الفصل 313
◇◇◇◇◇
“لكن…”
كان كبير الخدم على وشك الاعتراض، لكنه ما إن واجه نظرات لوكاس الممتعضة حتى خفض رأسه بخفة.
تجاوزه لوكاس، متجهًا نحو غرفته الواقعة في نهاية الممر، وكأنه لا ينوي مواصلة النقاش حول هذا الأمر.
“أحضروا لي ماءً للاستحمام وملابس نظيفة لأبدّلها.”
أصدر لوكاس أوامره للخادم الواقف عند الباب، ثم دخل الغرفة وخلع معطفه وألقاه بلا مبالاة.
و بعد أن فكّ السيف المعلّق عند خصره و وضعه فوق الطاولة، جلس على حافة السرير وأخذ يفرك مؤخرة عنقه. كان جسده كله متيبسًا من شدة الإرهاق، بعدما أمضى أيامًا دون أن ينال قسطًا كافيًا من الراحة.
أطلق تنهيدة متعبة، وأسند جسده إلى مرفقيه. وفي تلك اللحظة، أحضر الخدم حوضًا كبيرًا مملوءًا بالماء الساخن.
و بمساعدة خادمه الشخصي، خلع لوكاس درعه وغسل جسده جيدًا، متخلصًا من العرق والغبار العالقين به. ثم أخرج ملابس نظيفة وارتداها، حين سمع صوتًا قادمًا من خلف الباب.
“أنا هنا. هل تسمح لي بالدخول للحظة؟”
كان ذلك صوت بايروف.
أجابه لوكاس بنبرة فاترة:
“ادخل.”
بعد لحظات، فُتح الباب ودخل رجل عريض البنية، خشن الملامح إلى حد ما. راح لوكاس يتفحص وجهه بعينيه الحادتين.
كان بايروف بومان يشغل منصب المرافق المباشر لباركاس، وقد تولّى التحقيق في محاولة الاغتيال بالسم منذ لحظة سقوط الدوق الأكبر.
تُرى، هل عثر على دليل يمكن أن يكشف حقيقة ما حدث؟
علّق لوكاس المنشفة المبللة بلا اكتراث على ظهر الكرسي، ثم سأله بنفاد صبر:
“ما الأمر؟”
“جئت لأرفع إليك تقريرًا عن سير التحقيق.”
استهل الرجل حديثه بنبرة رسمية، ثم أخرج وثيقة من الرقّ كانت محفوظة داخل ثيابه ومدّها إليه.
“لقد جمعتُ فيها تفاصيل تحركات سمو الدوقة الكبرى الأخيرة، إلى جانب إفادات الأشخاص الذين تواصلت معهم.”
تسلّم لوكاس الوثيقة وأخذ يتصفح محتوياتها بسرعة. كانت معظمها ملخصات لإفادات الخادمات، ولم تتضمن شيئًا جديدًا يُذكر.
فمنذ عدة سنوات، اعتادت تاليا التجول برفقة ذئب داير في ضواحي كالمور والقرى الواقعة خارج أسوار القلعة.
و كان لوكاس يعرف ذلك جيدًا، إذ سبق له أن رآها بنفسه في مناسبات عدة و هي تتجول برفقة الذئب بين التلال والحقول المحيطة بكالمور.
و بينما كان يقلب أوراق الرقّ بلا اهتمام، توقّف فجأة عند فقرة تشير إلى أن الدوقة الكبرى كانت تدير مشروعًا صغيرًا لصناعة الأقمشة.
و الآن بعد أن فكّر في الأمر، تذكّر أنه سمع عرضًا أنها اشترت عددًا كبيرًا من الأنوال و جعلت الخادمات ينسجن الأقمشة.
في ذلك الوقت، ظنّ أنها لا تفعل سوى إعداد ملابس جديدة لنفسها، فلم يُعر الأمر اهتمامًا يُذكر، لكن يبدو أن غايتها الحقيقية كانت مختلفة تمامًا.
“يبدو أن سمو الدوقة الكبرى أقامت علاقات مع عدد من السكان تحت ستار مشروعها لصناعة الأقمشة. لم تكتفِ بزيارة ورش العمل الواقعة خارج أسوار القلعة بانتظام، بل يُحتمل أنها تواصلت أيضًا مع تجار من خارج المنطقة بحجة تبادل البضائع. و كان من بينهم عدد كبير من الأشخاص الذين تعذّر التحقق من هوياتهم.”
