الفصل 308
********
أخيرًا، بعد أن انتهت جميع الاستعدادات، اقتربت تاليا من النافذة وألقت نظرة إلى الخارج.
كانت حدة المطر قد بدأت تخف تدريجيًا، غير أن أصوات الرعد التي كانت تتردد بين الحين والآخر لم تكن توحي بأن السماء ستصفو قريبًا.
عقدت حاجبيها بضيق. يبدو أن قضاء وقت رومانسي مع باركاس، يتأملان فيه النجوم بمفردهما، لن يكون ممكنًا هذه الليلة.
أطلقت تنهيدة خافتة تعبيرًا عن خيبة أملها، حين بلغ مسامعها صوت حوافر خيول خافت من بعيد.
أدارت تاليا رأسها نحو بوابة القلعة مجددًا، فرأت ثلاثة أو أربعة رجال يمتطون جيادًا حربية ويدخلون إلى الفناء الداخلي، فضيّقت عينيها وهي تتفحصهم. ومن وراء ستار المطر المتساقط برفق، لمحت هيئة باركاس تلوح لها من بعيد.
“أخبري المطبخ أن يُعدّوا النبيذ والطعام.”
صرخت بذلك على عجل في وجه بريسا، ثم أسرعت إلى الجلوس أمام المرآة وشرعت في ترتيب شعرها. لكن النتيجة لم تكن ترضيها مهما حاولت. ظلت تثبت دبابيس الشعر ثم تنزعها مرارًا وتكرارًا، إلى أن التقطت علبة البودرة الموضوعة فوق منضدة الزينة.
ربّتت بها على وجنتيها المحمرتين، ثم أضافت صبغة حمراء إلى شفتيها.
عندها انعكس في المرآة وجه يشبه وجه سينيفيير إلى حد مخيف.
ظلت تحدق طويلًا في تلك الملامح المألوفة والغريبة في آن واحد، ثم أخرجت منديلًا وراحت تمسح شفتيها بقوة.
حتى لو حاولت تقليد أمها، فلن تبدو في النهاية سوى نسخة رديئة منها.
فكّت تاليا تسريحة شعرها التي أمضت ساعات في إعدادها بعناية، وتركت خصلاته منسدلة فوق أحد كتفيها، ثم نزعت بعض حليّها.
كانت تخشى أن تستحضر هيئتها ذكرى سينيفيير في ذهنه، ولو للحظة.
‘… ليتني ارتديت الملابس الشرقية بدلًا من ذلك.’
عضّت شفتيها وهي تتأمل الزي الإمبراطوري الذي ترتديه، وفي تلك اللحظة سمعت حركة آتية من الغرفة المجاورة.
نهضت تاليا من مكانها وألقت نظرة عبر فتحة الباب. ومن خلال الشق الضيق، رأت ظهر باركاس العريض وهو يخلع معطفه المبتل ويلقي به جانبًا.
راقبته بصمت وهو يفك أزرار ياقة قميصه، وفجأة شعرت بحرارة تتصاعد في جسدها، فأخذت نفسًا عميقًا.
وحين هدأت أخيرًا اضطرابات قلبها، رتبت ملابسها للمرة الأخيرة، ثم أمسكت بمقبض الباب وفتحته.
كان باركاس قد جلس بالفعل أمام المكتب، مستندًا إلى ظهر كرسيه. وقال من دون أن يرفع رأسه:
“جئتِ في الوقت المناسب. هلّا صببتِ لي كأسًا من النبيذ؟”
ثم رفع كأس الشراب الذي كان يمسكه بيده قليلًا، مشيرًا إليه.
يبدو أنه ظنها إحدى الخادمات اللواتي حضرن لتقديم الخدمة له.
التقطت تاليا زجاجة النبيذ الموضوعة على الرف، ثم اقتربت منه بحذر. وفي تلك اللحظة، رفع باركاس رأسه فجأة، بعدما كان يفرك ما بين حاجبيه.
قبضت تاليا على زجاجة النبيذ دون وعي منها.
فقد سقط قلبها من شدة المفاجأة أمام نظرته التي بدت وكأنها تخترق أفكارها وتكشف ما يدور في رأسها.
ومع ذلك، أجبرت نفسها على رسم ابتسامة هادئة على شفتيها.
“علينا تناول العشاء قريبًا، لذا لا تُكثر من الشرب.”
