الفصل 310
◇◇◇◇◇
“إن الكهنة بالكاد تمكنوا من إبقائه على قيد الحياة.”
رفعت تالْيا رأسها بفزع حين اخترق صوت بارد كحد السكين سكون المكان. وما إن وقعت عيناها على زوج من العينين الكهرمانيتين اللتين تلتمعان بقسوة، حتى سحبت يدها عن طرف ثوبها على عجل.
كان لوكاس يقف أمامها، مرتديًا ثيابًا منزلية خفيفة، وكأنه هرع إلى هنا على عجل. وقد ألقى عليها نظرة من عُلوٍّ ، وملامحه متجهمة على نحو مخيف.
ثم تمتم بلهجة تنذر بالسوء:
“لكنهم يقولون إن حالته حرجة إلى درجة أنه قد يتوقف قلبه في أي لحظة، ولن يكون ذلك مستغربًا. ما الذي أطعمته لأخي، بحق السماء؟”
لم تستوعب تالْيا كلماته على الفور، واكتفت بتحريك شفتيها شاردة الذهن.
كان الأمر أشبه بهبوطها في غياهب مستنقع عميق ومظلم في لحظة واحدة.
و كأن سائلًا أسود لزجًا أخذ يندفع إلى أذنيها وأنفها وفمها، ويتسلل إلى رأسها ليغمره بالسواد حتى آخره.
وبحالٍ بدت فيها وكأن روحها قد فارقتها، راحت تنتزع الكلمات من حنجرتها بصعوبة.
“أ-أنا لم أفعل سوى…”
لم أكن أريد سوى أن أجعله يحبني.
لكن الاعتراف الذي لم تجرؤ على النطق به انحشر في حلقها، فيما أخذ العرق البارد يتجمع على طول عمودها الفقري أمام تلك الحقيقة المروعة.
أحاط بها شعور خانق، فقبضت على عنقها بيد مرتجفة، ثم اعترفت أخيرًا، وكأنها تلفظ شوكة علقت في حلقها:
“لقد… جعلت باركاس يتناول دواءً.”
سمعت صوتًا خشنًا لشخص يستنشق الهواء بقوة.
عندها فقط انتبهت إلى الجنود الواقفين خلف لوكاس في انتظار أوامره.
و أطلق أحدهم صوتًا غاضبًا خشنًا لم تستطع تمييز كلماته.
رفع لوكاس إحدى ذراعيه، وكأنه يحاول تهدئة ذلك الرجل، ثم واصل استجوابها.
“ما الدواء الذي استخدمته؟”
أخرجت تالْيا زجاجة الدواء من جيبها بيدين ترتجفان بشدة، كما لو كانت مصابة بالشلل.
تناولها لوكاس، وفحص محتوياتها، ثم ناولها إلى أحد الجنود الواقف بجانبه، وأصدر أمره بلهجة صارمة:
“أبلغ أحد الكهنة أن يفحص محتوياتها فورًا ويحدد ماهيتها.”
ثم عاد يحدق فيها بنظرات حادة، وسألها بلهجة تنطوي على التوبيخ:
“من أين حصلتِ على هذا الدواء؟”
إنه الدواء الذي أعطتني إياه تيوران.
كادت تجيبه بذلك، لكنها أطبقت شفتيها.
لم يكن من الممكن أن تمنحها تيوران سمًا عن قصد.
لا بد أن شخصًا ما قد استبدل الدواء في أثناء انتقاله، أو دس فيه شيئًا خفية.
لكن هؤلاء قد يسارعون إلى معاقبة تيوران دون أن يكلفوا أنفسهم عناء التحقيق في حقيقة ما حدث.
وبصعوبة بالغة، انتزعت تالْيا الكلمات من حلقها الذي اشتد انقباضه.
“حـ… حصلت عليه من خارج القرية.”
“ممن حصلتِ عليه تحديدًا…؟”
في اللحظة التي همّ فيها لوكاس بمواصلة استجوابها، دوّت في الممر أصوات خطوات مسرعة ومضطربة.
نظرت تالْيا من فوق كتفه نحو الخارج، فرأت جنودًا مدججين بالسلاح يهرعون صعودًا على الدرج.
وما إن صاحوا بشيء بصوت مرتفع، حتى تشوهت ملامح لوكاس على نحو مروع.
