الفصل 306
********
شعرت تاليا بحرارة تتصاعد في عينيها، فشدّت على أسنانها بقوة.
“أنت أيضًا تظن أنني لن أتمكن من إنجاب وريث سليم، أليس كذلك؟ لهذا ترفضني. إذًا قل ذلك بصراحة فحسب. لماذا تجعلني أتعلّق بالأمل؟ هل تشفق عليّ؟”
لمعت في عيني باركاس فجأة نظرة مخيفة، فانكمشت كتفا تاليا بصورة غريزية.
وفي اللحظة التالية، انحنى باركاس وانقضّ على شفتيها بقبلة مفاجئة. دُهشت تاليا وحاولت دفع صدره بعيدًا، لكنه لم يتحرّك قيد أنملة.
أحاط باركاس مؤخرة عنقها بإحدى يديه.
أخذت تاليا تضرب صدره بقبضتيها بعنف من شدّة الغيظ، فضمّها إليه بقوة أكبر.
شعرت تاليا بقواها تتلاشى تدريجيًا، فتشبّثت بطرف ثيابه بكل ما أوتيت من قوّة.
كم مضى من الوقت وهما على تلك الحال؟ لم يرفع باركاس رأسه إلا حين أوشكت على فقدان وعيها. ثم دفع بجسده نحوها بوضوح، وقال:
“أتظنين أنني أفعل هذا بدافع الشفقة؟”
حدّقت تاليا فيه بعينين محمرّتين، فقبّل باركاس زاوية عينها، ثم قال بصوت أكثر رقة:
“هناك شخصان آخران في عائلة شيركان يمكنهما إنجاب وريث من بعدي. لا داعي لأن تُرهقي صحتك يا صاحبة السمو بمحاولة إنجاب وريث.”
“… لكنني أريد أن أحمل مجددًا.”
همست تاليا بتوسّل شديد. لم تكن تريد التضرّع إليه، لكنها لم تستطع كبح نفسها مهما حاولت.
“لقد تحسّنت صحتي كثيرًا بفضل تيوران. وأنا واثقة بأنني سأتمكّن من إنجاب طفل سليم هذه المرة.”
ما إن أطلقت كلماتها بيأس حتى تغيّرت ملامح عيني باركاس تغيرًا طفيفًا، ثم سألها وكأنه عاجز عن فهمها:
“لماذا تريدين طفلًا إلى هذا الحد؟”
رفعت تاليا عينيها إليه، وقد ارتسم على وجهها تعبير من عجز عن الكلام.
بل أرادت هي أن تسأله.
لماذا لا تريد طفلنا؟
لماذا لا تتوق إلى السعادة التي أضعناها معًا، ولا ترغب في استعادتها؟
ابتلعت تاليا كلمات اللوم التي صعدت إلى حلقها، ثم هزّت كتفيها متظاهرة باللامبالاة، وقالت:
“وهل لا بدّ من وجود سبب؟ من الطبيعي أن ترغب المرأة المتزوجة في إنجاب طفل.”
“هل نسيتِ كل الآلام التي عانيتِ منها طوال فترة حملك؟”
أمسك باركاس بذقنها، وقال مشدّدًا على كل كلمة:
“ألم تعاني لأشهر من الألم حتى إنك لم تكوني قادرة على الجلوس أو الاستلقاء بصورة طبيعية؟”
“… لم يكن الأمر بهذا السوء. لقد استطعت تحمّله!”
مرّت على عيني باركاس نظرة قاتمة للحظة. ولم يُعرف ما الذي أثار غضبه إلى هذا الحد، لكنه ظلّ يحدّق فيها ببرود، قبل أن يقول بصوت خافت:
“لن يُجدي أيّ شيء تقولينه نفعًا. لن أغيّر رأيي.”
أرخت تاليا يدها التي كانت تقبض على كمّ ثوبه، فسقطت بلا قوّة. شعرت بالإحباط الشديد والفراغ، إلى جانب الخزي الذي أخذ يخنقها.
