفكار التي كانت تملأ ذهنها ترابطها وتشتتت، حتى أن مرور الوقت بدا وكأنه يتلاشى كانت سعيدة حقا بذلك.

كان من المريح ألا تشعر بشيء أثناء نومها. لم تعد ترغب في الشعور بأي شيء. ' كم سيكون رائعاً لو استطاعت النوم هكذا إلى الأبد؟ '

ضمت يديها معا كما لو كانت تصلي. ولكن، كالعادة، لم تستجب أمنيتها.

عندما استعادت ثاليا وعيها، حدّقت من النافذة في السماء التي بدأت تظلم مع اقتراب الغسق، قبل أن تجلس ببطء. لا بد أن الخادمات قد دخلن وخرجن أثناء نومها، إذ كانت المائدة قد رفعت بالكامل. نظرت حولها في غرفة النوم المرتبة بعناية، ثم نهضت من السرير وفتحت النافذة على مصراعيها.

بينما كانت تستنشق هواء المساء البارد، بدا الصداع النابض وكأنه يخف قليلاً. زفرت ثاليا بعمق وأسندت رأسها بضعف على إطار النافذة.' كم من الوقت بقيت على هذه الحال؟ ' على حافة رؤيتها الضبابية، لاحظت مسار الغابة المظلم يبدأ بالاختفاء في الظلال.

حدقت بشرود في الممر الذي اعتادت السير عليه مرات لا تُحصى يومياً. وفجأة، انتابتها رغبة قوية لا تفسر، فاستدارت على الفور. ألقت رداءً رمادياً على كتفيها وغادرت الغرفة.

على غير المتوقع، لم يكن هناك أي حراس في الأفق. ربما قرروا أنه على الرغم من وضعها تحت الإقامة الجبرية، فإن عقوبتها لم تكن قاسية بما يكفي لتبرير حراسة الجنود لها حتى وقت متأخر من الليل. أو ربما خفف الحراس من يقظتهم لأنها أمضت الأيام القليلة الماضية تتصرف بهدوء تام.

سحبت ثاليا غطاء رأسها فوق رأسها، وألقت نظرة خاطفة حولها بحذر، ثم شقت طريقها إلى نهاية الممر. صعدت الدرج الضيق الذي يستخدمه الخدم، وخرجت إلى الفناء الخلفي للقلعة، حيث امتدت أمامها مساحة مفتوحة شبه خالية. بدا أن معظم الخدم قد أنهوا أعمالهم اليومية وعادوا إلى مساكنهم. بين الحين والآخر، لمحت عمالاً يحملون الحطب أو دلاء الماء، لكن لم يبد أن أيا منهم قد لاحظ وجودها.

عبرت ثاليا المساحة المفتوحة دون تردد وشقت طريقها عبر الغابة خلف القلعة. وبعد وقت قصير، ظهر كوخ تيوران في ضوء الغسق.

اقتربت منه وحاولت فتح مقبض الباب. لحسن الحظ، كان الباب غير مغلق. وقفت بلا حراك، وألقت نظرة خاطفة من خلال الفتحة الضيقة في الباب المفتوح جزئياً قبل أن تخطو إلى الداخل بحذر.

انبعثت رائحة عفنة كريهة على الفور في أنفها.

تجمدت من الدهشة. لطالما كان هذا المكان يفوح بروائح الأعشاب العطرة والتوابل النفاذة والحطب المحترق. أما الآن فلم يعد في الكوخ الخالي سوى برودة قارسة وطبقات من الغبار.

نظرت حولها، ثم التقطت المصباح من على المكتب وسحبت الآلية المتصلة بفتيله لإشعاله. لحسن الحظ، بقي القليل من الزيت، فانبعث منه ضوء خافت. أمسكت المصباح بيدها، وفحصت الكوخ المنهوب بعناية.

كانت الرفوف وخزائن الكتب فارغة تمامًا. يبدو أن مدير القلعة الداخلية، فور سماعه نبأ وفاة صاحبها، قد جمع كل ما هو ثمين. لم تقتصر الاختفاءات على كتب تيوران العزيزة وأعشابها الطبية فحسب، بل حتى الأدوات التي كانت معلقة على الجدران اختفت.

بعد أن فتشت خزانة الأدوية، ولم تجد فيها سوى بضع زجاجات مكسورة، بدأت ثاليا بفتح الأدراج واحداً تلو الآخر. لم تكن تعرف حتى ما الذي تبحث عنه. ربما أرادت فقط التأكد من أن لطف تيوران لم يكن مجرد وهم.

فتحت الدرج الأخير بيدين مرتعشتين. لم تجد سوى بضع أوراق صفراء باهتة وعدد من أقلام الريش متناثرة بداخله. حدقت فيها بعيون غائرة قبل أن تخطر لها ذكرى فجأة. انحنت على ركبتيها وفحصت ألواح الأرضية على ضوء المصباح لوقت طويل. وأخيرًا، اكتشفت فجوة صغيرة.

