مساحة للحكاية، ووقت لك← الحقول المنسية
الفصل 301نحو 7 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 301

 

*****

 

في مثلِ هذهِ اللحظاتِ، كانتْ تراودُها باستمرارٍ توقّعاتٌ غريبةٌ لا داعيَ لها. ربّما كانتْ تحتلُّ مكانًا في قلبِهِ أعمقَ بكثيرٍ ممّا تتخيّلُهُ، ربما…

 

ولأنّها أرادتْ أن تطردَ تلكَ الفكرةَ من رأسِها، دفنتْ تاليا وجهَها في مؤخرةِ عنقِ كان بعمقٍ أكبرَ.

 

كانتْ تخشى أن تحملَ آمالًا لا داعيَ لها، ثم ينتهيَ بها الأمرُ إلى خيبةِ الأملِ.

 

كان عليها أن تكتفيَ بحقيقةِ أنّهُ يعتبرُها مهمّةً بالنسبةِ إليهِ بوصفِها زوجتَهُ. وبينما كانتْ تحاولُ إقناعَ نفسِها بذلكَ، هبطتْ يدُهُ ببطءٍ فوقَ طرفِ فستانِها.

 

توقّفَ نفسُ تاليا للحظةٍ. أخذتْ يدُهُ الصلبةُ، التي غطّتها الكالو، تتحسّسُ الندبةَ البارزةَ والمتعرّجةَ من خلالِ نسيجِ الحريرِ الرقيقِ.

 

في الظروفِ العاديّةِ، كانتْ ستنتفضُ لمجرّدِ أن يقرّبَ يدَهُ من ساقِها. لكنّها هذهِ المرّةِ، وعلى نحوٍ غريبٍ، لم تشعرْ بأيِّ نفورٍ على الإطلاقِ.

 

أطلقتْ زفيرًا طويلًا، وظلّتْ ساكنةً تتقبّلُ بصمتٍ لمسَهُ الحذرَ للآثارِ الممتدّةِ من فخذِها إلى ركبتِها ثم ساقِها. وشعرتْ ببرودةِ هواءِ المساءِ تتسلّلُ تحتَ طرفِ ثوبِها المرفوعِ قليلًا. وحتى من دونِ أن تفتحَ عينيها، استطاعتْ أن تعرفَ أنّهُ كان ينظرُ إلى ساقِها.

 

ومن دونِ أن تشعرَ، قبضتْ تاليا على فراءِ كان. وفي تلكَ اللحظةِ، اشتدّتْ قليلًا عضلاتُ ساعدِهِ الطويلِ والقويِّ الذي كان يحيطُ بها.

 

هل يا تُرى يجدُ ندبتي مقزّزةً أكثرَ ممّا توقّعَ؟

 

وبينما كانتْ تحبسُ أنفاسَها وهي تفكّرُ في ذلكَ، أدارَها باركاس فجأةً نحوَهُ، وأضجعَها على جانبِها ثم أحاطَ بها بذراعيهِ بإحكامٍ، من دونِ أن يتركَ بينهما أيَّ فراغٍ. فتسلّلتْ تاليا إلى أحضانِهِ كطفلةٍ تتذمّرُ وهي نصفُ نائمةٍ. وانتشرَ شعورٌ حادٌّ بالسعادةِ من أعماقِ بطنِها مع دفءِ يدِهِ التي أحاطتْ بظهرِها.

 

حين كانتْ بين ذراعيهِ، كان يبدو لها أنّ جميعَ همومِها وقلقِها وآلامِها تُغسلُ بعيدًا دفعةً واحدةً.

 

أسندتْ تاليا رأسَها إلى كتفِهِ الصلبِ، واستنشقتْ أنفاسَها ببطءٍ.

 

وظلّتْ بين ذراعيهِ لمدّةٍ لا تعرفُ مقدارَها. ثم أخذتْ اليدُ التي كانتْ تربّتُ على رأسِها تتباطأُ شيئًا فشيئًا، إلى أن سكنتْ تمامًا في لحظةٍ ما.

 

رفعتْ تاليا رأسَها خلسةً. كان نائمًا نومًا عميقًا، بوجهٍ بريءٍ ونقيٍّ كصبيٍّ لم يختبرْ قطُّ عواصفَ الحياةِ. وانتشرَ ألمٌ لا يمكنُ تفسيرُهُ من أعماقِ قلبِها عندَ رؤيتِها لذلكَ المظهرِ المختلفِ عنهُ تمامًا.