التقط لوكاس النبرة الغريبة التي تسللت إلى صوت الرجل، فرفع عينيه عن وثيقة الرقّ ونظر إليه.
“يبدو أنك تعتقد أن المشروع برمّته لم يكن سوى ستار للتمويه.”
“أرى أن هذا احتمال وارد للغاية.”
أجاب الرجل ببرود.
“و لست أقول ذلك استنادًا إلى مجرد تخمينات لا أساس لها. فقد عُثر في غرفة سمو الدوقة الكبرى على عدة لوحات وحُليّ مرتبطة بأساطير تيرامير.”
“تلك اللوحات والحُليّ ليست سوى أشياء شائعة في الشرق. فكيف يمكن اعتبارها دليلًا على شيء؟”
“لو كان الأمر مقتصرًا على ذلك، لما ساورني الشك أنا أيضًا. لكن في ظل وجود شهادات تفيد بأن سمو الدوقة الكبرى كانت تحضر التجمعات السرية لأتباع الديانة الهرطقية، أليس من الصعب اعتبار كل هذه الأمور مجرد مصادفة؟”
للمرة الأولى، تصلّبت ملامح لوكاس عند سماعه هذه المعلومة التي لم يكن يعرفها من قبل.
“ما الذي تعنيه بهذا الكلام؟”
“لقد أمر سمو الدوق الأكبر بالتكتم على هذا الأمر، ولذلك لا يعرفه سوى عدد قليل جدًا من الأشخاص…”
توقّف بايروف للحظة، ثم أضاف بنبرة ثقيلة:
“بعد عودة سموّه مباشرة، أبلغ المعبد الكبير عن وجود بلاغ يتهم سمو الدوقة الكبرى. ولهذا السبب، قرر الدوق الأكبر أن يتولى بنفسه قيادة حملة للقضاء على الناهبين الزراميين، في محاولة منه للتستر على الأمر.”
ارتسمت مسحة من المرارة على وجه الرجل الخشن. وبدا وكأنه يشفق على سيده الذي تعرّض للخيانة على يد زوجته، رغم كل ما بذله من جهد لحمايتها والتستر عليها.
شعر لوكاس بأن الصداع يشتد شيئًا فشيئًا، فضغط بأصابعه على المنطقة بين حاجبيه. لم يعد يجد أي عذر يمكنه استخدامه للدفاع عنها.
“إذًا، ما الذي تطلبه مني تحديدًا؟”
“أرجو أن تسمح لي باستجواب سمو الدوقة الكبرى رسميًا.”
تجهم وجه لوكاس بشدة.
فطلب الرجل لم يكن في حقيقته سوى مطالبة بالسماح له باستخدام أساليب قسرية أثناء الاستجواب.
“هل تدرك أصلًا ما الذي تقوله الآن؟ زوجة أخي ليست دوقة الشرق الكبرى فحسب، بل هي أميرة الإمبراطورية أيضًا. ومهما كانت الشبهات المحيطة بها قوية، فليس من حق أحد أن يمسّها بسوء كيفما شاء!”
“من الناحية القانونية، يمكن اعتبارها متلبسة بالجريمة.”
اعترض الرجل بجمود.
“في الوقت الراهن، هي الدليل الوحيد الذي يمكن أن يقودنا إلى مكان عصابة الناهبين. وإذا لم ننتزع منها المعلومات، حتى لو اضطررنا إلى التعامل معها بشيء من القسوة، فسنفقد فرصة القضاء عليهم نهائيًا.”
أطبق لوكاس فكيه بقوة.
من وجهة نظر معينة، كان طلب الرجل منطقيًا. فقد اعترفت تاليا بالفعل بأنها وضعت مادة في كأس الدوق الأكبر.
و كان ذلك وحده كافيًا لتبرير إنزال أقسى العقوبات بها. و فوق ذلك، أضيفت تهمة التواطؤ مع أتباع الديانة الهرطقية إلى قائمة الاتهامات الموجهة إليها.
و لم يكن أحد ليعترض لو لجؤوا إلى أساليب قسرية لكشف الحقيقة.
كان لوكاس يدرك ذلك جيدًا، ومع هذا لم يستطع أن يسمح بإخضاعها لاستجواب قاسٍ.
شدّ قبضته بقوة حتى برزت عروق يده، ثم هزّ رأسه رافضًا.
