الفصل 312
◇◇◇◇
لم تفتح تاليا عينيها مجددًا إلا حين بدأت أشعة الغروب الحمراء تتسلل عبر القضبان.
رفعت تاليا رأسها عند سماع صوت صرير، فرأت ظلًّا أسود قاتمًا يدخل من الباب الحديدي، فانكمش جسدها لا إراديًّا. توقّف الدخيل للحظة عندما رأى رد فعلها، ثم اقترب بحذر من الطاولة ووضع عليها شيئًا.
أدارت تاليا رأسها ونظرت إليه. كان هناك خبز وحساء وإبريق ماء فوق صينية. راحت تتأملها بصمت، وكأنها ترى هذه الأشياء للمرة الأولى في حياتها، حين سمعت صوتًا مألوفًا بالقرب منها.
“سأعود صباح الغد. إن كنتِ بحاجة إلى أي شيء، فأخبريني به مسبقًا الآن.”
استدارت تاليا، وما إن وقعت عيناها على وجه بريسا الصغير الذي لا تزال آثار الصبا بادية عليه، حتى أسرعت برفع الجزء العلوي من جسدها.
“ماذا حدث لباركاس؟ هل تحسنت حالته الآن؟”
تدفقت أسئلتها على عجل، فمرّت مشاعر متضاربة على وجه الخادمة. راحت بريسا تحرّك عينيها في حرج، ثم تجنبت النظر إليها بصورة مرتبكة وأجابت:
“لا يزال فاقدًا للوعي.”
“إذًا… هل لا يزال في حالة خطرة؟”
سألت تاليا بصوت أجش، وقد شحب وجهها حتى بدا كوجه شبح، فيما ظلّت تحدّق في الأرض. لم تستطع بريسا الإجابة على الفور، وظلّت مترددة طويلًا قبل أن تومئ برأسها ببطء.
“سمعتُ أنهم بحاجة إلى مراقبة تطورات حالته لبعض الوقت.”
أسندت تاليا ظهرها إلى الحائط بلا حول ولا قوة. لم تعد حتى قادرة على البكاء.
كان الأمر أشبه بفراغ اجتاح جسدها من الداخل، فتركت أطرافها تتدلى بارتخاء، وكأن روحها قد فارقتها. و حين لاحظت بريسا شحوبها، تراجعت خطوة إلى الوراء بخفة وقالت:
“إن لم تكوني بحاجة إلى شيء آخر، فسأستأذن بالانصراف.”
ثم اتجهت نحو الباب.
كانت تاليا تحدّق في الفراغ بوجه خالٍ من التعبير، لكنها ما إن أدركت أنها ستغادر حتى أمسكت بطرف تنورتها على عجل.
“تيوران…”
كانت تعلم جيدًا أن ذكر اسم تيوران في هذه اللحظة قد يثير الشكوك حولها هي الأخرى، لكنها لم تستطع كبح القلق الذي يخنقها.
ابتلعت تاليا ريقها بصعوبة، ثم تابعت:
“ماذا قالت تيوران؟ ألم تترك أي رسالة أخرى بشأن حالة باركاس؟”
فجأة، تبدّلت ملامح بريسا بصورة ملحوظة، واسودّ وجهها وهي تطبق شفتيها بإحكام وتخفض نظرها إلى الأرض.
أثار رد فعلها غير المألوف قشعريرة باردة في عمود تاليا الفقري.
شدّت تاليا قبضتها على طرف تنورة بريسا أكثر.
“ما بكِ؟ هل حدث شيء لتيوران؟”
“السيدة تيوران… لقد توفيت.”
رمشت تاليا بعينيها في ذهول، عاجزة عن استيعاب الكلمات التي سمعتها.
عضّت بريسا شفتيها وكأنها تحاول كبح شيء ما في داخلها، ثم استدارت مجددًا. وما إن همّت الخادمة بالخروج من الغرفة، حتى تشبثت بها تاليا بكل ما تبقى لديها من قوة.
