مساحة للحكاية، ووقت لك← الحقول المنسية
الفصل 307نحو 8 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 307

 

********

 

“أجل، ذلك الدواء…”

 

لم تجب تيوران على الفور. أخذت تتأمل القوارير الموضوعة على المكتب بشرود، ثم أنزلت إبريق الشاي الذي كانت تحمله، وسألت بحذر:

 

“هل حدث شيء بينكِ وبين الدوق الأكبر؟”

 

“ليس الأمر كذلك… أنا فقط… ظننت أنه لا بأس من تجربته مرة واحدة…”

 

تلاشت كلمات تاليا في نهاية الجملة بارتباك. فقد سبق أن حذّرت تيوران من أن صنع مثل ذلك الدواء وبيعه قد يعرّضها لاتهامات بالهرطقة، وها هي الآن تطلب منها أن تصنع واحدًا لها أيضًا، الأمر الذي جعلها تشعر بخجل شديد.

 

تنحنحت بخفوت محاولة إخفاء حرجها.

 

“لقد قلتِ إن ذلك الدواء لا يضرّ بالجسم كثيرًا، أليس كذلك؟”

 

“بلى. ما دامت الجرعة المحددة لا تُتجاوز، فلن تخلّف أي آثار جانبية. لكن…”

 

توقفت تيوران قليلًا عن الكلام، ثم فتحت علبة أوراق الشاي وأفرغت بعض أوراق الأعشاب المجففة في الإبريق. وبعد ذلك أضافت بنبرة هادئة:

 

“كما أخبرتكِ سابقًا، فإن مفعول جرعة الحب مؤقت. فبعد نحو نصف يوم، ستزول جميع آثارها ويعود الشخص إلى حالته الطبيعية.”

 

أخذت تاليا تعصر المنشفة بين يديها بتوتر. كان قلبها يخفق بإيقاع مضطرب، ضاربًا أضلاعها بقوة. ولم تستطع تحديد ما إذا كان ذلك بسبب شعورها بالذنب أم احتقارها لذاتها.

 

ظلت صامتة وشفتيها مطبقتان لبعض الوقت، ثم رفعت رأسها أخيرًا وقالت:

 

“لا بأس. نصف يوم يكفيني.”

 

كانت تريد أن تحظى بحبّه الكامل، ولو لليلة واحدة فحسب. أرادت منه أن يحبها بشغف، مثل أي حبيبين عاديين، دون أن يكبح رغبته تجاهها أو يتعمّد إبقاء المسافة بينهما. ولم يكن يهمها حتى لو كان كل ذلك مجرد وهم صنعه مفعول الدواء.

 

دفعت الكلمات التي كادت تفيض من أعماق قلبها إلى داخلها، ثم تشبّثت بعذر يبدو معقولًا وقالت:

 

“كما أخبرتكِ في المرة الماضية، لا بدّ لي من إنجاب طفل. لكن ذلك الرجل لا يتعاون معي إطلاقًا.”

 

التزمت تيوران الصمت لبعض الوقت. وبينما كانت تصبّ الماء الساخن في الإبريق، أجابتها بنبرة خافتة بعض الشيء:

 

“ما زال لديّ القليل مما صنعته سابقًا.”

 

مالت تاليا بجسدها إلى الأمام دون أن تشعر.

 

وضعت تيوران الشاي العشبي ذا اللون المحمر على الرف المجاور للسرير، ثم اتجهت نحو الخزانة. فتحت أحد الأدراج وأخرجت قارورة زجاجية لا يتجاوز حجمها طول إصبعين.

 

“ما عليكِ سوى خلط القليل منه بالمشروب الذي سيتناوله الدوق الأكبر.”

 

ألقت تاليا المنشفة جانبًا كما لو أنها ترميها، ثم تناولت القارورة بسرعة. كان بداخلها سائل بني فاتح.

 

“ليس له مذاق أو رائحة تُذكر، لذا لن يلاحظ الأمر. لكن من الأفضل، على أي حال، خلطه بمشروب ذي نكهة قوية، مثل النبيذ أو شراب العسل.”

 

فتحت تاليا الغطاء وقرّبت القارورة من أنفها لتشمّ ما بداخلها. وكما قالت تيوران، لم تستطع تمييز أي رائحة.

 

هل يمكن لشيء كهذا أن يكون فعّالًا حقًا؟

 

وبينما كانت تتأمل القارورة بنظرات متشككة، وضعت تيوران كفّها على فوهتها، ثم حذّرتها بنبرة صارمة بعض الشيء:

 

“يجب أن تتناولي هذا الدواء مع الدوق الأكبر حين تكونان وحدكما تمامًا، وأن يكون هو وحده من يشربه. فإذا كنتما تحت تأثير جرعة الحب معًا، فقد تقع حادثة ما.”