نهض من مكانه فجأة، ثم أصدر أوامره للجنود الواقفين عند الباب:
“راقبوا هذه المرأة مراقبة مشددة. لا تسمحوا لأحد بالدخول أو الخروج من هنا دون إذني.”
وبعد ذلك، استدار وغادر دون تردد.
مدت تالْيا يدها على عجل وأمسكت بكمه.
“ا-انتظر لحظة! ما الذي حدث؟ لم يصب باركاس بمكروه، أليس كذلك؟”
“اتركيني. ليس لدي وقت لأضيعه في الجدال معك.”
نفض لوكاس يدها عنه بعنف، ثم عبر الممر بخطوات واسعة ومتسارعة، قبل أن تتمكن من الإمساك به مجددًا.
نهضت تالْيا من مكانها على الفور، محاولة اللحاق به، لكنها لم تكد تخطو خطوة واحدة حتى أُغلق الباب في وجهها بعنف، مدويًا بصوت ارتطام هائل.
أخذت تهز مقبض الباب بعنف، ثم راحت تحك بأظافرها اللوح الخشبي الصلب وتخدشه بجنون. بدأت الدماء تتسرب من أظافرها المكسورة، وانغرست شظايا خشبية في أطراف أصابعها، لكنها لم تشعر بأي ألم.
صرخت بصوت مبحوح، متوسلة:
“أرجوكم، افتحوا الباب! أخرجوني من هنا!”
لكن الباب ظل مغلقًا بإحكام، دون أن يتحرك قيد أنملة.
ألصقت أذنها به، وأخذت تتحسس ما يجري في الخارج. كانت تسمع أصوات خطوات مضطربة وصيحات متداخلة تتردد في البعيد، وكأن أمرًا خطيرًا قد وقع.
هل تدهورت حالة باركاس؟
أمسكت تالْيا بشعرها وجذبته بجنون، وقد أوشكت على فقدان عقلها من شدة القلق.
لا يمكن أن يحدث ذلك. سيعيده الكهنة إلى الحياة. وربما أدركت تيوران أن ثمة خطبًا ما في الدواء، فأسرعت إلى إعداد ترياق له.
أجل، لا بد أن هذا ما سيحدث.
تعلقت تالْيا بذلك الاحتمال بكل ما أوتيت من قوة، محاوِلة التشبث بأي أمل ينقذها من هاوية اليأس التي كانت تنزلق إليها.
سيكون باركاس بخير. فهو الدوق الأكبر للشرق، ومن المستحيل أن يسمح أتباع عائلة شيركان بأن يصيبه مكروه. لن يدخروا جهدًا، ولن يتوانوا عن استخدام أي وسيلة لإنقاذ سيدهم.
وبينما كانت تردد هذه الكلمات في داخلها، شعرت فجأة بشيء ساخن يصعد من أعماق معدتها، فسارعت إلى تغطية فمها بيدها.
اجتاحها غثيان شديد، وكأن أحشاءها تنقلب داخل بطنها، ثم ارتد سائل حامض عبر حلقها. انحنت تالْيا إلى الأمام، وتقيأت عدة مرات، قبل أن تستنفد قواها تمامًا وتسقط أرضًا على السجادة.
أخذت الدموع الساخنة تنهمر من عينيها بلا انقطاع، وتنساب على خديها.
ومن خلف رؤيتها الغارقة في الدموع، عادت صورة باركاس ماثلة أمام عينيها بوضوح؛ جسده الممدد بلا حراك، وكأنه ميت.
لقد كانت هي من فعلت به ذلك.
حبها الأحمق هو الذي ألحق به الأذى.
تقوقعت تالْيا على نفسها، وانحنت بظهرها حتى تكورت تمامًا، بينما كان جسدها يرتجف بعنف. أخذت المشاعر المتراكمة في داخلها تتضخم طبقة بعد أخرى، حتى غدت أكبر من قدرتها على الاحتمال.
وضعت يدها على صدرها الذي بدا وكأنه على وشك الانفجار، وأخذت تلهث بصعوبة، قبل أن تستند إلى السجادة وتنهض مترنحة.
ثم توجهت إلى المكتب، وأخرجت دفتر يومياتها.
تساقطت قطرات الدموع التي انهمرت على وجهها بغزارة فوق غلاف الدفتر.
لم تكن تعرف حتى ما الذي تريد كتابته. ومع ذلك، فتحت الدفتر فوق المكتب، وأمسكت بريشة الكتابة بإحكام.
