الفصل 311
◇◇◇◇◇
ظلت تالْيا تحدق في وجه الرجل ذي الملامح الخشنة دون أن ترمش، ثم أطرقت برأسها ببطء.
لم تجد ما يمكنها قوله ردًّا عليه، فاكتفت بالتحديق في الأرض بشرود. عندها، قال أحد الجنود الواقفين عند الباب بلهجة ساخرة:
“لا بد أنكِ تشعرين بخيبة أمل لأن الأخبار لم تأتِ على النحو الذي كنتِ تأملينه.”
ارتجف جسد تالْيا فجأة، وكأن شيئًا حادًّا قد اخترقها.
أرادت أن تدافع عن نفسها وترد عليه، لكن لسانها بدا وكأنه تجمد، فلم تستطع إخراج كلمة واحدة.
وبينما كانت تقف في مكانها بوجه شاحب خالٍ من الدماء، تقدم جندي ضخم البنية، كان يحدق فيها بنظرات مشحونة بالعداء، وأطبق قبضته الغليظة على معصمها بعنف.
“حان الوقت لنذهب.”
ثم جرّها خلفه دون أن ينتظر جوابها.
لم تستطع تالْيا حتى التفكير في المقاومة، فسارت حيث يقودها الرجل.
و ما إن خرجت إلى الممر حتى تسللت برودة الأرض الجليدية عبر قدميها الحافيتين، ونفذت إلى أعماق عظامها.
لكن لم يكن لديها متسع من الوقت للبحث عن حذائها.
سارت في الممر مترنحة، كدمية مربوطة بخيوط يحركها غيرها. كانت النظرات التي تمزج بين الريبة والعداء تنهال عليها من كل جانب، ومع ذلك، لم تشعر بشيء على نحو يثير الاستغراب.
تجاوزت تالْيا نظرات الخدم الحادة بوجه جامد، وعبرت القاعة حتى خرجت إلى الفناء الخلفي للقلعة.
“من هنا.”
قال الجندي الذي كان يسير في المقدمة، مشيرًا إلى برج القلعة القائم عند طرف الساحة المفتوحة.
تبعته تالْيا إلى داخل المبنى الحجري المعتم. و بعد أن اجتازت غرفة حجرية فوضوية تفوح منها رائحة العفونة، صعدت درجًا حلزونيًّا ضيقًا، حتى ظهر أمامها باب حديدي سميك مزود بقضبان.
اقترب الجندي من الباب، وفك مجموعة المفاتيح المعلقة عند خصره، ثم فتحه وأشار إليها بذقنه.
“ادخلي.”
امتثلت تالْيا لأمره ودخلت زنزانة انفرادية خافتة الإضاءة.
كانت الغرفة ضيقة، وبدا أنها تُركت مهجورة منذ زمن طويل. احتوت على سرير قديم مفروش بالقش، وطاولة صغيرة، وكرسي خشبي، وجرّة مملوءة بالماء.
وبينما كانت تتفحص تلك الأشياء المتناثرة بنظرات بطيئة، سمعت صوت الباب الحديدي يُغلق خلفها.
انتفضت تالْيا والتفتت إلى الوراء.
لم يبقَ في الغرفة معها سوى أحد المرافقين المباشرين لباركاس. جلس الرجل على طرف الكرسي، ثم أشار إليها بنظرة.
“اجلسي. لديّ بعض الأسئلة التي أريد طرحها عليكِ.”
جلست تالْيا بصمت على طرف السرير.
مرر الرجل أصابعه الخشنة، التي غطتها طبقات سميكة من الجلد المتصلب، على المنطقة الداكنة المحيطة بعينيه، ثم سألها بصوت تتخلله نبرة من الإرهاق:
“أخبريني بكل ما حدث ليلة أمس، منذ البداية وحتى النهاية.”
أنزلت تالْيا عينيها إلى يديها المضمومتين بانتظام فوق ركبتيها.
كان عقلها يبدو فارغًا تمامًا، فلم تستطع النطق بشيء لبعض الوقت. وبعد أن ظلت تعبث بأظافرها التي اكتسبت لونًا أحمر داكنًا مدة طويلة، أطلقت أخيرًا صوتًا مبحوحًا.