 

رفعتْ تاليا خصلاتِ شعرِهِ التي كانتْ تغطّي محيطَ عينيهِ بحذرٍ، وأزاحتْها إلى أعلى جبينِهِ. ولعلَّ عشبةَ النومِ التي أشعلتْها في الغرفةِ أثّرتْ فيهِ أيضًا، إذ ظلَّ باركاس ساكنًا تمامًا وعيناهُ مغمضتانِ.

 

وبفرحٍ، أخذتْ تمرّرُ إصبعَها ببطءٍ على الخطوطِ الدقيقةِ الممتدّةِ من جبينِهِ إلى جسرِ أنفِهِ ثم شفتيهِ. وارتعشتْ أطرافُ أصابعِها ارتعاشًا خفيفًا كتموّجِ الماءِ عندَ شعورِها بملمسِ بشرتِهِ الناعمةِ والملساءِ.

 

وبينما كانتْ تاليا مستلقيةً على بطنِها، أخذتْ تلامسُ رموشَهُ الطويلةَ ووجنتَهُ الناعمةَ برفقٍ. ثم خفضتْ رأسَها بحذرٍ، وأطبقتْ شفتيها بخفّةٍ على شفتيهِ.

 

ومع شعورِ أنفاسِهِ الدافئةِ تداعبُ أغشيتَها الحسّاسةَ، انقبضَ قلبُها بلذّةٍ عذبةٍ.

 

كرّرتْ قبلاتِها الخفيفةَ الشبيهةَ بلمساتِ الريشِ عدّةَ مرّاتٍ أخرى. ثم أدركتْ فجأةً نظراتِ كان المحدّقةَ إليها، فتوقّفتْ عن الحركةِ.

 

ولعلَّ تأثيرَ الدواءِ عنهُ قد خفَّ قليلًا، إذ كانتْ عيناهُ أكثرَ وضوحًا هذهِ المرّةِ.

 

شعرتْ تاليا ببعضِ التوتّرِ. فقد كانتْ تخشى أن يعودَ إلى التصرّفِ بعنفٍ. لكنّ الذئبَ ظلَّ منبطحًا بهدوءٍ فوقَ السريرِ من دونِ أن يتحرّكَ قيدَ أنملةٍ.

 

فشعرتْ تاليا بالارتياحِ عندَ رؤيتِهِ هادئًا، وربّتتْ على أذنِ كان وهمستْ بصوتٍ خافتٍ:

 

“ما رأيتَهُ للتوِّ سرٌّ بيني وبينكَ.”

 

رمشَ كان ببطءٍ. وغمرَها شعورٌ بالاطمئنانِ عندَ رؤيتِهِ بتعبيرِهِ الوديعِ المعتادِ.

 

يبدو أنّ تصرّفَهُ الغريبَ في وقتٍ سابقٍ كان مؤقّتًا بالفعلِ.

 

قرّبتْ تاليا الذئبَ إلى صدرِها واحتضنتْهُ بإحكامٍ، ثم أغمضتْ عينيها.

 

 

******

 

 

حدّقتْ تاليا إلى كان، الذي كان يعترضُ طريقَها بإصرارٍ، بعينينِ امتزجَ فيهما الضيقُ والقلقُ.

 

واستمرّتْ تصرّفاتُ كان الغريبةُ بعدَ ذلكَ أيضًا. كان لا يحبُّ ابتعادَها عن جوارِهِ من قبلُ، لكنّ تعلّقَهُ بها ازدادَ في الآونةِ الأخيرةِ إلى حدٍّ أصبحَ يسبّبُ مشكلةً. فإذا حاولتْ أن تخرجَ من الغرفةِ وحدَها، أظهرَ مقاومةً شديدةً، وظلَّ مضطربًا لا يهدأُ. وكان يرفعُ شعرَهُ كاملًا ويحذرُ بشدّةٍ بمجرّدِ أن يقتربَ أيُّ شخصٍ من جوارِهِ.