ظل باركاس ينظر إليها في صمت، وكأنه فوجئ بوجودها، ثم نهض من مقعده ببطء.
“ما الذي تفعلينه هنا؟”
تصلّبت ابتسامتها تلقائيًا أمام سؤاله الذي حمل نبرة حذرة.
أشارت تاليا إلى باب غرفة النوم، متظاهرة بالهدوء.
“كنت أنتظر عودتك.”
انتقلت نظرات باركاس نحو غرفة النوم.
شعرت تاليا بأن حلقها قد جفّ، وأخذت تراقب تعابير وجهه عن كثب. لكنه لم يُبدِ أي رد فعل يُذكر، حتى بعدما وقعت عيناه على المائدة التي أعدّتها وزيّنتها بعناية.
هل راوده الشك بسبب تغيّر تصرفاتها المفاجئ؟
بلّلت تاليا شفتيها بقلق، ثم أضافت بصوت متكلف بدا عليه الارتباك:
“لم نتناول الطعام معًا ولو مرة واحدة منذ عودتك، لذا… فكرت في إعداد هذه المائدة.”
ظل باركاس صامتًا لبعض الوقت. أخذ ينظر إليها ثم إلى المائدة بوجه خالٍ من التعابير، قبل أن يطلق تنهيدة بدت وكأنها تنمّ عن الإرهاق.
“لن يتغير ما أشعر به تجاهك مهما فعلتِ. لذا، توقفي عن بذل هذا الجهد الذي لا داعي له.”
قبضت تاليا على طرف تنورتها بقوة.
يبدو أن هذا الرجل يظن أنها جاءت إليه مجددًا لتتوسل إليه كي يشاركها الفراش.
حاولت كبح شعورها بالمهانة، ثم أخذت تبرر موقفها بكلمات متعثرة:
“لم أُعِدّ هذا الطعام لكي أغيّر رأيك. إنما… سمعت أنك ستغادر القلعة لعدة أيام، لذلك…”
ظل باركاس صامتًا، ولم يُجبها بشيء.
فواصلت حديثها بيأس:
“أردت الاعتذار إليك قبل رحيلك. ما حدث في ذلك اليوم… لقد تماديت كثيرًا. ما كان ينبغي لي أن أطردك بتلك الطريقة…”
“لا داعي للاعتذار.”
كان ذلك أول ما قاله أخيرًا.
“كان ينبغي لي أن أوضح موقفي بشأن الطفل منذ البداية. لكنني…”
“كفى حديثًا عن ذلك.”
قاطعته تاليا على عجل، ولم تسمح له بإكمال كلامه.
لم تكن تنوي، تحت أي ظرف، الدخول في جدال معه بشأن تلك المسألة اليوم.
“أنا أرغب في إنجاب طفل، لكن إن كنت لا تريده، فلن أفرض الأمر عليك بعد الآن. لم آتِ اليوم من أجل ذلك حقًا. أنا فقط… أريد تناول العشاء معك.”
انعقد حاجبا باركاس، وبدا أنه لم يصدق كلامها.
شعرت تاليا بأن الغضب بدأ يتسلل إلى صدرها، فاستدارت فجأة.
“يمكنك الرفض إن لم تكن ترغب في ذلك. سأتناول الطعام بمفردي.”
ثم خطت نحو الباب، لكن باركاس أمسك بمعصمها.
“انتظري قليلًا. سأبدّل ملابسي ثم آتي.”
شعرت بشيء من الاستياء إزاء إجابته التي بدت وكأنها انتُزعت منه على مضض، لكن فرحتها بأن جهودها التي بذلتها طوال اليوم لن تذهب سدى كانت أكبر من ذلك.
عادت تاليا مسرعة إلى غرفة النوم قبل أن يغيّر رأيه، وأمرت الخادمات بالتعجيل بإعداد الطعام وتقديمه.
وبعد قليل، جاء الخدم يحملون صواني ممتلئة بالأطباق وإبريقًا من النبيذ، ووضعوها فوق المائدة.
وأخيرًا، بعد اكتمال الاستعدادات، أخرجت تاليا جميع الخادمات من الغرفة، ثم أخرجت قارورة صغيرة وأسقطت بضع قطرات من الجرعة السحرية داخل إبريق النبيذ.
بعد ذلك، وضعت الإبريق في أحد أطراف الرف، بعيدًا عن بقية المشروبات حتى لا يختلط بها، ثم أخذت تعيد ترتيب أدوات المائدة وتغيّر مواضعها مرارًا.