“ذهبتُ إلى مكتب باركاس أمس، لأنني كنت أنوي تناول العشاء معه على انفراد. وبعد ذلك…”
بدت أفكارها وكأن الصقيع قد غشاها، فلم تعد قادرة على متابعة تسلسل الأحداث بوضوح.
عقدت حاجبيها وهي تحاول استرجاع ذكريات الليلة الماضية، ثم بدأت تحرك شفتيها بصورة آلية.
لكنها لم تكن تدرك حتى ما الذي تقوله على نحو واضح. اكتفت بسرد ما تتذكره من أحداث سطحية ومبعثرة، دون ترتيب أو ترابط.
وفجأة، ضرب الرجل الطاولة بعنف، بعدما كان يطرق عليها بأطراف أصابعه بين الحين والآخر.
أطبقت تالْيا شفتيها بارتجاف.
حدق فيها الرجل بوجه متجهم، ثم استجوبها بصوت خفيض وثقيل:
“من أين حصلتِ على الدواء الذي جعلتِ الدوق الأكبر يتناوله؟”
انكمش كتفا تالْيا إلى الداخل.
وفي خضم الاضطراب الذي اجتاح عقلها، بدأت تنمو في أعماقها بذرة شك خافتة.
لا بد أن تيوران قد أدركت الآن أنها وقعت ضحية مكيدة وأُلصقت بها تهمة باطلة. لكن لماذا لم تقل شيئًا حتى هذه اللحظة؟
هل التزمت الصمت خوفًا من العقاب؟
عضّت تالْيا شفتيها، وأطبقت قبضتيها على طرف تنورتها بقوة حتى ابيضّت مفاصل أصابعها.
حتى لو ثبتت إدانتها، فمن غير المرجح أن تفقد حياتها بسبب ذلك. لكن الأمر مختلف بالنسبة إلى تيوران.
فحتى مجرد صنعها جرعة سحرية مجهولة المصدر قد يعرضها لعقوبة قاسية، ناهيك عن احتمال اتهامها زورًا بمحاولة تسميم الدوق الأكبر والحكم عليها بالإعدام شنقًا.
تخيلت تالْيا تيوران معلقة بحبل يلتف حول عنقها، تتخبط ساقاها في الهواء، فشعرت بأن معدتها تنقلب من جديد، وانحنت إلى الأمام بشدة.
لقد ساعدتها تيوران مرات عديدة.
ولا بد أنها تورطت هذه المرة أيضًا في مؤامرة ما، بينما كانت تحاول مساعدتها.
لم تستطع تالْيا أن تكون هي من يشي بها بلسانها.
شبكت يديها المبتلتين بالعرق البارد بإحكام، وأخذت تنظم أنفاسها، ثم فتحت فمها أخيرًا، متلعثمة:
“عندما ذهبتُ إلى القرية… حصلتُ عليه مصادفة.”
“ومن الذي أعطاكِ إياه؟”
“…لا أعرف. حصلتُ عليه من بائع أدوية متجول فحسب.”
أطلق الرجل ضحكة قصيرة ساخرة، وكأنه لم يصدق ما سمعه.
“أتريدين مني أن أصدق أنكِ جعلتِ الدوق الأكبر يتناول دواءً أعطاكِ إياه شخص لا تعرفين حتى هويته؟”
لم تجد تالْيا ما تدافع به عن نفسها، فاكتفت بشد طرف ثوبها وتمزيقه بين أصابعها دون أن تشعر.
نظر الرجل إليها ببرود قارس، ثم ضرب الطاولة بقبضته مرة أخرى ونهض واقفًا دفعة واحدة.
“هل تعرفين ما طبيعة ذلك الدواء؟ إنه سم قاتل شديد الفتك، يكفي تناول كمية ضئيلة منه لإحداث شلل في القلب!”
تردد صدى صوته الغاضب والحاد في أرجاء الغرفة الحجرية الضيقة.
ابتلعت تالْيا ريقها بصعوبة، وقد شحب وجهها حتى بدا كوجه الموتى.