 

وكانتْ ردودُ فعلِهِ تلكَ أشدَّ خصوصًا تجاهَ تيوران وباركاس. لطالما شعرتْ من قبلُ أنّهُ لا يحبُّ باركاس كثيرًا، لكنّهُ في الآونةِ الأخيرةِ بدا وكأنّهُ لا يحتملُ حتى وجودَها هي وإيّاهُ في المكانِ نفسِهِ.

 

فكلّما حاولتْ قضاءَ بعضِ الوقتِ وحدَها مع باركاس، كان يُظهرُ اضطرابًا شديدًا ويثيرُ ضجّةً كبيرةً، حتى إنّها لم تتمكّنْ خلالَ الأيامِ القليلةِ الماضيةِ من الجلوسِ معهُ والتحدّثِ بشكلٍ لائقٍ.

 

لكنّ أخطرَ ما في الأمرِ كان ردَّ فعلِهِ تجاهَ تيوران. فبمجرّدِ أن تقتربَ منهُ، كان يكشّرُ عن أنيابِهِ ويزمجرُ بعنفٍ مخيفٍ، حتى أصبحَ من الصعبِ في الآونةِ الأخيرةِ إخضاعُهُ لفحصٍ طبيٍّ لائقٍ.

 

وفي ضيقٍ، أمسكتْ تاليا بوجهِ كان بكلتا يديها، وأجبرتْهُ على النظرِ في عينيها.

 

“لماذا تتصرّفُ هكذا؟ ما الذي فعلتْهُ تيوران لكَ حتى تعاملَها بهذهِ الطريقةِ؟”

 

وعلى الرغمِ من أنّها حاولتْ أن تبدوَ مهدّدةً، ظلَّ كان يعترضُ الطريقَ المؤدّي إلى كوخِ تيوران، مصرًّا على موقفِهِ. ولم يُبدِ أيَّ نيّةٍ للتراجعِ على الإطلاقِ.

 

ولو أنّها تجاهلتْهُ وذهبتْ إلى تيوران، فمن المؤكّدِ أنّهُ سيلحقُ بها ويثيرُ الفوضى.

 

وفي النهايةِ، استدارتْ وعادتْ أدراجَها.

 

عندها فقط، بدا أنّ كان قد رضيَ، فأخذَ يهزُّ ذيلَهُ ويلحقُ بها.

 

تغيّرتْ نظرةُ تاليا وهي تنظرُ إليهِ، وغاصَ بصرُها في الظلمةِ. فقد شعرتْ أنّ رغبةَ كان في احتكارِها لنفسِهِ تتجاوزُ الحدودَ شيئًا فشيئًا.

 

“هل تتصرّفُ بسوءٍ هكذا لأنّني لم أعدْ أمنحُكَ ما يكفي من الاهتمامِ؟”

 

ألقتْ عليهِ السؤالَ بلا تفكيرٍ بسببِ ضيقِها، لكنْ من المستحيلِ أن يأتيَها جوابٌ.

 

تنهدتْ تاليا طويلًا، وربّتتْ على رأسِ كان. كانتْ تظنُّ أنّ إغداقَ المزيدِ من المودّةِ عليهِ قد يخفّفُ من تصرّفاتِهِ الغريبةِ، ولذلك كانتْ في الآونةِ الأخيرةِ تؤجّلُ حتى أعمالَ تجارةِ الأقمشةِ وتحاولُ البقاءَ إلى جوارِهِ قدرَ الإمكانِ، لكنّ قلقَ كان لم يهدأْ على نحوٍ يُذكرِ.

 

“هل السببُ أنّني لم أعدْ أخرجُ إلى الخارجِ مؤخرًا؟”

 

رفعتْ رأسَها ونظرتْ نحوَ بوابةِ القلعةِ. فقد ظلّتْ تقيمُ داخلَ القلعةِ وحدَها لفترةٍ من الزمنِ حفاظًا على وعدِها لباركاس.

 

هل من الممكنِ أن تكونَ تصرّفاتُهُ الغريبةُ ناتجةً عن عدمِ إشباعِ حاجتِهِ إلى الحركةِ؟

 

نظرتْ إلى كان بعينينِ جادّتَينِ.

 

فقد مضى ما يقاربُ شهرًا كاملًا من دونِ أن يتمكّنَ من الركضِ كما ينبغي، واضطرَّ إلى الاكتفاءِ بالتجوّلِ في الحديقةِ، ولذلك كان من الطبيعيِّ أن تصبحَ طباعُهُ أكثرَ حدّةً.