“ا-انتظري لحظة! ما الذي تعنينه بهذا الكلام؟ تيوران ماتت…”
“……الأمر كما أخبرتكِ تمامًا. عُثر على السيدة تيوران في الكوخ فجر اليوم، وقد فارقت الحياة.”
أجابت الخادمة، وقد احمرّت عيناها وامتلأتا بالدموع.
أما تاليا، التي تجمدت في مكانها من شدة الذهول، فحرّكت شفتيها بصعوبة.
“ل-لماذا فجأة…؟”
“في الليلة الماضية… استغلّ أتباع الديانة الهرطوقية انشغال الجميع بينما كان الدوق الأكبر يصارع الموت، وتسللوا إلى داخل القلعة.”
قالت بريسا بصوت مختنق.
“لم تفقد السيدة تيوران حياتها وحدها، بل قُتل أيضًا كثيرون من سكان القلعة. والآن، تحوّل كل شيء داخلها إلى فوضى عارمة…”
ما إن بلغت بريسا تلك الكلمات حتى غطّت فمها بكفّها، وكأنها تحاول منع نفسها من البكاء. أما تاليا، فأرخت قبضتها وسقطت يدها بلا قوة.
وبعد أن ظلّت الخادمة ترتجف بكتفيها قليلًا، غادرت الغرفة مسرعة، وكأنها تهرب منها. حدّقت تاليا بعينين خاليتين من الحياة في الباب الحديدي المغلق بإحكام، ثم انهارت ببطء على الأرض، كدمية انقطع خيطها.
ومن خلف رؤيتها التي غشاها الضباب، أبصرت السماء وهي تفقد آخر خيوط النور. وفي أعماق يأس لا قرار له، ظلّت تراقب الظلام وهو يزحف نحوها شيئًا فشيئًا.
كان لوكاس يسير بخطوات سريعة بمحاذاة أسوار القلعة، فيما كانت حذاؤه الملطخان بالتراب يصدران أصواتًا ثقيلة مع كل خطوة.
كانت آثار المأساة التي وقعت قبل أيام لا تزال واضحة في أرجاء القلعة.
فقد تراكمت الحجارة المحطمة والأخشاب المتكسرة بصورة فوضوية حول السور العلوي، بينما بقيت بقع الدم متناثرة على جدران القلعة في مواضع لم يتمكن أحد من تنظيفها بعد.
تأمل لوكاس المشهد بعينين يخيّم عليهما الحزن، ثم خفض نظره نحو المنطقة الواقعة أسفل السور.
كان الجنود الذين عادوا من عمليات البحث متجمعين في مجموعات صغيرة داخل ساحة التدريب.
و قد بدوا جميعًا منهكين إلى أقصى حد، بعد أن أمضوا أيامًا يتجولون في الجبال والحقول دون أن ينالوا قسطًا كافيًا من الراحة.
أطلق لوكاس تنهيدة ثقيلة.
على مدار الأيام الماضية، قاد الجنود وفتّشوا المناطق المحيطة بكالمور من أقصاها إلى أقصاها، لكنهم لم يحققوا أي نتائج تُذكر.
فقد اختفى المجهولون الذين تجرؤوا على مهاجمة قلعة رايدغو دون أن يتركوا أثرًا، بعدما حرروا سجناء الديانة الهرطقية المحتجزين في الزنزانات تحت الأرض وأخذوهم معهم.
كما فشلوا في العثور على المقر الرئيسي للناهبين.
أطبق لوكاس فكيه بشعور مرير من الخيبة.
لم يكن فشل خطة الحملة العسكرية التي استمرت أسابيع قليلة المشكلة الوحيدة، بل إن الأمر الأكثر خطورة كان التراجع الكبير الذي أصاب هيبة أسرة الدوق الأكبر.
فقد كان رب الأسرة يصارع الموت بعد أن كادت زوجته تسممه، كما تعرّضت القلعة للغزو والنهب على أيدي البرابرة.
فأي إهانة يمكن أن تكون أشد من ذلك؟
أمسك لوكاس بجبهته التي أخذت تنبض بالألم.
إذا لم يستفق أخي الأكبر أبدًا، فسيتعين عليّ تولّي مسؤولية احتواء هذه الفوضى بنفسي.