التقطت عصا التحريك بجانب المدفأة وأدخلتها بين ألواح

الأرضية. ثم ضغطت على القضيب الحديدي، ورفعت اللوح لأعلى، فظهرت تحته حجرة ضيقة مخفية.

قربت ثاليا المصباح ونظرت إلى داخله.

تحت ألواح الأرضية كانت الأدوية والمكونات الطبية التي أعدتها ماريسين ملفوفة بعناية بقطعة قماش جلدية ومكدسة فوق بعضها البعض. وبينما كانت ثاليا تفتش بينها، لاحظت فجأة حزمة من الورق مدسوسة تحت الغلاف الجلدي، فتجمدت في مكانها.

لم تره من قبل.

أخرجته وفردته بعناية. كانت الصفحات مكتظة بجمل مكتوبة بخط بدا وكأنه متسرع وغير متقن.

خفضت ثاليا نظرها إلى السطر الأول وتوقفت عن التنفس.

لا أجرؤ على أن أطلب منكِ أن تسامحينني.

لم تستطع ثاليا أن تصرف نظرها عن تلك الكلمات، فبدأت ببطء في قراءة السطور التي تلتها.

لا شك أنني سأسقط في الجحيم.

لكنني لا أهتم.

لأن كل من أحب سيكون هناك.

ارتجفت أطراف أصابعها ارتعاشًا طفيفا وهي تمسك بالورق. وبطريقة ما تمكنت ثاليا من قلب الصفحة التالية، فوجدت بصرها مليئا بمزيج فوضوي من الكلمات، مكتوبة بلا نظام أو ضبط، كما لو أن الكاتب يعترف بذنوبه.

انضممت إلى كنيسة الروح العظيمة بعد فترة وجيزة من فقدان طفلي الأول.

عندما كنت في الرابعة عشرة من عمري، التقيت بشاب ووقعت في حبه بجنون. كان كل شيء بالنسبة لي. وعندما بلغت الثامنة عشرة، رزقنا بطفل.

لكنني لم أستطع الزواج منه لأنه كان وثنياً لم يسجل اسمه قط في سجلات الكنيسة.

أراد أن يأخذني بعيدًا عن هذا المكان. لكنني رفضته بحماقة، حتى وهو يتوسل إلي بدموعه. في ذلك الوقت، كان إيماني لا يزال راسخا .

لكن ذلك الإيمان تحطم تماماً في العام الذي فقدت فيه طفلي.

رفض الكاهن تعميد طفلي بحجة أنه غير شرعي ويحمل دما زنديقيا حتى في يوم وفاته رفض أن يمد له يد العون.

في النهاية، دفن طفلي عند مدخل غابة أرموند دون أن يمنح حتى قبراً.

منذ ذلك اليوم، قررت ألا أتوسل إلى الله أن يرحمني. وبدلاً من

أن أصدق أن طفلي سيعاني عذاباً أبدياً في نار جهنم، اخترت أن أصدق أنه قد بعث من جديد ذئباً، يجوب الغابات والحقول بحرية .

منذ زمن بعيد، وتبعاً لمعتقدات أجدادي، كنت أتخيل أن طفلي كان ينشد لي قصائد في الليالي المقمرة عند مدخل غابة ارموند. لولا هذا العزاء البسيط، لكنت انهرت منذ زمن بعيد.

وبعد أن رمشت بعينيها اللتين أصبحتا ضبابيتين بشكل متزايد قلبت ثاليا الورق أخيراً بعد فترة طويلة.

لم تكن لدي أي نية للكشف عن هذا الاعتقاد لأي شخص.

كل ما أردته هو أن أقضي بقية حياتي بهدوء وأنا أعتقد أن طفلي يعيش سعيداً في مكان ما.

لكن في أحد الأيام التقيت به مجدداً. كان لا يزال يحبني. وبعد فترة وجيزة، رزقنا بطفل ثان.

في اللحظة التي نظرت فيها إلى عيني تلك الطفلة، عرفت أنني سأكون على استعداد لتقديم أي تضحية من أجلها. لذا هذه المرة، كنت أنا من طلب منه أن يترك كالمور معي.

لم يعد للدين والوطن أي معنى بالنسبة لي.

لكن، على نحو غير متوقع، رفض طلبي. كان لديه هدف كان عليه تحقيقه.

في النهاية، لم يكن أمامی خیار سوی ترکه يرحل مرة أخرى.

كان علي أن أعهد إليه بابنتنا الصغيرة الغالية، التي أحببتها أكثر من حياتي.

إذا أبقيتها بجانبي، فقد تعاني نفس مصير طفلي الأول.

في ذلك الوقت تقريباً التقيت بكِ.

شعرت ثاليا ببرودة أطراف أصابعها أكثر فأكثر وهي تحرك نظرها إلى السطر التالي.

لم تكن نيتي أبداً أن أخدعكِ منذ البداية.

*****

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.