وبينما كانت منشغلة بكل ذلك، سمعت صوت الباب وهو يُفتح.
رفعت تاليا رأسها بسرعة.
بدا أن باركاس قد اغتسل وبدّل ملابسه في تلك الأثناء، إذ وقف عند الباب بمظهر أكثر أناقة وانتعاشًا.
أسرعت تاليا نحوه، ثم قادته على عجل إلى المائدة.
“انتهيت بسرعة أكبر مما توقعت. هيا، تعال واجلس.”
نظر إليها باركاس بتعبير يستحيل عليها أن تستشف ما يخفيه، ثم عبر الغرفة ببطء وجلس على الكرسي.
أسرعت تاليا إلى وضع الطعام في طبقه.
“ألا تشعر بالجوع؟ هيا، تناول طعامك. أخبرني كبير الخدم أنك كثيرًا ما تتجاوز وجباتك هذه الأيام. كنت توبخني باستمرار بسبب عاداتي الغذائية، فكيف تفعل أنت الشيء نفسه؟”
“سأتولى تناول طعامي بنفسي، فاجلسي.”
“لطالما كنت تحرص على أن أتناول طعامي أيضًا. أريد أن أفعل الشيء نفسه من أجلك اليوم.”
أبعدت تاليا يده التي حاول بها منعها، برفق، ثم أخذت تقطع اللحم والخبز والجبن وغيرها من الأطعمة بمهارة متواضعة، وتضعها في طبقه.
حدّق باركاس في الطعام أمامه بنظرات مرتبكة، لكنه استسلم في النهاية لإلحاحها المتكرر وبدأ يأكل.
راحت تاليا تراقبه بعينين تفيض منهما مشاعر الرضا.
بدأت تفهم السبب الذي كان يدفع باركاس إلى إطعامها بنفسه في كثير من الأحيان. فقد كان مشهد رؤيته يتناول الطعام الذي أعدّته له يمنحها شعورًا غريبًا بالرضا والسعادة.
وبينما كانت تترقب اللحظة المناسبة لتجعله يتناول الجرعة السحرية، واصلت حثّه على تناول المزيد من الطعام.
ومضى بعض الوقت وهما منهمكان في تناول العشاء، حتى بدأت الأطباق الموضوعة فوق المائدة تفرغ تدريجيًا.
أخذ القلق يتسلل إلى تاليا شيئًا فشيئًا.
كل ما كان عليها فعله هو النهوض وصبّ النبيذ له. لم يكن من المفترض أن يشك في شيء.
لكن لماذا كانت تتردد إلى هذا الحد؟
ظلت مترددة طويلًا قبل أن تفتح فمها أخيرًا.
“ألا تشعر بالعطش؟”
رفع باركاس رأسه عن طبقه، بعدما كان يواصل تناول الطعام بحركات آلية.
رسمت تاليا ابتسامة متكلفة على شفتيها، ثم نهضت من مقعدها.
“سأصبّ لك بعض النبيذ.”
وبعد أن قالت ذلك، اتجهت نحو الرف والتقطت الإبريق دون أن تنتظر إجابته.
ولعل تصرفها بدا غير طبيعي بعض الشيء، إذ ضيّق باركاس عينيه قليلًا وهو يراقبها.
في تلك اللحظة، خفق قلبها بعنف.
أحكمت قبضتها على مقبض الإبريق كي لا يلاحظ ارتجاف يديها، ثم صبّت النبيذ في كأس باركاس متظاهرة بأن كل شيء طبيعي.
“يقولون إنه شراب خاص يساعد على استعادة الحيوية. لقد أضافوا إليه الكثير من الأعشاب الطبية المفيدة للجسم… ومن المفترض أن يساعدك على التخلص من التعب.”
تسللت نظرة من الشك إلى عيني باركاس وهو يتأمل الكأس.
قبضت تاليا على مقبض الإبريق بقوة حتى برزت مفاصل أصابعها وابيضّت.
هل اكتشف أنه ليس نبيذًا عاديًا؟
راحت تتساءل إن كان ينبغي لها أن تبعد الكأس عنه حتى في هذه اللحظة، لكنها رأته يرفعها ببطء إلى شفتيه ويرتشف النبيذ.
*********
سبحان الله و بحمده
سبحان الله العظيم
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.