 

عضّتْ تاليا شفتَها السفلى بإحكامٍ، ثم استدارتْ نحوَ البوابةِ الخلفيّةِ للقلعةِ.

 

فكّرتْ أنّ السماحَ لهُ بالركضِ في الحقولِ كما يشاءُ لبضعِ ساعاتٍ قد يحسّنُ حالتَهُ قليلًا.

 

“يمكنني أن أختلقَ عذرًا مناسبًا لباركاس لاحقًا.”

 

اصطحبتْ تاليا كان، وعبرتْ طريقَ التنزّهِ بسرعةٍ.

 

وفي تلكَ اللحظةِ، وقعَ بصرُها على لينا وهي تعبرُ الحديقةَ ممسكةً باللجامِ بيدٍ واحدةٍ.

 

تصلّبتْ ملامحُ تاليا. فقد خافتْ أن تستفزَّ أختُ زوجِها الوقحةُ كان، الذي أصبحَ عصبيًّا أصلًا، فسقطَ قلبُها في صدرِها.

 

استدارتْ على عجلٍ، لكنّها كانتْ قد التقتْ بعيني لينا بالفعلِ.

 

“إلى أينِ تذهبينَ؟”

 

اقتربتْ لينا منها وسألتْها بنبرةٍ أشبهَ بالاستجوابِ. فأجابتها تاليا بلا اكتراثٍ، وكأنّ الأمرَ مزعجٌ بالنسبةِ إليها.

 

“إلى أينَ سأذهبُ؟ كنتُ أتنزّهُ فحسبُ.”

 

“ألم تكوني تنوينَ الخروجَ من القلعةِ؟”

 

قالتْ لينا ذلكَ وهي تعقدُ ذراعيها أمامَ صدرِها.

 

“لقد كنتِ تتجهينَ نحوَ البوابةِ الخلفيّةِ.”

 

قطّبتْ تاليا حاجبَيها. فقد أزعجَها أسلوبُها بشدّةٍ، وكأنّها تخضعُها لاستجوابٍ.

 

“ما شأنُكِ إلى أينَ أذهبُ؟”

 

“ألم يطلبْ منكَ أخي أن تمتنعِي عن الخروجِ من القلعةِ؟”

 

سألتْها لينا بنبرةٍ جدليّةٍ.

 

“ما سببُ محاولتِكِ اصطحابَ ذلكَ الذئبِ إلى خارجِ القلعةِ حتى مع مخالفةِ تعليماتِ أخي؟”

 

نظرتْ تاليا إليها بعينينِ امتزجَ فيهما الاستياءُ والارتباكُ. لم تستطعْ أن تفهمَ إطلاقًا سببَ تصرّفِ هذهِ الفتاةِ المتغطرسةِ وكأنّها ضبطتْها متلبّسةً بجريمةٍ.

 

“ولماذا يجبُ عليَّ أن أجيبَ عن أسئلتِكِ؟”

 

ردّتْ تاليا بحدّةٍ.

 

“أنا أكبرُ منكِ سنًّا ومقامًا. وليسَ لكِ الحقُّ في استجوابي بهذا الشكلِ.”

 

ثم حاولتْ أن تتجاوزَها برفقةِ كان، لكنّ لينا وقفتْ في طريقِها، وقالتْ بصوتٍ خافتٍ:

 

“أنا أعرفُ أنّكِ خرجتِ من القلعةِ سرًّا عدّةَ مرّاتٍ.”

 

 

*****

 

غدًا ممكن أتأخر بتنزيل الفصل بسبب تدريبي بالصيدلية ف ممكن ينزل عالعصر يعني ساعة أربعة أو أربعة و نص ، و شكرا لتفهمكم🩷

 

୨୧ ───────────── ୨୧

 

 

 𓂃 ࣪˖ ִֶָ سُبْحانَ اللهِ وبِحَمْدِه

 

𓂃 ࣪˖ ִֶָ سُبْحانَ اللهِ العَظيم

 

୨୧ المُترجمة مروة ♡ ୨୧

 

⌇ Instagram: maxi_mine06

୨୧ ───────────── ୨୧

 

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.