ابتلعت بكاءها الذي أوشك أن ينفجر في أي لحظة، ثم سألته بنبرة متوسّلة، متعلّقة بآخر خيط من الأمل:
“حتى لو كنت أرغب في ذلك بشدّة؟”
أطبق باركاس شفتيه بإحكام، وكأنه يصارع نفسه. لكن حين جاءها جوابه بعد لحظات، لم يكن فيه أدنى تردّد.
“حتى لو كنتِ ترغبين في ذلك.”
عجزت تاليا عن الكلام لبعض الوقت. وشعرت وكأن شيئًا ما ينهار في أعماق صدرها.
هذا الرجل لن يمنحها أبدًا ما تريده حقًا. سيكتفي بمعاملتها كدمية زجاجية هشّة قابلة للكسر، يربّت عليها برفق من حين إلى آخر، ثم يتركها وشأنها. أما أمنياتها الحقيقية، فلن يلقي لها بالًا.
في تلك اللحظة، طفح قلبها بالاستياء منه حتى كاد يبلغ حلقها. وللحظة، شعرت وكأن حبها لهذا الرجل لم يكن سوى كذبة كبيرة.
أكرهه. أكرهه بشدّة.
حدّقت تاليا فيه بعينين تملؤهما مشاعر الاستياء، ثم قالت بلهجة قاسية لاذعة:
“إذًا، لم يعد هناك أيّ داعٍ لبقائي معك على هذه الحال.”
فقدت شفتا باركاس لونهما في لمح البصر.
لكن تاليا لم تكترث، بل أضافت ببرود وقسوة:
“إذا لم تكن تنوي منحي ما أريده، فاخرج من هذه الغرفة فورًا.”
ظلّ باركاس واقفًا بلا حراك لبعض الوقت، ثم نهض أخيرًا. أمّا تاليا، فأدارت وجهها عنه واستلقت على السرير.
وبعد قليل، سمعت وقع خطواته الثقيلة، ثم صوت انغلاق الباب.
عندها فقط، انفجرت دموعها التي حبستها طويلًا.
دفنت تاليا وجهها في الأغطية، وأطلقت شهقات بكائها المكتومة.
تواصل الطقس الكئيب لعدة أيام متتالية.
وبينما كانت تاليا تسير على طول الطريق الممتد عبر الغابة، شعرت بقطرات المطر الباردة تبلّل جبهتها، فرفعت نظرها إلى السماء المعتمة قبيل الفجر. كانت الغيوم الداكنة تنثر قطرات مطر رفيعة.
شدّت غطاء رأسها فوق رأسها، وأسرعت في السير عبر الطريق الترابي الموحل. ولم يمضِ وقت طويل حتى ظهرت كوخ تيوران أمامها. اقتربت منه وطرقت الباب دون تردّد.
“أنا، افتحي الباب.”
وسرعان ما فُتح الباب بصوت صرير.
تجاوزت تاليا تيوران التي كانت تنظر إليها بدهشة، ودخلت بخطوات واسعة إلى الكوخ، حيث كان ضوء الشموع يتراقص في أرجائه.
وقفت تيوران متجمّدة في مكانها للحظات، ثم سارعت إلى تقديم منشفة إليها وسألتها:
“ما الذي أتى بكِ في هذا الوقت المبكر؟”
“لا شيء، لم أستطع النوم فحسب… كنت في طريقي لرؤية كان، فقررت المرور من هنا.”
أجابت تاليا بارتباك، ثم خلعت غطاء رأسها المبتلّ وجفّفت شعرها بالمنشفة. أجلسَتها تيوران على كرسي، ثم أشعلت النار في المدفأة وسألتها:
“هل عادت الآثار الجانبية للظهور؟”
“ليس الأمر كذلك… اعتدت أن أكون إلى جانب كان طوال الوقت، لذا أشعر بالفراغ حين أبقى وحدي، وهذا كل ما في الأمر. لذلك لا أستطيع النوم جيدًا.”
مرّرت تاليا المنشفة على وجهها، وأطلقت تنهيدة ثقيلة.
“لكن، إلى متى علينا إبقاء كان محبوسًا؟ ألا يمكننا إطلاق سراحه الآن؟”
أجابت تيوران بحزم:
“علينا مراقبته لفترة أطول قليلًا.”