 

“حادثة؟”

 

التفتت تاليا إليها بملامح متسائلة، فشرحت تيوران بهدوء:

 

“حين يقع المرء تحت تأثير جرعة الحب، تكاد قدرته على ضبط نفسه تتلاشى تمامًا. وقد ينشغل بالطرف الآخر إلى درجة تجعله يُقدم دون تردد على تصرفات لم يكن ليفعلها في الظروف العادية أبدًا.”

 

ابتلعت تاليا ريقها الجاف بصعوبة، ثم أضافت تيوران بملامح شديدة الجدية:

 

“لذلك، سيكون من الأكثر أمانًا أن يبقى أحدكما على الأقل بكامل وعيه.”

 

“… فهمت ما تقصدينه جيدًا.”

 

أغلقت تاليا غطاء القارورة على عجل. وكانت قد بدأت تشعر بعرق بارد يتجمع في راحة يدها.

 

حين تخيّلت باركاس وقد فقد قدرته على ضبط نفسه تمامًا، سرت قشعريرة باردة على طول عمودها الفقري. ولم تستطع معرفة ما إذا كان ذلك نابعًا من الخوف أم الترقّب.

 

دسّت القارورة في ثيابها، ثم نهضت من مكانها.

 

“سأعطيكِ ثمن الدواء لاحقًا.”

 

“لا داعي لأن تشغلي بالكِ بذلك. فهو من الكمية المتبقية لديّ على أي حال.”

 

أحاطت تيوران كتفيها بذراعها، ثم أضافت بلطف:

 

“لكن المطر لم يتوقف بعد. وبما أنني أعددت الشاي بالفعل، فلمَ لا تستريحين قليلًا قبل أن تغادري؟”

 

نظرت تاليا من النافذة. كانت الأمطار الغزيرة تنهمر بلا انقطاع من حافة السقف. ومن الواضح أنها ستبتلّ تمامًا إن خرجت في ذلك الوقت.

 

لذا عادت وجلست على الكرسي، وارتشفت الشاي العشبي الذي أعدّته تيوران.

 

وبعد قليل، بدأت الأمطار تخفّ تدريجيًا، فارتدت معطفها وتوجهت مباشرة إلى القصر الرئيسي. وكان الصباح قد أشرق بحلول ذلك الوقت، إذ أخذ ضوء الشمس الشاحب يتسلل بخفوت من بين الغيوم التي بدأت تنقشع شيئًا فشيئًا.

 

خرجت تاليا من الطريق الغابي المبتل بمياه الأمطار، ثم عبرت القاعة الكبرى ببطء، حيث كان الخدم يتحركون ذهابًا وإيابًا في انشغال. وما إن وقعت أعين بعضهم عليها حتى انحنوا على عجل تحيةً لها.

 

وكان من بينهم عدد لا بأس به من الوجوه التي لم ترها من قبل. فقد سمعت أنهم استدعوا جميع اللوردات من المناطق المجاورة لمعالجة مشكلة قطاع الطرق، لذا خمنت أن هؤلاء كانوا من مرافقيهم.

 

اكتفت تاليا بردّ تحياتهم بإيماءة خفيفة من ذقنها، ثم صعدت الدرج ببطء.

 

لا بدّ أن باركاس كان في تلك الأثناء يناقش خطط القضاء على قطاع الطرق في قاعة الاجتماعات، أو يتولى شؤونه الرسمية في مقر اجتماعات المدينة.

 

استحضرت تاليا جدول أعماله المزدحم الذي لم يمنحه لحظة للراحة منذ عودته، وشدّت قبضتها على القارورة الموجودة في جيبها.

 

منذ شجارهما في ذلك اليوم، لم يتبادلا حديثًا حقيقيًا ولو لمرة واحدة. ولم يكن من المتوقع أن يبادر هو إلى الاقتراب منها وطلب المصالحة ما لم تمدّ هي يدها أولًا.

 

بعد تفكير قصير، تجاوزت تاليا غرفتها واتجهت نحو مكتب باركاس.

 

وكما توقعت، بدا أن باركاس قد غادر القصر الرئيسي بالفعل، إذ كانت غرفة مكتبه خالية تمامًا.

 

تجولت تاليا بنظرها في أرجاء الغرفة الواسعة، ثم دخلت غرفة النوم المتصلة بمكتبه. وبدا أنه لم يمضِ وقت طويل على مغادرته، إذ كانت رائحة باركاس الباردة المميزة لا تزال تفوح في المكان الفسيح.