وما إن لامس سن الريشة الورق، حتى اندفعت الكلمات التي ظلت تكبتها في داخلها، وانهمرت بلا توقف.
راحت تخط الكلمات بعشوائية، وكأنها تتخلص من فضلات سامة تعفنت في أعماقها. وامتدت فوق الصفحات الملطخة بالحبر كلمات مبعثرة، متداخلة، لا رابط بينها.
لا يجوز أن تموت.
أرجوك، ابقَ على قيد الحياة.
سأفعل كل ما تقوله لي من الآن فصاعدًا.
لن أطمع في حبك مرة أخرى أبدًا.
كانت تهمس بهذه الكلمات بصوت مختنق بالبكاء، فيما تواصل الكتابة بجنون. اخترق سن الريشة الورق ومزقه مرات عديدة، لكنها لم تكترث لذلك. فقد كانت عاجزة عن السيطرة على سيل المشاعر الجارف الذي انفجر في داخلها، كأمواج تسونامي هائلة.
وانبعثت من بين شفتيها المرتجفتين شهقات بكاء متقطعة، بدت وكأنها تقذف الغثيان من جوفها.
لم يكن ينبغي لها أن تحبه، وهي التي تجاوزت حدودها بمجرد أن تجرأت على ذلك.
لم يكن ينبغي لها أن تتمنى السعادة.
ولم يكن ينبغي لها أن تولد في هذا العالم من الأساس.
فوجودها لم يكن سوى سبب لتعاسة من حولها.
كيف نسيت هذه الحقيقة؟
عجزت عن احتمال المشاعر التي تدفقت في داخلها، فانحنت فجأة فوق المكتب، وانهارت عليه، ثم انفجرت في بكاء مرير.
كم مضى من الوقت وهي على تلك الحال؟
كانت تالْيا قد استنفدت قواها تمامًا، وأسندت جبهتها إلى سطح المكتب، حين شعرت بأن ضوء الفجر بدأ يتسلل إلى السماء.
رفعت رأسها ببطء.
ومن خلف السماء التي انقشعت عنها الغيوم بعد توقف المطر، أخذ ضوء الشمس الشاحب يظهر بصورة خافتة.
ظلت تحدق فيه بعينين زائغتين لبعض الوقت، ثم بدأت ترتب المكتب الفوضوي، وكأن شيئًا قد تلبسها ودفعها إلى الحركة.
لم تكن تعرف حتى هي سبب قيامها بذلك.
حشرت دفتر اليوميات داخل أحد الأدراج، ثم مسحت سطح المكتب بعناية حتى أزالت عنه بقع الحبر. وبعد ذلك، ملأت حوضًا بالماء وغسلت وجهها الذي جفت الدموع على خديه.
ثم بدلت ملابسها ورتبت السرير، وكأن شيئًا لم يحدث قط.
وفي تلك اللحظة، سمعت صوت خطوات ثقيلة، أعقبه صوت انفتاح باب غرفتها.
أدارت تالْيا رأسها ونظرت نحو المدخل.
كان الجنود، المدججون بالدروع، يدخلون الغرفة في صفوف متتابعة.
قال أحدهم بصوت متصلب:
“عليكِ أن تأتي معنا.”
رفعت تالْيا عينيها إليه بوجه خالٍ من التعبير.
وبعد بضع ثوانٍ، تمكنت أخيرًا من التعرف إلى الرجل الواقف أمامها؛ فقد كان أحد مرافقي باركاس.
وأضاف الرجل بملامح جادة:
“سيجري احتجاز سموكِ بتهمة محاولة تسميم الدوق الأكبر.”
ثم ألقى عليها نظرة حادة، وكأنه يترقب رد فعلها.
أما تالْيا، فظلت تردد كلماته في ذهنها بوجه شاحب خالٍ من أي تعبير.
تهمة التسميم.
أخذت تكرر هذه العبارة في رأسها مرارًا، قبل أن يستعيد عقلها المتجمد قدرته على التفكير أخيرًا.
حركت شفتيها الجافتين بصعوبة، وسألته:
“باركاس…؟”
تصلبت ملامح الرجل.
فأعادت السؤال بصوت أجش:
“ماذا حدث لباركاس؟”
أجابها الرجل ببرود:
“لا يزال على قيد الحياة.”
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.