ثم أضافت بنبرة قاطعة:
“لقد بدأ بالكاد يعتاد البقاء وحده، وإذا أطلقنا سراحه الآن، فقد نعود إلى نقطة الصفر.”
عقدت تاليا حاجبيها. فقد بدا لها أن حالة قلق كان تزداد سوءًا يومًا بعد يوم.
فكلما ألقت نظرة عليه من خلال الفتحة الضيقة في الباب، وجدته يتجوّل في الغرفة ذهابًا وإيابًا بقلق، أو يتوسّل إليها بطريقة مثيرة للشفقة، وكأنه يرجوها أن تسمح له بالخروج.
كم مرة ضعفت أمام ذلك المشهد، وشعرت برغبة في إطلاق سراحه؟ تذكّرت تاليا كيف كان كان يعوي بحزن وهو ينظر إليها، فتغيّرت ملامحها وسألت بقلق:
“هل أنتِ متأكدة حقًا من أنه يتحسّن؟ أحيانًا يبدو لي أن حالته أصبحت أسوأ من ذي قبل…”
“في الحقيقة… عندما لا تأتي صاحبة السمو لزيارته، فإنه يبقى هادئًا ويتصرّف بصورة جيدة إلى حدّ كبير. لكنه ينفعل ويصبح مضطربًا عندما يراكِ فحسب.”
أطبقت تاليا شفتيها بإحكام.
شعرت بشيء من الاستياء حين سمعت أنها تؤثّر سلبًا في حالة كان، لكنها لم تستطع إظهار ذلك.
كانت تيوران أكثر من يعرف الجانب الوحشي في شخصية كان، ومع ذلك، ألم تكن تبذل قصارى جهدها لترويضه؟ لم يكن بوسع تاليا أن تجعل كل تلك الجهود تذهب سدى.
تماسكت تاليا بعدما شعرت بضعف عزيمتها، ثم أومأت برأسها بملامح حازمة.
“حسنًا. سأعتمد عليكِ.”
بدت تيوران متفاجئة قليلًا، فاتّسعت عيناها، لكنها سرعان ما ابتسمت ابتسامة رقيقة وقالت:
“سأبذل قصارى جهدي حتى لا أخيّب أمل صاحبة السمو.”
ثم استدارت نحو الخزانة، وكأنها تنوي إعداد الشاي لها. وبينما كانت تاليا تراقبها بصمت، جمعت شجاعتها بصعوبة وبدأت الكلام:
“في الحقيقة، لم آتِ من أجل كان وحده… بل هناك أمر آخر أريد أن أطلبه منكِ.”
أخرجت تيوران فنجانًا من الخزانة وأخذت تمسح عنه الغبار، ثم التفتت إلى تاليا بوجه هادئ. وبدا أنها أدركت منذ البداية أن لدى تاليا غرضًا آخر من زيارتها، إذ أجابتها بهدوء تام:
“تفضّلي، أخبريني. إذا كان أمرًا أستطيع مساعدتكِ فيه، فسأفعل ذلك بكل سرور.”
ابتلعت تاليا ريقها بصعوبة.
على الرغم من أنها قضت الأيام الماضية تفكّر في الأمر حتى تمكّنت أخيرًا من اتخاذ قرارها، فإنها لم تستطع الإفصاح عمّا تريده بسهولة.
أخذت تعصر المنشفة الموضوعة على ركبتيها، وتعضّ شفتيها بقلق، إلى أن فتحت فمها أخيرًا وقالت:
“في المهرجان الماضي… ذلك الدواء الذي بعتِه لفتيات القرية. هل يمكنني الحصول على واحد منه أيضًا؟”
توقّفت يد تيوران التي كانت تفرغ أوراق الشاي في إبريقها في منتصف الحركة.
ثم سألتها بحذر:
“هل تقصدين جرعة الحب؟”
شعرت تاليا بحرارة تتصاعد في وجنتيها، فأومأت برأسها.
*********
سبحان الله و بحمده
سبحان الله العظيم
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.