هل سأتمكن حقًا من تجاوز هذه الأزمة بقدراتي وحدها؟
ظلّ لوكاس ممسكًا بالسور العلوي بقوة، وهو يتأمل قلعة رايدغو والأراضي الشاسعة الممتدة خلفها، ثم استدار أخيرًا وعاد أدراجه نحو القلعة الداخلية.
و حين عبر البوابة الداخلية ووصل إلى مدخل القاعة الكبرى، وقعت عيناه على مشهد مختلف تمامًا عمّا اعتاده.
فقد كانت القاعة التي طالما ازدحمت بالخدم والزوار خالية إلى حد يبعث على الكآبة، بينما ارتسم التوتر بوضوح على وجوه جميع الخدم الذين كانوا يتنقلون في الممرات.
تجاوزهم لوكاس وصعد الدرج مباشرة.
وفي تلك اللحظة، لمح كبير الخدم يمرّ في الممر بالطابق العلوي. فأسرع بصعود الدرجات المتبقية دفعة واحدة، واعترض طريق الرجل.
“كيف حال أخي الأكبر؟ هل استعاد وعيه؟”
“ليس بعد.”
أجاب كبير الخدم، الذي بدا عليه الهزال بوضوح خلال الأيام القليلة الماضية، ثم فرك المنطقة الداكنة تحت عينيه وأضاف:
“لكنني سمعت أنه تجاوز مرحلة الخطر، لذا يُفترض أن يستفيق قريبًا.”
للحظة، ارتخت كتفا لوكاس المتصلبتان، وسمح لنفسه بالتنفس براحة عند سماع خبر يحمل بصيصًا من الأمل، وهو أول خبر سار يسمعه منذ أيام.
لكن الكلمات التي تلت ذلك جعلت ملامحه تتجمد مجددًا.
“وبما أن حالة سموّه استقرت إلى حدّ ما الآن، فأعتقد أنه ينبغي لنا أن نبدأ بتحديد العقوبة التي ستُفرض عليها.”
حدّق لوكاس في وجه كبير الخدم المتصلب بنظرة باردة.
“إن كنت تقصد… زوجة أخي؟”
“ومن غيرها؟”
أجاب الرجل بصوت يقطر غضبًا، ثم أخذ نفسًا عميقًا وأخرجه محاولًا تهدئة حنقه، قبل أن يتابع:
“حتى بين أتباع الدوق الأكبر، تتعالى الأصوات المطالبة بمعاقبة سمو الدوقة الكبرى.”
“لم تُحسم إدانتها بعد.”
خرج صوت لوكاس أكثر حدّة مما توقع، فارتجف للحظة من المفاجأة.
و لم يكن هو وحده من تفاجأ، إذ رفع كبير الخدم نظره إليه بملامح مذهولة.
“ألم تعترف بنفسها بأنها وضعت الدواء في كأس سمو الدوق الأكبر؟ فكيف تقول إن ذنبها لم يثبت بوضوح رغم ذلك؟”
لم يجد لوكاس ما يردّ به، فأطبق شفتيه وصمت.
لم يكن يفهم أصلًا لماذا يحاول الدفاع عن تلك المرأة.
أليست هي المسؤولة عن دفع أخيه الأكبر إلى حافة الموت؟ وإضافة إلى ذلك، فإن اقتحام أتباع الديانة الهرطقية للقلعة فور سقوط الدوق الأكبر لم يكن أمرًا مطمئنًا على الإطلاق.
كان معظم أتباع الأسرة قد خلصوا بالفعل إلى أنها شريكة في المؤامرة، و هو أيضًا لم يكن يعتقد أن تاليا بريئة تمامًا.
و مع ذلك، لم يستطع لوكاس أن يؤيد المطالبات بإنزال عقوبة صارمة بها.
بعد صمت طويل، فتح لوكاس فمه أخيرًا وقال بصوت مثقل بالهموم:
“الأمر الأهم الآن هو أن يستفيق أخي الأكبر بسلام. لن يكون الأوان قد فات لاتخاذ قرار بشأن مصير زوجته بعد ذلك.”
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.