ثم أضاف الرجل، وهو ينطق كلماته واحدة تلو الأخرى كما لو كان يطحنها بين أسنانه:
“لو تأخر العلاج قليلًا فحسب، لمات الدوق الأكبر في الحال! بل إننا حتى الآن لا نستطيع الجزم بأنه سينجو من الموت!”
استنشقت تالْيا الهواء بعنف، شاعرة وكأن شيئًا ما قد انهار في أعماق جسدها.
في لحظة واحدة، اسودّت الدنيا أمام عينيها، ودوّى في أذنيها صوت طنين صاخب، أشبه بانفجار عنيف.
وبينما كانت تحاول التشبث بوعيها الذي أوشك على الانقطاع، انحنى الرجل نحوها بتهديد، وواصل استجوابها بلهجة شرسة:
“ما الغرض الذي دفعكِ إلى ارتكاب هذا الفعل؟ ومن الذي حرّضكِ عليه؟”
حركت تالْيا شفتيها بيأس، محاولة إخراج الكلمات بكل ما بقي لديها من قوة.
لكن لم يتسرب من فمها سوى أنفاس قصيرة متلاحقة.
وحين لم تجبه، ازدادت نبرة الرجل حدة ووحشية.
“من غيركِ، يا صاحبة السمو، شارك في هذه الجريمة؟”
لم تستطع تالْيا فعل شيء سوى الاستمرار في التعرق بغزارة.
كان الطنين في أذنيها يزداد شدة، حتى لم تعد قادرة على سماع كلماته بوضوح. اكتفت بالتحديق بشرود في شفتيه اللتين تتحركان بلا توقف، وقد تشوهتا بالغضب.
وفجأة، انفتح الباب الحديدي بعنف، وظهر عند المدخل جندي يرتدي سترة عسكرية مطرزة بشعار عائلة شيركان.
رفعت تالْيا عينيها الضبابيتين نحو وجه الجندي الشاحب والمنهك.
وما إن صاح الرجل بشيء على عجل، حتى أوقف المحقق استجوابه على الفور، واستدار نحو الباب.
ثم خرج من الغرفة، وألقى عليها نظرة باردة من فوق كتفه، قائلًا:
“من الأفضل لكِ أن تصلي من أجل أن يستعيد الدوق الأكبر وعيه بسلام. فإذا أصابه أي مكروه، فلن تتمكني أنتِ أيضًا من الإفلات من المسؤولية.”
وبعد لحظات، أُغلق الباب الحديدي بصوت مدوٍّ، ترافقه خشخشة المعدن.
ظلت تالْيا تحدق عبر القضبان في ظهور الجنود وهم يبتعدون، ثم شعرت بأن شيئًا كانت تتشبث به بصعوبة قد انقطع فجأة.
ألقت بنفسها إلى أسفل السرير، ثم تشبثت بالجرّة الموضوعة في أحد أركان الغرفة، وأخذت تتقيأ بعنف، مطلقةً أصواتًا مكتومة وهي تلفظ عصارة معدتها الشاحبة.
لم يكن في معدتها شيء، ومع ذلك، لم يتوقف الغثيان.
ظلت تتقيأ مرارًا، وتلفظ السوائل الحامضة من جوفها، حتى استنفدت قواها تمامًا، فسقطت جالسة على الأرضية الحجرية الباردة كالثلج.
أخذت الكلمات التي سمعتها قبل قليل تتردد في رأسها بلا انقطاع.
سم قاتل يشل القلب.
لا يمكن الجزم بنجاته من الموت.
رددت تالْيا تلك العبارات في داخل فمها بصمت، ثم شعرت فجأة بألم عنيف يمزق قلبها، وكأن يدًا خفية تنتزعه من صدرها.
لفت ذراعيها حول الجزء العلوي من جسدها، فيما أخذ العرق البارد يتصبب منها بغزارة، وارتجف جسدها بأكمله كغصن شجرة تهزه الرياح.
دفنت وجهها بين ركبتيها، وأخذت تلهث بأنفاس متلاحقة.
لكن الألم لم يفعل سوى أن ازداد حدة.
ظلت تلهث وهي تقبض على صدرها، إلى أن فقدت وعيها أخيرًا، وسقط جسدها على الأرض.
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.