“لا. ابحث عن طريقة أخرى.”
“ليس لدينا الوقت الكافي لذلك. لقد اختفى بالفعل معظم الأشخاص المشتبه بارتباطهم بأتباع الديانة الهرطوقية. وإذا لم نتحرك بسرعة، فستفشل حملة التطهير هذه فشلًا ذريعًا.”
واصل بايروف إلحاحه دون أن يتراجع.
“كما تعلم يا سيدي الشاب، فقد شارك عدد من اللوردات في الشرق في هذه الحملة. وإذا انتهت الأمور دون تحقيق أي نتائج، ثم تفرّقوا وعادوا إلى أراضيهم خالي الوفاض، فستتضرر هيبة أسرة الدوق الأكبر بشدة. لا يمكننا السماح بحدوث ذلك، أليس كذلك؟”
تقلّص وجه لوكاس من شدة الانزعاج. وكان إدراكه أن الرجل محقّ في كلامه سببًا في ازدياد غضبه.
ظلّ يفكر طويلًا، ممسكًا برأسه الذي كان ينبض بالألم، قبل أن يطرح حلًا وسطًا على مضض.
“إذًا، سأتولى استجوابها بنفسي.”
مرّ الاستياء سريعًا على وجه بايروف. ويبدو أنه أدرك أن لوكاس يتدخل لحمايتها.
ومع ذلك، ربما لأنه خلص إلى أن مواصلة محاولة إقناعه لن تجدي نفعًا، أومأ الرجل برأسه أخيرًا.
“حسنًا. ليكن الأمر كما تريد.”
ثم استدار وغادر الغرفة على الفور.
انتظر لوكاس حتى ابتعدت خطوات الرجل، قبل أن يلتقط معطفه الذي ألقاه بلا مبالاة في وقت سابق. فإذا استمر في إضاعة الوقت، فقد يقدم بايروف على إجراء الاستجواب من تلقاء نفسه. أما إذا بادر هو بالحصول على إفادتها أولًا، فسيتمكن على الأقل من حماية سلامتها في الوقت الراهن.
صرف المرافقين الذين همّوا باتباعه، ثم غادر القلعة الداخلية على عجل.
و حين وصل أخيرًا إلى مدخل برج القلعة، سارع الجنود المنتظرون هناك إلى فتح الباب له. تسلّم المفتاح من أحد الحراس، ثم صعد الدرج الضيق.
وبعد قليل، ظهر أمامه باب حديدي سميك.
توقف لوكاس أمامه للحظة ليلتقط أنفاسه، ثم أدخل المفتاح في القفل وفتح الباب.
وفي زاوية من زنزانة ضيقة ومعتمة، وقعت عيناه على هيئة صغيرة تجلس منكمشة على نفسها.
لكن ما إن تجاوز العتبة حتى حبس أنفاسه فجأة.
ففي غضون أيام قليلة فحسب، تغيّرت تاليا إلى حد يصعب معه التعرّف إليها.
كانت بشرتها الشاحبة الخالية من الدماء تكشف بوضوح عن معالم عظامها الدقيقة، فيما خيّمت ظلال داكنة على محيط عينيها الغائرتين.
ومع ذلك، وعلى نحو غريب، لم يُنقص هذا الضعف من جمالها، بل بدا وكأنه صقله وجعله أكثر حدة.
كانت المرأة تحدّق في الفراغ دون أن تتحرك قيد أنملة، أشبه بتمثال فقد الحياة، ثم أدارت رأسها ببطء ونظرت إليه.
تراجع لوكاس خطوة إلى الوراء دون وعي.
و في اللحظة التي التقت فيها عيناه بعينيها الخاويتين، اللتين تلتمعان بشحوب غريب وسط الظلام، هبّت موجة عاتية في أعماق صدره.
شعر وكأن الدم في جسده اندفع كله نحو قلبه، ثم أخذ يتسرب إلى الخارج، فشدّ قبضتيه بقوة.
وفي تلك اللحظة، اجتاحته حقيقة لم يعد بوسعه إنكارها مهما حاول.
لقد كان مفتونًا بهذه المرأة منذ زمن بعيد.
ومع هذا الإدراك المقزّز، تصاعد الغثيان من أعماق حلقه.
◇◇◇◇◇◇
سبحان الله و بحمده
سبحان الله العظيم
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.