 

استمتعت تاليا بذلك العطر الخافت لبعض الوقت، ثم ألقت بنفسها على ملاءات السرير المرتبة بإتقان والخالية من أي تجعّد.

 

لن يعود إلا عند غروب الشمس، ما يعني أن أمامها نصف يوم كامل قبل عودته.

 

احتضنت الوسادة التي تشبّعت برائحته، واستدارت على جانبها. كانت تنوي تعويض ما فاتها من نوم، ثم الاستعداد لاستقباله.

 

أطبقت جفنيها الثقيلين، اللذين شعرت وكأن الرمال قد تسربت إليهما. لكن القلق مما سيحدث لاحقًا منعها من النوم مهما حاولت.

 

وبعد أن تقلبت في فراشها طويلًا، نهضت تاليا أخيرًا من جديد. لعلّ البدء بالاستعداد مبكرًا سيكون أفضل.

 

استدعت الخادمات على الفور، وشرعت في اختيار الثوب الذي سترتديه في المساء. فقد اكتسب جسدها بعض الامتلاء خلال الأشهر القليلة الماضية، ولذلك لم تعد معظم الثياب التي اشترتها حديثًا تناسبها تمامًا.

 

وبعد تفكير طويل، أمرت بإحضار جميع الثياب التي جلبتها معها من القصر الإمبراطوري، ثم أخذت تجرّبها واحدًا تلو الآخر، بما فيها الثياب التي اعتادت ارتداءها قبل إصابة ساقها.

 

وبعد ساعات من المعاناة، تمكّنت أخيرًا من اختيار فستان أعجبها.

 

“تبدين جميلة حقًا، يا صاحبة السمو.”

 

كانت تاليا تقف أمام المرآة، مرتدية فستانًا رقيقًا يُبرز انحناءات جسدها بوضوح، وتدير نفسها في اتجاهات مختلفة لتتفحّص مظهرها، حين سمعت صوت بريسا المفعم بالحماس.

 

في العادة، لم تكن لتكترث بمثل هذه المجاملات المبتذلة التي تُقال لمجرد التملّق، لكنّها شعرت هذه المرة برضا حقيقي عنها. فقد أرادت أن تبدو الليلة أجمل من أي امرأة أخرى.

 

إذا وجدها باركاس فاتنة، فربما يظن أن الرغبة التي سيضخّمها مفعول جرعة الحب ليست سوى انعكاس لمشاعره الحقيقية تجاهها.

 

تعلّقت تاليا بذلك الأمل الواهي، وأخذت تتفحّص مظهرها بإمعان لا ينقطع.

 

ومضى الوقت وهي منهمكة في الاستعداد، حتى عادت الأمطار تشتدّ مجددًا مع حلول فترة ما بعد الظهر، بعدما كانت قد هدأت قليلًا.

 

نظرت تاليا بقلق إلى السماء التي تلبّدت بالغيوم السوداء الكثيفة، ثم سألت:

 

“ألم يعد باركاس حتى الآن؟”

 

أجابتها بريسا وهي تنظر من النافذة:

 

“لم تصلنا أي أخبار عن عودته بعد، لكن المطر يهطل بغزارة كهذه، أليس من المرجح أن يعود قريبًا؟”

 

تأملت تاليا السماء التي كانت تومض فيها البروق بين الحين والآخر، ثم أومأت برأسها ببطء.

 

فمن المؤكد أن مواصلة العمل في الخارج ستكون صعبة في مثل هذا الطقس.

 

“استعدّي لتحضير العشاء. سنتناول الطعام في هذه الغرفة الليلة.”

 

“حاضر، يا صاحبة السمو.”

 

خرجت الفتاتان من الغرفة على عجل. وبدا أنهما أدركتا مدى تصميم تاليا على قضاء أمسية حميمة مع زوجها، إذ ارتسمت ابتسامات واسعة على وجهيهما.

 

حاولت تاليا إخفاء حرجها، وركّزت على تحويل غرفة نومه الخالية من أي لمسة شخصية إلى مكان يفيض بالرومانسية.

 

وبناءً على أوامرها، وضع الخدم شمعدانات عتيقة في أنحاء الغرفة وأشعلوا شموعها، ناشرين ضوءًا خافتًا وناعمًا، ثم وضعوا مزهريات مليئة بالزهور قرب النوافذ.

 

وفي تلك الأثناء، فرشت الخادمات مفرشًا أبيض ناصعًا على الطاولة، ورتّبن عليها أدوات المائدة الفضية، وكؤوسًا ذهبية، وإبريقًا مملوءًا بالنبيذ.

 

********

 

سبحان الله و بحمده

سبحان الله العظيم

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.